حارق بـاده قاتل أولاده باء بلعنة من التاريخ

حجم الخط
0

مالك التريكي

لو أن عربيا ممن غادروا هذه الدنيا قبل ثلاثة قرون أو أكثر بعثه الله اليوم بمثلما بعث أهل الكهف، ثم قيل له شيئان فقط: أولا، ‘إن عصابات من اليهود اغتصبوا فلسطين وصارت لهم هناك دولة إرهابية’. ثانيا: ‘إنه كلما سقط حاكم عربي بثورة شعبية سارعت دولة إسرائيل هذه إلى رثائه وإلى بكاء زمنه الجميل حر البكاء’. فهل ترى الرجل يحتاج إلى أكثر من هذا ليعرف من أي طينة جبل هذا الحاكم الذي بالغ في الوطنية إلى حد أن لم يعد يثكل فيه أحد سوى الأعداء؟! حكام أظلم من الظلم وأقتم من الظلام. حكام تمقتهم شعوبهم حتى أنها لم تعد تطيق سماع أسمائهم بينما تحبهم إسرائيل حبا غير عذري وتعاملهم الدول الغربية بحكمة المكر المصلحي التي لخصها ريتشارد نيكسون عندما قال عن طغاة أمريكا اللاتينية أوائل السبعينيات ‘صحيح أنهم أبناء عاهرات. لكنهم أبناء عاهراتنا’: أي أيا كانت رداءتهم الإنسانية وجهالتهم السياسية فإنهم يظلون، رغم ذلك (بل بفضل ذلك)، خدما تحت إمرتنا.

لكن رغم انقطاع أي أمل منذ زمن بعيد في هؤلاء الحكام العرب الذين لا صلاحية لهم إلا الدور الوظيفي في خدمة العدو، فإن من الصعب على أحد الزعم اليوم أنه كان يتوقع أن يمضي طاغية تونس وفرعون مصر في عبادة الذات واعتقاد الألوهية (إذ لا يمكن لأضرابهما أن يكون مؤمنا بأن هنالك في هذا الكون إلها غيره) إلى حد تخيير حرق كامل البلاد وتقتيل جميع العباد على أن يتنازل هو عن عرش جملوكي مثبت في كل مواجع الشعب بمسامير الأبدية ‘الانتخابية’ النخرة. فقد ثبت الآن أن بن علي ألقى خطابه الأخير يوم 13 كانون الثاني (يناير)، الذي أسرف فيه على نفسه وعودا ليبرالية ودعا فيه قوات الأمن إلى الكف عن إطلاق النار على الشباب المحتج، بينما أصدر في الوقت ذاته الأمر إلى ميليشياته بأن تعيث في البلاد قتلا وحرقا ونهبا وإلى قناصته بأن تغتال الأنفس البريئة. ومن بعدي، أنا طاغية تونس، الطوفان. ثم ما إن ألقى فرعون مصر خطابه الذي أعلن فيه أنه لن يترك الحكم حتى نزلت عصابات البلطجية وعتاة المجرمين من خريجي السجون تعيث في البلاد قتلا وحرقا ونهبا وتعتدي على شباب مصر الذي أبهر العالم برقي سلوكه وسلمية مظاهراته. ومن بعدي، أنا ربكم الأعلى، الطوفان. فهل هناك جاهلية أجهل وأظلم من ظلمات هذه الجاهلية النظامية التي لا ترعى في أهل مصر شرعا بشريا ولا إلهيا؟! بل إن التلفزيونات بثت الخميس ليلا، رغم الحصار المفروض على الإعلام الحر والاضطهاد المسلط على الصحافيين الدوليين، أشرطة فيديو صورها المواطنون تظهر عربات كبيرة تجري بسرعة جنونية وتتعمد دهس الناس في الشوارع. في الوقت ذاته يتنحنح الفرعون ويقول إنه ليس طالب سلطة أو جاه.. ثم يبوح للعزيزة كريستيان أمانبور على قناة أي بي سي بمكنون صدره فيقول إنه قد ضاق ذرعا بالحكم لو تعلمون! وإنه يتمنى التنازل لولا أنه يخاف على مصير مصر من بعده!!! أفلم ير إلى مصير مصر في عهده؟ لقد سبق لأحمد فؤاد نجم أن تساءل على التلفزيون بشأن أحمد نظيف وسياساته الاقتصادية الافتراسية ‘هو مين الأخ نظيف ده؟ هو مصري؟’ ويحق الآن لأي عربي أن يسأل بعد أن رأى سياسة الأرض المحروقة التي يقترفها مبارك في حق بلاده دون أن يرف له جفن: ‘من هو هذا الفرعون الجاثم منذ أحقاب على قلب مصر التي هي قلب الأمة العربية؟ من هو؟ هل هو مصري حقا كما يدعي؟’ إن الرجل يمن على مصر أنه خدم في جيشها الوطني… ولدى كتابة هذه السطور يتصل الفنان خالد أبو النجا بالتلفزيونات الدولية مناديا: أغيثوا شباب مصر! ومنذرا من مذبحة ضد الشباب المعتصمين المسالمين بعد أن أخلى الجيش ميدان التحرير لتمكين البلطجية من الهجوم.

لقد نشرت مجلة ‘جون أفريك’ في منتصف التسعينيات صورة بمناسبة إحدى تلك القمم الكثيرة التي كانت تعقد في شرم الشيخ لأخذ مقاسات ‘السلام الفلسطيني الإسرائيلي’ قبل تفصيل الأكفان. تظهر الصورة الرئيس بيل كلنتون ومبارك واقفين في مؤتمر صحافي في الهواء الطلق. هبت الريح فتطايرت أوراق كلنتون. ماذا فعل الفرعون؟ انحنى أرضا يجمع الأوراق!!! ذلك هو جوهر إنجازات مبارك في العلاقة مع العالم. أما في العلاقة مع الداخل، فإن أبدع إنجازاته هو أنه بلغ بمصر مرحلة البلطجقراطية (حكم البلطجية) التي هي أعلى مراحل الجاهلية الجملوكية. لقد انتهى الفرعون حارقا لبلاده قاتلا لأولاده، وباء بلعنة من السماء والتاريخ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية