الخرطوم-“القدس العربي”: يؤكد كثير من المراقبين أن البعد الاقتصادي يعد أهم أسباب ثورة السودان المستمرة حاليا، وذلك من خلال ندرة وانعدام الخبز والوقود والسيولة النقدية والارتفاع الكبير في أسعار السلع الضرورية.
وأعلن بنك السودان المركزي، عن سياسته للعام الحالي والتي استهدف من خلالها تحقيق الاستقرار النقدي والمالي وكبح جماح التضخم واستقرار المستوى العام للأسعار، واستقرار سعر الصرف وتعزيز الثقة بالجهاز المصرفي بغرض احتواء الأزمة التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عام.
واستهدف البنك خفض معدلات التضخم التي اقتربت من 70 في المئة لشهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إلى 27.1 في المئة وفتح التمويل العقاري للمواطنين واستمرار آلية صناع السوق، وتخصيص 50 في المئة من التمويل للإنتاج، وإلزام المصارف بتطوير ضوابط مكافحة غسل الأموال. وتوقع محافظ بنك السودان في مؤتمر صحافي في وكالة “السودان للأنباء” تدفقات من العملة الأجنبية من رسوم نقل بترول دولة جنوب السودان والدخول في إنتاج الذهب، مشيرا إلى نجاح آلية صناع السوق في استقطاب النقد الأجنبي.
وطالب محافظ المركزي المصارف حسب وكالة الأنباء الرسمية بخفض التعثر إلى نسبة معيارية لا تتعدى 6 في المئة وذلك في نهاية هذا العام وبناء المخصصات الكافية، مطالبا بتحسين السيولة الداخلية والاحتفاظ بنسبة 10 في المئة كمؤشر من جملة الودائع الجارية والادخارية بالعملة المحلية في شكل سيولة نقدية؛ مع احتفاظ بنسبة 5 في المئة كحد أدنى من جملة الودائع الجارية.
وأعلن أحمد سعد عمر وزير رئاسة مجلس الوزراء في ندوة بثها التلفزيون الرسمي على الهواء “أن الحكومة ماضية في برنامج إصلاح الدولة ومعاش الناس وتوفير الخبز والوقود والنقود وغيرها” مبشرا بأن العام الحالي سيكون أفضل عبر موازنة برامج وتنمية وسلام واستقرار.
واستعرض اقتصاديون رسميون في إطار المبادرة السودانية لدعم الحلول الاقتصادية، العديد من البرامج التي تسهم في تحسين معاش الناس. وجاء في لقاء خاطبه رئيس مجلس الوزراء ورئيس المالية معتز موسى، تبني العديد من الخطط والإجراءات دعم الدولة للتمويل الأصغر وقطاع التعاون. واستعرض عادل عبد العزيز، مدير قطاع التجارة والتعاون وشؤون المستهلك، تجربة ولاية الخرطوم في تحسين معاش الناس، من خلال منافذ البيع المخفض في رمضان. وأشار متحدثون إلى ضرورة دعم سبع سلع رئيسية في مقدمتها الدقيق والزيت والسكر ولبن البدرة إضافة إلى الألبان والبيض.
وفي مؤتمر صحافي عقدته الجبهة الوطنية للتغيير نهار اليوم الأربعاء الأول من تشرين الثاني/يناير الماضي اتضح البعد الاقتصادي في الاحتجاجات الحالية من خلال التركيز على العامل الاقتصادي. حيث أوضح قادة 22 حزبا مشاركا في الحكومة “أن النظام الحالي يفتقد للإرادة السياسية وآليات تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، بجانب إفتقاره لإرادة وقف التدهور الاقتصادي وعدم سماح تركيبته الحالية في فك العزلة السياسية والاقتصادية خارجياً، وهو ما يجعل السبيل لتجاوز هذا الواقع على المستويين السياسي والاقتصادي صعبا”.
ويقول الصحافي ماهر أبو الجوخ، في تعليقه على المذكرة التي تعتزم الجبهة الوطنية للتغيير (تجمع 22 حزبا) تسليمها للبشير إنها تطرقت لست قضايا اعتبرتها المركب الأساسي للأزمة الاقتصادية الراهنة والمتلخصة في (العجز الكبير في النقد الأجنبي، والنقص الحاد في السيولة النقدية، والصرف المالي المتعاظم سياسياً وأمنياً وعلى الهياكل الحكومية الضخمة وزيادة معدلات الفساد، وعجز البنوك في سداد أموال المودعين، وتعطيل المشاريع الإنتاجية الكبرى والمؤسسات الوطنية وتسييس وفساد الخدمة المدنية).
