إذاعة ‘مونت كارلو’، إذاعة ‘البي بي سي’.. هذا ما كان أباؤنا يستمعون إليه إذا أرادوا أن يعرفوا الأخبار الصادقة عن بلادهم، التي كانت تحبو في مجال الإعلام وافتتاح قنوات إذاعية وتلفزيونية تبدأ وتختتم بثها بترديد الروايات والسياسات الرسمية! حتى نسمع أخبار الوطن العربي كان علينا أن نلف حول العالم ونولي بإتجاه فرنسا وبريطانيا، وهذا يذكرنا بقصة حسني البورازان في مسلسل صح النوم ومطلع مقاله الصحافي الذي لم يكتمل حتى يومنا هذا: إذا أردنا أن نعرف ماذا يدور في إيطاليا علينا أن نعرف ماذا يدور في البرازيل! كان هذا الحال حتى ظهر عصر القنوات الفضائية فتحولنا عن القنوات المحلية البائدة الى غير رجعة، ولم تعد عندنا عقدة الأجنبي كمصدر للأخبار الموثوقة، بل أصبح لدينا وعي إعلامي لنفهم أن الإعلام غير منفصل عن السياسة، وأن إعلاما يسيطر عليه اللوبي الصهيوني في المجالات الجادة والترفيهية لن ينظر بعين العطف أو حتى الحياد إلينا! وتكاثرت القنوات العربية مفسحة المجال للمشاهد بالاختيار، الا أنها لم تكن بمعزل عن سياسات الدول التي انطلقت منها أو بشكل أضيق الجماعات الدينية أو الفكرية التي أطلقتها، وكان الفارق بينها في درجة الموضوعية أو التحيز. ثم جاءت ‘الجزيرة’ وكأنها حالة إعلامية متفردة تسعى قدر الإمكان نحو المهنية والاحتراف والموضوعية وتدريب جيل من الاعلاميين العرب ودفعت من أجل ذلك فاتورة باهظة من الدم والسجن والتضييق والملاحقة حتى كان آخر علاج الحكومات لهذه ‘الجزيرة’ التي أقظت مضاجعهم وكشفت مستورهم بإيقاف بثها، فهم يحكمون بسياسة أنا ربكم الأعلى وسلطانهم ماض ليس على رقاب الخلق وأرضهم فحسب بل في السموات والفضاء أيضا! هذه الحكومات هي ذاتها التي تتحدث عن الإصلاح والشفافية وملاحقة الفساد وحالها مع الإعلام يذكر بلافتة أحمد مطر: ‘قال لزوجته اسكتي ولابنه انكتم. صوتكما يجعلني مشوش التفكير لا تنبسا بكلمة. أريد أن أكتب عن حرية التعبير’! ليست ‘الجزيرة’ بغير عيوب، ولكنها أكدت انحيازها الواضح للشعوب العربية في أكثر من موقف وأصبح المواطن يراها محامي الدفاع عن قضاياه، وهو بدوره يدافع عنها كمصدر للمعلومات وعن حقه من خلالها في المعرفة والتغيير ومحاسبة المسؤولين، وكان من نتاج حالة التناغم هذه أن سارت القنوات الجادة على خطاها وتبنت مواقفها وبثت برامجها وأسقطت حسابات المنافسة والربح والخسارة في لحظة تاريخية بحد ذاتها يوم حقق الإعلام العربي جزءا من الوحدة المنشودة على شاشاته. على شاشاتها نرى الرسميين وجوقات المنافقين من حولهم، ولكننا نرى أيضا عذابات الشعوب ونسمع صرخات الاستغاثة التي انطلقت في غزة فوصلت تونس ودوت في مصر في محيط يضج بآلام العرب. مع ‘الجزيرة’ توحدت الدمعة العربية عند سقوط بغداد، وتوحدت الغضبة عند الحرب على غزة، وتوحد الأمل في تونس، وأشرق الصبح في قاهرة المعز مع الجزيرة وبالوثائق عرفنا الخونة والعملاء وتدبيرهم وراء الكواليس وانقطع حبل كذبهم القصير. هنيئا لـ’الجزيرة’ على المكانة التي أدركتها وجعلتها تبث على ترددات قلب الأمة العربية التي تتبع ذبذباتها ولو كانت في الواق واق أو ما وراء درب التبانة. يبدو أن الإعلام العربي الرسمي، الذي يمثل 22 دولة ومن قبله الحكومات، بحاجة أن يفهم أن الشعب العربي بلغ سن الرشد وشب عن الطوق وما عاد يؤمن بقصص الخرافة وسندريلا وبياض الثلج، والذين عاشوا في ثبات ونبات، بل أصبح يعلم أن الحكومات العربية كعلي بابا والأربعين حرامي وأمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة وهي تحتاج الى عنترة ليقطع رأس الحية. من الآن فصاعدا لن نبحث عن ‘الجزيرة’ طويلا بل سنثبتها على الترددات التالية: نبضات الشعب العربي بتردد ما بين الشام وبغدان ونجد ويمن ومصر وتطوان، فحيثما وجدت هذه سنجد ‘الجزيرة’ بالتأكيد. لقد تحقق شيء من الوحدة العربية في الفضاء عندما توحدت الفضائيات الجادة والملتزمة وراء ‘الجزيرة’، فهل تتحقق الوحدة على واقع الأرض؟ د. ديمة طارق طهبوب