شكراً للانقلاب والانقلابيين
شكراً للانقلاب والانقلابيين عندما وقع الانقلاب العسكري في موريتانيا في الثالث من آب (أغسطس) عام 2005 غضبت وهاجت الولايات المتحدة الأمريكية، وتبعتها الأمم المتحدة، وحذا حذوهما الاتحاد الإفريقي، حتي الدول العربية أيضاً حملت نفس لواء الشجب، واستنكر الجميع بشدة أن يتم تغيير الأنظمة الديكتاتورية بغير الطريق الدستوري!! وقد تفاعل المواطنون العرب في أوطانهم ولم يخفوا غبطتهم وحسدهم تجاه الشعب الموريتاني الذي استطاعت قواته العسكرية أن تزيح عن كاهله أثقل ما يحتمله البشر وهو الديكتاتور. وإن كان الخير لا يأتي غالباً من الانقلابات العسكرية، إلا أنها تظل الوسيلة المتاحة، والأمل الوحيد أمام المواطن لتغيير الديكتاتور الحالي حتي وإن كان علي سبيل التجديد، فالمواطن العربي لم يعد يحتمل نفس الوجوه التي تحكم وتتحكم في مقدراته ومصيره منذ عقود طويلة مضت ولا زالت مستمرة بنجاح ساحق ماحق، رغم ما آلت إليه أوضاع بلدانها من تراجع في جميع المجالات، وكأن عشرات السنين من القهر والتخلف والفقر لا تكفي لأن تكون حكماً عادلاً علي قدراتهم العاجزة عن النهوض بأوطانهم، بعد أن أغلقوا جميع الطُرق السلمية المؤدية إلي تبادل السلطة.وفي حينه رأيت أنه من واجبي أن أشارك الشعب الموريتاني فرحته، فصدرت لي مقالة حول هذا الموضوع بتاريخ 12 آب (أغسطس) 2005 بعنوان: التغيير عبر الطريق الدستوري المسدود ، تناولت فيها الأسباب التي دفعت أمريكا والأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي لاتخاذ موقف معادي للانقلاب، وبالطبع كلها أسباب واهية لا ترقي إلي إحقاق الحق وإبطال الباطل، وتخوفت من أن يكون الشعب الموريتاني عندما أبدي فرحته العارمة بما حدث ربما يكون كمن يهرب من السيئ وهو الحكم الديكتاتوري، إلي الأسوأ وهو الحكم العسكري.واليوم أجد أنه من واجبي أيضاً أن أعود إلي نفس الموضوع ولكن من وجهة نظر الإنصاف، فإذا كان عسكر موريتانيا استولوا علي الحكم منذ ما يُقارب السنتين، وقد تعرضوا خلالها لعديد من حملات التشكيك، وعمل الجميع علي استفزازهم لإثنائهم عن عزمهم تسليم الحكم للمدنيين والعودة إلي ثكناتهم العسكرية وذلك لتوريطهم أمام شعبهم والشعوب الأخري التي قد تستلهم التجربة منهم، فإنه من حق عسكر موريتانيا علينا، أن نقول لهم شكراً أن التزمتم الصدق ووفيتم بما وعدتم، وشكراً أن وضعتم وطنكم علي خارطة الدول الديمقراطية، وشكراً أنكم لم تعتمدوا التزوير منهاجاً لهذه الانتخابات، في الوقت الذي أصبح فيه تزوير الانتخابات هو السمة المميزة لدول عربية ما فتئت أن تتبجح وسائل إعلامها والمسؤولون فيها بنزاهة انتخاباتهم، وشفافية أحكامهم، في حين امتلأت سجونهم ومعتقلاتهم بالمعارضين من كل حدب وصوب. ويكفي أن موريتانيا سمحت بحضور مراقبين دوليين ومن الإتحاد الإفريقي ليشهدوا علي انتخاباتها الرئاسية ما بعد الانقلاب، وأشادوا جميعاً بنزاهتها وشفافيتها، في حين ما زالت ترفض بإصرار مريب دول عربية كبيرة أي نوع من أنواع المراقبة الدولية أو الإقليمية لانتخاباتها، مع أنها توفد بشكل دوري مراقبين من مواطنيها لمراقبة انتخابات هذا البلد الإفريقي أو ذاك!!!وإن كُنا نشكر عسكر موريتانيا علي هذه الخطوة الكبيرة التي فاقت توقعات الأصدقاء والأعداء علي حد سواء، فنظن أنه من حق المواطن الموريتاني البسيط أن يضع أحد أصابع يديه أو جميعها إن هو أراد، في عين الديمقراطية العربية في الجمهوريات الأبدية التي توصم عصرها بأنه أزهي عصور الديمقراطية. عادل الجوهريرسالة علي البريد الالكتروني6