الفلسطينيون والأدب المقارن كتاب يسيء لحسام الخطيب

يثير كتاب «الفلسطينيون والأدب المقارن» وهو من إعداد فريال غزول اهتمامنا لغير سبب، فالكتاب يضم بين غلافيه فصولا أربعة، الأول منها لعز الدين المناصرة عن محمد روحي الخالدي، وكتابه «علم الأدب عند الإفرنج والعرب» 1904 وريادته للدراسات المقارنة في الوطن العربي. والثاني، وله مؤلِّفان، أولهما فريال غزول، التي تتناول في الجزء الخاص بها إدوار سعيد، وكتابه الموسوم بعنوان «العالم، النص، الناقد» (1983) في حين يتناول المناصرة عددا من مؤلفات إدوار سعيد المترجمة، «تأملات حول المنفى» 2004 و«الاستشراق» 1978 و«الثقافة والإمبريالية» 1997 وفي الثالث نجد مقالات عدة لمؤلفين لا يتضح أن لهم اهتماما كبيرا أو صغيرا بالأدب المقارن. ومما يلفت النظر، ويجذب الانتباه، في هذه العروض الصحافية، وقوف الكاتب القاص جعفر العقيلي عند كتاب «النقد الثقافي المقارن»، فقد أورد المناصرة في ذلك الكتاب رؤيته لمفاهيم الأدب المقارن لدى بعض رواده العرب، كالخالدي، والبستاني (سليمان) والحمْصي، مؤلف «منهل الورّاد»، ومحمد غنيمي هلال صاحب كتاب «الأدب المقارن».
وترجع أهمية عرض العقيلي لكونه صورةً أخرى من الفصل الأول لكتاب غزول الذي كتبه المناصرة، وإن بدا لنا التركيز على الخالدي تركيزًا لا يخلو من بعض التحَيُّز، فهو- أي المناصرة- يضفي عليه من التقريظ أكثر مما يستحق، مقللا من شأن الآخرين. وفي الوقت الذي يذكر فيه اسم كاتب المقال في موضع بارز يهمل اسم كاتب المقال التالي، ويكتفي بالإشارة إليه إشارة خجلى في الحاشية، وهذا لا يتسق مع بقية المقالات. وقد تبدو هذه المسألة شكلية، إلا أنها، مع ذلك، توحي بأن فصول الكتاب، ومقالاته، لُفِّقت على عجلٍ، من غير رويةٍ ولا تدبير. أما ما نُسب لحفناوي بعلي في هذه المقالة، فلا يقتصر على الأدب المقارن، لا من حيث النظرية، ولا من حيث التطبيق، وإنما هو (كشكول) يضم في ثناياه ما لا صلة له بهذا الأدب، وما ليست له صلة بالأدب عامة، فهو يتحدث عن كون المناصرة شاعرًا ناقدأ. ويتناول شعرية الأمكنة في منجزه الإبداعي. وقد أسرف في الابتعاد عن الموضوع إلى الحد الذي يبسط فيه القول عن آراء المناصرة في الشعر الفلسطيني، وعن موقعه بين الشعراء من أمثال محمود درويش، وفدوى طوقان، ومريد البرغوثي، بل إنه يتجاوز ذلك إلى تناول موضوع التراث في شعره، ويوغل في الابتعاد عن الموضوع عندما يُسرف في الحديث عن كتابه «إشكاليات قصيدة النثر». وأوغل أكثر من ذي قبل في تناوله لكتاب المناصرة «الفن التشكيلي الفلسطيني» 1975 والمتأمل في ما كتبه حفناوي بعلي لا بد له من أن يُنكر على الدكتورة غزول هذا الخليط غير المتجانس، ولا المتناسب، في كتاب يحمل عنوان الأدب المقارن.

في الوقت الذي يذكر فيه اسم كاتب المقال في موضع بارز يهمل اسم كاتب المقال التالي، ويكتفي بالإشارة إليه إشارة خجلى في الحاشية، وهذا لا يتسق مع بقية المقالات.