ويصف الصحافي أبو القاسم إبراهيم، المتخصص في مجال الاقتصاد، ميزانية العام الجاري بأنها لا تحمل أي سمات جديدة مضيفا “ومن قال أنها موازنة برامج هذا لا يعرف وضع السودان الاقتصادي الذي لا يسمح بميزانية برامج” ويضيف أبو القاسم أن عجز ميزانية 2019 يمثل الأكبر في تاريخ السودان 54 (مليار دولار). مشيرا إلى أن الميزانية الحالية لن تحقق مؤشرات أهدافها والمتمثلة في خلق نمو 5.2 في المئة وخفض التضخم إلى27 في المئة من 69 في المئة وتخفيض عجز ميزان المدفوعات الخارجي من 5.6 مليار دولار إلى 2.5 مليار دولار.
ويضيف أن هذه الميزانية غير حقيقية وغير واقعية وهلامية. واصفا ما يحدث “قمة العبث بحياة المواطن ومعاشه” مستعرضا الفشل في هذا المجال والمتكرر منذ عام 2012 حيث فشلت في تحقيق مؤشراتها أو أي نتائج إيجابية”.
ويضيف: “هذا أمر لا يصدق! ميزانية دولة تبني حساباتها وتقديراتها على موارد وهمية وأخرى غير مضمونة” ويقول “إن العام 2019 بهذه الميزانية والعقلية التي تدير الاقتصاد سيكون عام الندرة الشاملة واستمرار التضخم الجامح في صعوده. واستمرار تكرار أزمات الخبز والوقود مع زيادة أسعاره نهاية الربع الأول”.
ويضيف أبو القاسم أن الأحوال ستظل على ما هي عليه إذا استمرت الحكومة الحالية دون تغيير للنظام أو السياسات، وإذا فشلت في محاربة مهربي الذهب وهم معروفون لديها، أي إذا لم يستطع بنك السودان شراء أكثر من 100 طن من إجمالي إنتاج البلاد المقدر 240 طنا من الذهب سنويا وإذا استمر بقاء السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وإذا فشلت الحكومة في الحصول على قروض لا تقل عن 5 مليارات دولار نقدا أو قروض سلعية طويلة الأجل.
ويرى المحلل الاقتصادي محمد الناير محمد النور، أن الحكومة تجاهلت العديد من النصائح والإجراءات التي من شأنها تحسين الأداء الاقتصادي، ويعتبر في حديثه لـ”القدس العربي” أن الدولة تباطأت كثيرا في إحداث معالجات اقتصادية كان من الممكن تجنبها لما يحدث حاليا، ويضيف أن سبع سنوات منذ انفصال دولة جنوب السودان كانت كافية جدا لإعادة هيكلة الاقتصاد والتحول من الاعتماد الكلي في الموارد على النفط الذي ذهب 73 في المئة من إنتاجه لدولة الجنوب والتي كانت تشكل حوالي أكثر من 90 في المئة من موارد النقد الأجنبي في البلاد وحوالي أكثر من 50 في المئة من إيرادات الموازنة.
ويقول الناير إن الموازنات منذ عام 2012 ظلت تعد بصورة غير صحيحة وتعدل أثناء العام بصورة كبيرة وظلت المعالجة واحدة فقط وهي (رفع الدعم) بصورة مستمرة حيث تم تجريب هذا الأمر حوالي ست مرات ولم ينجح، لأنه ببساطة لا يمكن رفع الدعم في ظل اقتصاد غير مستقر ويضيف أن الدعم جاء نتيجة لأخطاء اقتصادية أدت لتدهور العملة المحلية.
ويرى أن عدم تحرير صرف الجنيه السوداني بصورة كاملة قبل شهرين، كان خطوة جيدة للحصول على النقد الأجنبي “لكن الكثير من الإجراءات المهمة في هذا الاتجاه لم تتبع”. ويعدد مصادر النقد الأجنبي ويقول إنها خمسة وهي المنح والقروض (يصعب الحصول عليها الآن) والاستثمار الأجنبي (لا يأتي إلا بعد تحقيق الاستقرار الاقتصادي) أما المصادر الثلاثة الأخرى فهي عائدات الصادرات غير البترولية وعائدات الذهب وتحويلات المغتربين، مؤكدا أنهم نصحوا الدولة بضرورة اتخاذ إجراءات تساهم في تدفق النقد الأجنبي عبر تحويلات المغتربين بالحوافز المجزية وإزالة العقبات التي تعترض الصادرات غير البترولية (الرسوم والجبايات) وإقامة بورصة للذهب كسرا لاحتكار بنك السودان لشراء الذهب بواسطة جهات محددة، مشيرا إلى أن ذلك لم يحدث حتى الآن.