خليل قانصو
شيئا فشيئا تتوضّح الأمور في مصر، ويظهر ظل الولايات المتحدة الأمريكية خلف رموز نظام الحكم، الذي خرجت جماهير الشعب منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011، تطالب باسقاطه، فاستطاعت أن تكسر خطوط دفاعاته التي كانت تتولاها أجهزة الأمن. لقد قدمت هذه الجماهير، حتى الآن عشرات الشهداء وآلاف الجرحى الذين خرّوا في ساحات المدن المصرية تحت رصاص رجال الشرطة. رغم ذلك، أي رغم القتل والدماء، خرج الرئيس المصري في ساعة متأخرة من ليل مصر، ليقول ان من حق الناس أن تتظاهر وان على الدولة أن توفر لهم الحماية. وكأنه لم يسمع بما جرى في 28 كانون الثاني/يناير 2011، أو أن الأقمار الاصطناعية هي التي نقلت خطابه إلى وسائل الإعلام من مكان بعيد عن القاهرة. ربما يكون في منتجع شرم الشيخ. وتوخيا للدقة يتوجب القول ان الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي تتعامى هي أيضا، عن أن الشعب المصري يدفع من دماء أبنائه ثمنا باهظا من أجل الحرية والعدالة، وعن أن نظام الحكم قطع وعطل وسائل الاتصال بين المصريين والعالم (ماذا كنا نعرف عن الوضع في مصر لولا قناة الجزيرة)، علما بأن هذه الدول الغربية أقامت الدنيا ولم تقعدها بعد، احتجاجا على تصرفات النظام الإيراني في المواجهات التي وقعت بينه وبين معارضيه عقب الانتخابات الرئاسية. ولكن الغرب عودنا على الانقلاب ضد الديمقراطـــــية، فما زالت تـــجربة تشيلي، واغتيال الرئيس سلفادور الليندي في الأذهان، كما يجب أن لا ننسى اغتيال المناضل الافريقي باتريس لومومبا، واختفاء المناضل المغربي المهدي بن بركة، وسط العاصمة الفرنسية باريس.
ومهما يكن، فإن التطورات التي تتلاحق وتتسارع، منذ أن ألقى الرئيس المصري ‘خطابه’، توشي بأن هذا الخطاب يكاد أن يكون ‘بيانا أمريكيا رقم واحد’، تلاه الرئيس بعد أن تمت صياغته وترجمته، إذ يصعب على المراقب أن يميز بينه من جهة، وبين التصريحات التي تصدر عن الإدارة الأمريكية حول ‘الإصلاحات الواجب اجراؤها، والتي مازال أمام النظام متسع من الوقت لإجرائها’، من جهة ثانية. ولعل أبلغ دلالة على ذلك هو ما تبع هذا الخطاب من إجراءات، كتعيين رجل يرتضيه الأمريكيون، نائبا للرئيس، وتكليف وزير من وزرائه الحاليين، وجنرال سابق، بتشكيل الحكومة. وهنا ينهض السؤال عن العبر التي استخلصها الرئيس من الأحداث التي تشهدها بلاده في هذا الوقت. ما هو الجديد الذي يمكن لنائب الرئيس المعين أن يأتي به؟ فمن المعروف أن الرجل، كان مكلفا بملف القضية الفلسطينية، وكان كثير الجولان بين القاهرة واسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية. وبتعبير آخر كان الرجل يقوم بدور كبير في تنفيذ السياسة التي انتهجها النظام المصري في مجال تصفية الصراع العربي الإسرائيلي. وغني عن البيان أن هذه السياسة، وهي مشتركة بين دول الاعتدال، تحضــــر في مطابخ صنـّاع القرار الأمريكيين، وأن لمصر مهام خاصـــة في إطارها، كان وزير خارجيتها السيد أبو الغيــــط يكشف الغطاء عنها، من وقت إلى آخر، بأسلوبه الدبلوماسي المميز (التهديد بكسر أرجل الفلســطينيين، وارسال قوات إلى لبنان لإسكات المعترضين على المحكمة الدولية). لا مبالغة في القول إذن، بأن الشعب المصري في خطر، فلقد بدأت بالظهور فصول إنقلاب عسكري، تدبره وتديره الولايات المتحدة الأمريكية ضد هذا الشعب الذي خرج دفاعا عن وجوده بعد أن طفح الكيل. ولا أتردد في القول بأن الوضع في مصر الآن يشبه إلى حد ما، وفي بعض أوجهه، الوضع الذي أعقب خطاب الرئيس جمال عبد الناصر، غداة الهزيمة التي وقعت في حزيران/يونيو 1967. ولكن الفرق، هو أن عبد الناصر وإن كان جريحا في ذلك التاريخ، فلقد كان حاضرا حيا يرزق، وأن خطابه لم يكن بالقطع بيانا أمريكيا. يتولد لدى المتابع والمعني بما يدور في مصر في الراهن، انطباع بأن النظام الذي خسر المعركة، في اطار شرعية الدولة، أمام المتظاهرين، خرج اعتبارا من عشية يوم الغضب الجمعة 28.01.11، عن هذه الشرعية التي كان يتستر بها، ولجأ إلى حرب عصابات حقيقية ضد حشود المحتجين، أي ضد شعبه. يتمثل ذلك، بأعمال التخريب والكسر واقتحام البيوت وانتشار القناصين فوق سطوح البنايات واطلاق النار على الناس، أي أن النظام تراجع وراح يفرض حالة من الفلتان الأمني، لكي يرهب المصريين ويجبرهم على الاستغاثة بالجيش. وهنا لا بد من الاشارة إلى أن مبادرة نظام الحكم إلى هذا الهجوم المضاد ضد الشعب المصري، ما كانت ممكنة أو ما كان مجرد التفكير بها محتملا، بالنظر إلى انعدام حظوط نجاحها، لولا الضوء الأخضر الأمريكي والأوروبي، ولولا دعم هذه الأطراف له، ماديا وإعلاميا واستراتيجيا. تتوجب الملاحظة إلى أن الجيش المصري استجاب لنظام الحكم، من دون شرط وكأنه شريك في هذا النظام، على عكس الجيش في تونس، الذي يبدو أنه ربط بين نزوله إلى الشارع من جهة، وخلع رئيس الجمهورية وإدخال إصلاحات فورية على النظام من جهة ثانية. رغم أن بقاء رئيس وزراء الرئيس المخلوع في منصبه يمثل لغـزاً لن يستعصي حله، على التونسيين وقتا طويلا.
وهذا ما يدعو، في تقديري، إلى العودة إلى الذاكرة لترتجع أمامنا، أحداث الأيام، ما بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967. حينذاك انهارت الدولة المصرية وتوقفت مؤسساتها، بفعل الضربة القاصمة التي سددت لها، بواسطة الإسرائيليين. آنذاك خرج الشعب إلى الساحات، وبقي معتصما فيها دفاعا عن مصر، وعن النهج الصحيح، الذي اختاره النظام الناصري وقرر سلوكه، رغم كفاءاته المتواضعة وعيوبه الكثيرة وعظم التحديات التي كان عليه مواجهتها. ولكن الشعب المصري لم يكن وحيدا في تلك الآونة، فلقد خرجت الشعوب العربية جميعها وملأت ساحات المدن في كل الأقطار العربية، لتقف معه ضد الانقلاب الذي كان القصد منه اسقاط النظام الناصري، واستبدال النهج الذي كان يسير عليه بنهج آخر. انتصر الشعب المصري، والشعوب العربية معه، في تلك المعركة. فعاد جمال عبد الناصر إلى موقعه، وبدأ العمل من جديد، في بناء الدولة وفي تنمية القوة والاستعداد لمقاومة المحتلين والمستعمرين. وهنا أيضا، يلزم القول بأن المصريين لم يكونوا وحيدين أمام هذا التحدي الكبير. فلقد ساعدهم الجزائريون والسوريون والليبيون والعراقيون، ووضعوا بتصرفهم بعضا مما كان لديهم من إمكانيات، في جميع المجالات. هكذا توفرت الشروط التي سمحت بالقيام بحرب سنة 1973، التي لم تكن على الإطلاق حربا، بين المصريين والإسرائيليين وحسب، وانما كانت حربا بين العرب والمستعمرين، شاركت فيها الكثير من الجيوش العربية على وجه العموم، والجيوش السورية والعراقية على وجه الخصوص. وهنا أقتضب من هذا الاستطراد، لاقول ان العارفين يتفقون على أن هذه الجيوش حققت في تلك الحرب، انجازات كبيرة على أرض المعركة، وان الدرس الذي استخلصه المستعمرون منها، هو أنه يجب عليهم رسم الخطط وانتهاج السياسات اللازمة لكي لا تتكرر، أي بكلام صريح وواضح، يجب أن لا تحارب هذه الجيوش العربية مجتمعة مرة أخرى، الإسرائيليين. وبقصد الإيجاز الشديد، نضيف هنا، أن الإسرائيليين ومن ورائهم الدول الاستعمارية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، استطاعوا استمالة النظام المصري وإقناعه بتغيير النهج الناصري، مقابل الانسحاب من الأراضي المصرية المحتلة. تجسد ذلك في التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد السيئة الذكر. وتجلى بإغراق لبنان في بحر من المال والدماء، حتى خرجت المقاومة الفلسطينية منه منهوكة القوى، إلى منفاها التونسي، ثم بتلبية الدعوة إلى الجهاد في بلاد أفغانستان. وبالتلازم مع ذلك، تعرضت الحركات والأحزاب الوطنية، في كافة الأقطار العربية، لأبشع حملات القمع والتصفية، إلى أن صار الجهر بإدانة مقاومة المحتلين الإسرائيليين ليس عيبا، وصار العدو الأول ايران وليست اسرائيل.
وجملة القول، ان ثورة الشعب المصري تتعرض، في هذه الآونة لهجوم معاكس كبير، جندت له الولايات المتحدة الأمريكية العديد من الفصائل، التي تتحرك، كما لمحنا إلى ذلك أعلاه على أكثر من جبهة، وسط تغطية إعلامية على الصعيد الدولي، لحرف الأنظار عن الانتهاكات الشنيعة للقيم الإنسانية وللحقوق المدنية والسياسية (هناك تقديرات بأن شهداء الثورة في مصر تجاوز عدة مئات والجرحي عدة آلاف). وذلك لان النظام المصري الحالي يخدم مصالح الولايات المتحدة واسرائيل، ليس في مصر وحدها وانما في المنطقة العربية كلها. ان هذه المصالح هي بنظر الغرب أكبر أهمية من الديمقراطية والحرية والعدالة. بمعنى آخر أن دور مصر يغطي دائما، وأيا كانت الظروف كامل هذه المنطقة، أما سلبا وأما ايجابا. ينبني عليه أن الثورة المصرية، والمصريين عموما، بحاجة إلى الشعوب العربية، وأن هذه الشعوب بحاجة إلى مصر، فهذه الشعوب معنية إلى أبعد الحدود بما يجري على أرض مصر، لما سيكون له، حتما من ارتدادت على أوضاعها المعيشية والسياسية.
والغريب في هذا السياق، أننا نرى الناس يتظاهرون تأييدا، للجماهير المصرية في دول غربية، في حين أن العراقيين والسوريين، صامتون يتفرجون، أو أنهم ممنوعون من التعبير والتظاهر. ولكن هل يكفي التظاهر حتى تنتصر الثورة في مصر ويسقط النظام ويتبدل النهج؟ سؤال لا مفر منه في هذا الزمان، لأن التجارب تثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أن الشعوب العربية، تخطو إلى الأمام معا، وتتراجع وتتساقط وتتقاذفها الريح، مثل أوراق الخريف، إذا افترقت وتنابذت. ‘ كاتب لبناني