الأرض هنا تروي القصة؛ حقول الحبوب الملونة باللون الأخضر على خلفية اللون البني الغامق للأرض الخصبة، جفاف الصيف الذي استبدل به وحل الشتاء، ولكن في هذه الأرض ندوب، الحقول الرائعة تم دوسها بجنازير الدبابات، تحفر أخاديد بنية تجرح خضرة القمح والشعير وتدمر المحاصيل.
هذه حقول خربة ابزك، تجمعات رعاة تقع في شمال تياسير في شمال غور الأردن، أراض خاصة يعيش فيها فلاحون فلسطينيون ورعاة بدو يربون الأغنام ويفلحون الأرض التي تعود لسكان طوباس الواقعة على قمة الجبل.
إسرائيل التي تضع عينها على أراضي الغور وتعمل كل ما في وسعها من أجل إفراغها من سكانها الأصليين، اختارت التنكيل بالتجمعات الأضعف في البداية. رعاة الأغنام والفلاحون الذين استأجروا الأراضي، الفلسطينيون والبدو، هؤلاء يمكن طردهم من بيوتهم ومن أراضيهم، ولو بصورة مؤقتة، من خلال التلويح بأمر عسكري في ظل الاحتياجات الأمنية وتدريبات وهمية لإخلائهم وطردهم المرة تلو الأخرى. هل قام الجيش الإسرائيلي في يوم ما بإخلاء سكان بؤرة استيطانية من أجل أن تستطيع قواته التدرب في حقولها؟ هل كان هناك شخص ما خطر بباله إخلاء عشرات عائلات من المستوطنين ليوم وتركهم تحت قبة السماء إلى أن تنتهي مناورة للجيش الإسرائيلي؟ هل سكان المستوطنات القريبة: بكعوت، مسخيوت، مخورا وروعي، اضطروا ذات يوم إلى الخروج من بيوتهم ليوم واحد من أجل السماح لجنود الجيش بالتدرب على أراضيهم وعند عودتهم وجدوا بيوتهم هدمت بجنازير الدبابات؟ الأبرتهايد الذي يترسخ هنا يبقي حقائق على الأرض. ليس هناك مثل الغور من أجل إثبات وجوده الفظ، العنيف، الوقح والمتبجح، الذي لا يدع مجالاً للشك أو النقاش حول وجود نظام الأبرتهايد. تجمع خربة ابزك هو مثل تجمع السود، مسموح أن نفعل به ما نشاء. إخلاؤهم من بيوتهم مع أطفالهم وشيوخهم بتعليمات من الضابط، والانقضاض على حقولهم وكأنها أرض لا صاحب لها. في الشهر الأخير تم أمر سكان خربة ابزك بترك الخيام 4 ـ 6 مرات، 13 عائلة، 70 نسمة، فيها 38 طفلاً، طلب منهم النوم عدة ليال خارج بيوتهم في أيام 16 و23 و26 و31 من كانون الأول. لعائلتين من الـ 13 عائلة تم تسليم أوامر أخرى لطردهم أيضاً في 17 و18 من ذاك الشهر.
نكبة متواصلة
هذا الأسبوع وصلنا إلى خربة ابزك في اليوم الذي كان مخططاً فيه تنفيذ الإخلاء الأخير للعام 2018. في الليلة السابقة اتصل شخص باسم يغئال من الإدارة المدنية وأبلغ أحد السكان بأن هذا الإخلاء أُلغي، وقد يتم أمر إخلاء الأحد القادم. مختار السكان البدو في المنطقة، عماد خروب تركمان، ظهر هذا الأسبوع ساخراً عندما جئنا إلى خيمته الزرقاء التي كتب عليها كلمة مختار.
ولكن السرور هنا لم يكن في أي يوم كاملاً. تركمان يخشى من احتمال أن بلاغ الإلغاء هو بلاغ كاذب وأن الجنود سيحضرون إاخلائهم رغم ذلك. عدم اليقين كبير جداً هنا. مرت الساعات يوم الإثنين، والشمس كانت في أعلى السماء، ولم يظهر جنود الجيش في خط الأفق. الصور والأفلام عن الإخلاءات السابقة، الأخيرة بينها الأسبوع الماضي التي وثقت من أحد باحثي بتسيلم، عارف ضراغمة، من سكان المنطقة، تروي القصة. السكان يظهرون فيها وهم يسيرون بصمت في طابور. جيبات الجيش والإدارة المدنية يرافقونهم ويدفعونهم من الخلف كي لا يتملصوا، لا سمح الله. هذه صور تذكر بصور النكبة في العام 1948، النكبة التي لم تنته هنا في أي يوم.
أصل عائلة المختار تركمان من قرية قرب حيفا. قال. في فيلم الفيديو عن الإخلاء الأخير تظهر المدرعات الإسرائيلية وهي تقتحم الحقول المزروعة لتجمع الرعاة وتدمرها تحت جنازيرها. الباحث ضراغمة قال إن تجمعات الرعاة في شمال الغور أمروا بإخلاء خيامهم على الأقل مئة مرة في السنوات الخمس الأخيرة. الاإخلاء القصير كان لخمس ساعات والأطول 24 ساعة.
الطريق الوحيدة التي تؤدي إلى هنا هي طريق ترابية طويلة ومتعرجة، تخرج من بلدة تياسير، هذه الطريق فيها الوحل وبرك مياه الأمطار التي تجمعت هذا الأسبوع في عدة مقاطع منها وأصبحت موحلة. السكان يخافون من الوصول إلى هنا بسياراتهم لأن رجال الإدارة المدنية والجيش يمكن أن يصادروا سيارات التندر والجيبات مثلما حدث أكثر من مرة في السابق.
تركمان قال إن 13 تراكتور وسيارة تندر صودرت هنا في السنوات الأخيرة بذريعة أنها دخلت إلى منطقة عسكرية مغلقة. بشكل عام هم يستعيدون سياراتهم بعد بضعة أشهر ودفع غرامة تتراوح بين 1500 ـ 2500 شيكل، لذلك هم يعيشون أحياناً في عزلة كاملة، دون وجود أي وسيلة للمواصلات. المياه يجب عليهم إحضارها بواسطة الصهاريج من مسافات بعيدة، أيضاً الاتصال مع الكهرباء غير موجود بالطبع، وفي ظل غياب وسائل المواصلات، كل رد في حالة الطوارئ لإخلاء مريض أو امرأة حامل من أجل الولادة، تحول إلى أمر معقد وضئيل. أحياناً يخبئون التراكتورات بين الصخور حتى لا تصادر، وأحياناً يضعون مراقبين في الطريق من أجل التأكد من عدم وجود قوات الجيش أو رجال الإدارة في المنطقة، وعندها يقومون بتهريب صهريج مياه يجره تراكتور.
تركمان يجلس حافي القدمين في الخيمة، المدفأة بمدفأة حطب، تخرج منها المدخنة. أغنامه تقف مكتظة في الحظيرة المجاورة، عمره 42 سنة وهو أب لستة أولاد، ابنه البكر أرسله إلى جنين للعمل في البناء، عائلته، قال، أخليت بصورة مؤقتة 40 مرة في السنوات الخمسة الأخيرة.
المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي قال هذا الأسبوع للصحيفة إن الأمر يتعلق بـ «منطقة تدريبات للجيش الإسرائيلي منذ سنوات كثيرة، وعند إعلانها كمنطقة عسكرية مغلقة لا يعيش فيها أحد». وجاء أيضاً أنه في شهر كانون الأول أجريت في المكان تدريبات بالنار الحية لغرض تأهيل الجيش الإسرائيلي وزيادة استعداده. ووفقاً للإجراءات ومن أجل عدم تعريض حياة أحد للخطر من الأشخاص الذين اقتحموا منطقة النيران بصورة غير قانونية، أعطي إنذار مسبق لمن يمكثون في منطقة النيران من أجل الخروج منها في الفترة الزمنية التي تجري فيها التدريبات.
جدعون ليفي
هآرتس 4/1/2019