ومما يلفت الأنظار أن الجزائرية خديجة بن شرفي في مقالها عن «النقد الثقافي المقارن» تتغنى من الجملة الأولى بالمؤلف وإنجازه في الشعر. وأنه الأبُ الروحي الحقيقي للحداثة الشعرية في الأردن منذ الستينيات ـ مع أنه لا يُعرف عن الكاتبة متابعتُها للشعر في الأردن فكيف اهتدت لهذا؟ مؤكدة أنه مؤسس تقاليد القصيدة الحديثة فيه، علاوة على أنه «أحد كبار منظري الأدب المقارَن في الوطن العربي». ونحن لا ننكر على المناصرة هذه الأمجاد، ولا ننفي أنه من رواد الحداثة الشعريّة، وقد أشرنا إلى ذلك في غير كتاب، غير أن المقال الذي يُفترض فيه الحد الأدنى من الموضوعية، والنزاهة المتجردة عن الهوى، يبدأ ـ للأسف- بهذه التصريحات المتلاحقة، المتراكمة، والأحكام الفاقعة، التي لا تستند إلى قرائن مادية ملموسة.
ويتساءل القارئ عن الأسباب التي تدفع بغزول لتأخير الفصل الذي يتناول جهود حسام الخطيب، مع أنه أوفر الأربعة آثارًا، وأكثرهم شمولا، ووضوحَ منهج. وقد يُذكرنا هذا الموقف بمن أشارت إليهم مقدمة الكتاب من مقارنين، فاكتفت من باب رفع العتب – مثلما يقال- بذكر خليل الشيخ، ويوسف بكار، ومحمد شاهين، ذكرًا عابرًا، يشبه إضافة الواو لاسم عمرو، فهي إضافة لا معنى لها، ولا قيمة. وفي هذا الفصل نجد مقالا مستلا من كتاب لحفناوي بعلي. ومن المعروف أن حفناوي هذا اقتبس في كتابه «النقد الثقافي المقارن» الكثير جدا من كتاب عز الدين المناصرة، وكتاب «النقد الثقافي» لعبدالله الغذامي بدون إحالات، وبدون عزو. مما تسبب في فضيحة مشهورة عند فوزه بجائزة الشيخ زايد للكتاب (2010) ثم سحبت منه بعد إدانته بالسرقة والاختلاس والسطو. ولهذا نحسبُ أن ضم هذه المقالة للكتاب الصادر بعد الفضيحة كأنما يضفي الشرعية على (التلاصّ) ولكن مُعدَّة الكتاب اقتصرت على ما يتصل منه بحسام الخطيب. بمعنى أن ما كتبه المناصرة، وادعاه بعلي، أدرجته معدة الكتاب وكأنه مقالة عن حسام الخطيب، وجهوده. بيد أن الكاتب بعلي لم يقتصر على المقارنة، بل تناول ما كتبه الخطيب عن تطور الأدب الأوروبي، وما كتبه عن الثقافة والتربية في مواجهة الغزو، وما كتبه عن الأدب والتكنولوجيا، والنصّ المتشعب.

 الحملة على حسام الخطيب، وعلى كتابه، وجهوده، في الأدَب المقارن خاصَّة، والأدب عُمومًا، موقفٌ غير جدير بالتقدير، لاسيَّما وأن مُعدَّة الكتاب أساءت عندما سلطت الأضواء على الآخرين، فيما لم يحظ الخطيب إلا بالظلال.

وفي هذا كله خروجٌ عن مفاهيم المقارنة، والأدب المقارن، خلافا لمقالتي السوريين فؤاد عبد النبي، وعبيده عبود القصيرتين. فهما تعرضان عرضًا صحافيًا سريعًا موجزًا لكتاب الخطيب «آفاق الأدب المقارن». غير أن الكتاب الذي حظي بإعداد فريال جبوري غزول انتهى بملاحظة، يحار فيها القارئ حيرةً شديدة، إذ لا يُعلم إن كانت جزءًا من مقالة عبود؟ أم من غزول زادت فيه، وحملت عليه؟ أم هي من إضافات كاتبٍ آخر؟ فالكاتب الذي قام بكتابتها يحمل حملة شعواء على حسام الخطيب كونه لا يشير في الباب الرابع من «آفاق الأدب المقارن» لكتاب المناصرة الذي سبق ذكره، ولا يذكره أيضًا في المصادر والمراجع، ولم يشر لجهوده إلا مرةً واحدةً، واصفاً هذا الموقف من حسام الخطيب بـ« تجاهل العارف» تارةً، وطورًا بـ«الموقف التنافسي القائم بين الرجلين» ويعزوهُ لـ«اعتبارات ذاتية مَحضة» فــ»الحقيقة الموضوعية» (كذا) لا تجيز للخطيب أن يتجاهل المناصرة بوصفه المقارن العربي البارز الذي يضطلعُ بدور فعّال في الأدب المقارن».
ومثل هذه الحملة على حسام الخطيب، وعلى كتابه، وجهوده، في الأدَب المقارن خاصَّة، والأدب عُمومًا، موقفٌ غير جدير بالتقدير، لاسيَّما وأن مُعدَّة الكتاب أساءت للخطيب عندما سلطت الأضواء على الثلاثة الآخرين، فيما لم يحظ الخطيب إلا بالظلال. فمثلما تأخذ على الخطيب تجاهله للمناصرة، وكتابه في «النقد الثقافي المقارن»، يُؤخذ عليها أنها تجاهلت بدورها عددا ممن أسهموا في هذا الميدان، وأولهم محمد شاهين، صاحب تحولات الشوق، وتأثير ت. س. إليوت في بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وتجاهلت خليل الشيخ مؤلف باريس في الأدب العربي، ومؤلف ظاهرة الانتحار التي شملت عددا من الكتاب العالميين، فضلا عن العرب، وتجاهلت دراسته المقارنة بين أمل دنقل وسيلفيا بلاث، وكتابه القيم دوائر المقارنة، وتجاهلت الكثير مما كتبه يوسف بكار ومقارناته بين الأدبين العربي والفارسي، ولم تشر لأيّ من دراسات كاتب هذه الكلمات الذي تناول تأثير لوركا في شعر محمد القيسي، وأثر تشيكوف في قصص محمود سيف الدين الإيراني، ومقارنته «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور برواية «المخطوط القرمزي» لأنطونيو غالا، وبرواية «في ظلال الرمان» للباكستاني طارق علي، ومقارنته قصيدة إبراهيم طوقان «مصرع بلبل» بحكاية أوسكار وايلد المشهورة «العندليب والوردة» ودراسته للأثر الإسباني والأندلسي في شعر محمـــود درويش، ودراسته عن مصرع لوركا، وتأثيره في الشعر العربي الحديث.. ونحسبُ أن لها في عدم الاطلاع عذرًا، وفي التسرع والسهو ما نظنه غفلَةً لا تقصيرا.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية