من القصر في أنقرة: نائب مدير عام سوريا سيتعلم كيفية اللعب مع الآخرين

حجم الخط
0

وزير العدل التركي كان منشغلاً في العام 2008، حسب البيانات التي نشرها وزير الداخلية فإن حوالي 45 ألف مستخدم للشبكات الاجتماعية، بالأساس «تويتر» و«فيسبوك»، تم تشخيصهم على أنهم «نشروا في حساباتهم أقوالاً تؤيد الإرهاب أو تشجعه». حوالي 18 ألف مستخدم تم التحقيق معهم، وعدد منهم قُدموا للمحاكمة. موقع «أهوال» المعارض يضيف إلى هذه البيانات رقماً آخر: بين الأعوام 2010 ـ 2017 تم تقديم 12893 دعوى على إهانة الرئيس، منها 12305 دعوى بسبب إهانة أردوغان الذي عين رئيساً في 2014.
الضحية الأخيرة هي مدير عام بنك «اتش.اس.بي.سي» في تركيا، سليمان سليم كربانجي الذي تم التحقيق معه هذا الأسبوع بسبب تغريدة في «تويتر» شارك فيها قبل خمس سنوات عندما كان أردوغان ما يزال رئيساً للحكومة. في التغريدة أرفق مقطع فيديو من فيلم «الصقور» عن الأيام الأخيرة لهتلر، وفيه تم تغيير الكتابة الأصلية ومحلها كتب «قبلة وداع من هتلر: لقد احتج على تفريق المظاهرات في متنزه غازي». لم يكن أي شك للمتصفحين ضد من وجهت التغريدة. أردوغان هو الذي أمر بتفريق المظاهرة بالقوة في 2013 ضد تحويل المتنزه العام في أسطنبول إلى مركز تجاري وأقسم بأن يعاقب كل من تظاهر أو أيد هذه المظاهرات. هذا الوعد أوفى به بصورة كاملة تقريباً. مدير عام البنك نفى نشر التغريدة وقال إنه لم يعلم عما يدور الحديث عندما شارك في هذه التغريدة.
المشاغل اليومية لوزارة العدل أضيفت لها مهمة عاجلة: استخلاص الدلائل التي تربط فتح الله غولن، الواعظ الديني المنفي في أمريكا، بمحاولة الانقلاب الفاشل ضد أردوغان في تموز 2016، كما ادعى الرئيس. هذا الأسبوع وصل إلى انقرة طاقم من المدعين العامين الأمريكيين لفحص الدلائل الموجودة لدى وزارة العدل كجزء من الإعدادات لتسليم غولن.
حسب أقوال أردوغان فإن الرئيس الأمريكي ترامب وعده بـ «أن يعمل على هذا الموضوع»، مقولة مجردة غير ملزمة كما يبدو، لكنها تفسر الآن كانعطافة في السياسة الأمريكية التي رفضت بصورة مطلقة طلب تركيا، وأشعلت النار التي تلتهم شبكة العلاقات بين الدولتين. هل ينوي ترامب تسليم غولن كجزء من صفقة؟ هل هذا هو البديل الذي تعهد به من أجل أن تطلق تركيا سراح القس الأمريكي، اندرو برونسون، أم أنها إشارة لتسخين العلاقة بين انقرة وواشنطن. «التسخين» ليس بالضبط هو المفهوم الذي يستخدمه أعضاء الإدارة في الولايات المتحدة، لكن لا خلاف على أن تركيا تراكم قوة ونفوذ، بالأساس بسبب الشراكة الاستراتيجية التي نسجتها مع سوريا وهي تشجع واشنطن على التأكد من أن شريكتها في الناتو لن تجتاز الخطوط.

روسيا تربح

في نهاية كانون الأول الماضي زار موسكو وفد تركي رفيع المستوى ضم وزير الخارجية مبلوط تشابشولو، والمستشار الأعلى ابراهيم كالن، ورئيس المخابرات هكان فيدان، من أجل المناقشة مع نظرائهم الروس ترتيبات النشاطات العسكرية والسياسية في سوريا في أعقاب قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا. «هناك مهمة حاسمة لروسيا وتركيا في حل الصراع في سوريا»، أعلن الرئيس الروسي بوتين بعد هذا اللقاء. من المهم أنه لم يشر إلى إيران كشريكة في الخطوات السياسية التي تقوم بها روسيا.
عدد المكالمات الهاتفية التي أجراها بوتين مع زعماء في المنطقة في 2018 تبين أنه أجرى على الأقل 18 مكالمة مع أردوغان مقابل مكالمتين مع ترامب ومع القيادة السعودية، وعشر مكالمات مع بنيامين نتنياهو. في الشهر الماضي تم تدشين الجزء تحت البحر لأنبوب الغاز بين روسيا وتركيا، الذي سيمتد أيضاً إلى أوروبا، ومؤخراً رفعت روسيا الحظر عن استيراد البندورة من تركيا، الذي فرضته سوية مع العقوبات التي فرضتها رداً على إسقاط الطائرة الروسية في سماء تركيا في تشرين الثاني 2015.
روسيا لم تزعج تركيا في احتلال مدينة عفرين الكردية في شمال سوريا، وعندما هددت تركيا بتوسيع احتلالها حتى شرق نهر الفرات، حافظت روسيا على الصمت خلافاً لأمريكا التي طلبت من أردوغان وقف مخططاته. أردوغان يؤجل تنفيذ خطة توسيع الغزو، وأعلن بأنه «إذا خرج الإرهابيون من مدينة منبج فلن يكون لتركيا سبب للعمل في المنطقة. الإرهابيون هم المقاتلون الأكراد الذين سيطروا على المدينة في 2016، كجزء من الهجوم المشترك مع أمريكا ضد داعش. حسب ادعاء أردوغان، فإن الولايات المتحدة تعهدت بسحب هذه القوات من المدينة بعد احتلالها، أو على الأقل سيخرجون منها السلاح الأمريكي الثقيل الذي حصلوا عليه كجزء من المساعدة، لكن حتى الآن يواصل الأكراد السيطرة على المدينة وتهديد أردوغان ما زال على حاله.
الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة حول دعم الأكراد أفاد روسيا: سوية مع قرار الانسحاب الذي أصدره ترامب فقد جعل هذا الخلاف جزءاً من القيادة الكردية يطلب المساعدة وحماية جيش الأسد من الهجوم الكردي. الأسد لم يتردد ونظامه نشر صوراً يظهر فيها جنود سوريون يتجولون في محيط منبج. تركيا من ناحيتها قالت إن الصور ليست من المدينة نفسها بل من محيطها، وإن الجنود السوريين لم يدخلوا إلى منبج. وسواء كانت الصور حقيقية أم لا، فإن مجرد توجه الأكراد لسوريا يوضح أنه حتى لو بقيت القوات الأمريكية في سوريا لأربعة أشهر أخرى، لما كان لذلك من شأن في تهدئة الأكراد أو تغيير موقفهم من النظام. النتيجة هي أن تهديد تركيا يخدم مصالح روسيا، ويهدف إلى استكمال سيطرة الأسد على كل سوريا. الهدف المشترك لروسيا وتركيا هو إقامة سوريا موحدة وليس دولة كانتونات أو دولة فيدرالية شبيهة بالعراق، حيث يقيم الأكراد فيها حكماً ذاتياً مستقلاً.
ومن أجل ضمان المصالح التركية على المدى البعيد سيضطر أردوغان إلى تغيير موقفه بالنسبة للأسد، والاعتراف به كحاكم لسوريا، وأن يصك الأسنان ويعقد معه اتفاقات عسكرية تضمن عدم إقامة الأكراد أقليماً مستقلاً يهددون تركيا من خلاله. من يمكنهإاعطاء ضمانات لاتفاقات كهذه هو فقط الرئيس الروسي، وبوتين لا يمنح هدايا بالمجان. اعتراف تركيا بالأسد وتجديد العلاقة الدبلوماسية بين الدولتين يمكن أن يكون الخطوة الأولى التي ستطلبها روسيا. في المرحلة القادمة ستطلب روسيا من تركيا المشاركة في إعادة إعمار الدولة وإعادة اللاجئين الموجودين على أراضيها إلى وطنهم، حتى لو كان لمعظمهم لا يوجد هناك بيت أو عمل، وتطبيق صفقة شراء صواريخ اس400. وربما حتى التوقيع على حلف دفاع يحاول أن يفرغ من مضمونه مشاركة تركيا في الناتو.

لاعبون جدد

إذا كان أردوغان في الجبهة الداخلية في تركيا هو الرئيس القادر على كل شيء ـ يعتقل كما يريد خصومه، مستنداً إلى اغلبية برلمانية مؤيدة، ويعد نفسه للانتخابات المحلية التي ستجري في شهر آذار التي سيثبت فيها مرة أخرى قوته ـ فإن الجبهة الدولية تربطه بالسلاسل التي تقتضيها مشاركته في اللعبة المشتركة. في الجبهة السورية يظهر لاعبون جدد مثل دول الخليج التي منها دولتان، اتحاد الإمارات والبحرين، جددت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. العراق ومصر كما يبدو ستفعلان ذلك أولاً بعدهما، والجامعة العربية جميعها تناقش مسألة إعادة سوريا إلى مكانتها المحترمة.
تركيا هنا يمكن أن تجد نفسها على خلاف مع روسيا التي تؤيد وتدفع بالدول العربية لإعادة علاقاتها مع سوريا، خلافاً لتركيا التي تعتبرها الدول العربية بشكل عام، ومصر والسعودية بشكل خاص، دولة معادية.
إذا وافقت السعودية على دفع تكاليف إعادة إعمار سوريا، كما أعلن الرئيس ترامب بصورة احتفالية، فهي تريد أن تملي شروط الدفع: الابتعاد عن إيران ووقف التأثير التركي. الزبون الأسد يمكنه حينها اختيار التحالف الذي يناسبه وفقاً للتوجيهات التي سيتلقاها من موسكو، وليس في أيدي أردوغان أي ضمانة لأن يفضل الأسد تركيا على السعودية ومصر.
لقد ألقى ترامب على جهاز التخطيط التركي ـ الروسي في سوريا عبوة ناسفة غير متوقعة: في اللقاء مع المراسلين الصحافيين تمتم: «إيران يمكنها أن تفعل في سوريا ما تريد، لكنها ستخرج قواتها منها»، هكذا لخص ترامب التدخل الأمريكي في سوريا بأنه يمنح إيران يداً حرة للعمل كما تشاء. هذه مقولة يجب أن تقلق إسرائيل التي يمكنها أن تفهم منها بأنها بقيت دون دعم أمريكي لنشاطاتها في سوريا. وإسرائيل لا يمكنها الاعتماد على أن الولايات المتحدة ستتوسط بينها وبين روسيا، أو ستضغط على روسيا من أجل التأثير على إيران كي تسحب قواتها من سوريا أو تبعدها عن الحدود الإسرائيلية. أي أن من سيحارب في سوريا سيفعل ذلك على مسؤوليته ـ الولايات المتحدة فقط ستراقب عن كثب.
ولكن هذه السياسة ستكون لها تداعيات على طرق عمل روسيا وتركيا، التي تسعى إلى تقليص تدخل إيران في سوريا. وإذا استطاعت هاتان الدولتان الاعتماد بدرجة كبيرة على أن الولايات المتحدة ستعمل مع إسرائيل على إبعاد إيران، دون أن يطلب منهما مواجهتها مباشرة.. فإنه منذ الآن ستضطران إلى رسم الخارطة السورية لأنفسهما أمام إيران.

تسفي برئيل
هآرتس 4/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية