التشكل النصي في رواية بائع الفستق لريم بسيوني

حجم الخط
0

التشكل النصي في رواية بائع الفستق لريم بسيوني

د.محمد غرناطالتشكل النصي في رواية بائع الفستق لريم بسيونيصدر للكاتبة المصرية ريم بسيوني روايتها الثانية بائع الفستق عن مكتبة مدبولـي (2006) بعد روايتها الأولي رائحة البحر التي صدرت عن دار البستاني (2005)، وبذلك تخطو د.ريم الأستاذة بجامعة يوتا الأمريكية خطوة جديدة في مجال الكتابة الروائية وتحقق إضافة فنية نوعية تستحق التأمل لما فيها من تطوير وإنماء لتجربتها الإبداعية. ويمكن ملاحظة ذلك علي مستويات متعددة شكلا ومضمونا نختزلها في الجوانب التالية:1 ـ اللغةلعل من أبرز العناصر التي تثير الانتباه في رواية بائع الفستق هو اللغة التي كتبت بها. فهي لغة تتميز بالسلاسة والبساطة والوضوح، والدقة في التعبير عن الأفعال والأعمال التي تشكل موضوع السرد، وأحوال الشخوص وأوضاعها المختلفة، وطبيعة الفضاءات التي تؤطر أحداث الرواية. وهذا ما يطالع القارئ بدءا من المشاهد الأولي كان يوم سبت، وانقطع التيار الكهربائي ساعتين، ثم عاد. وعندما عاد كانت معظم اللمبات في الصالة قد احترقت كما احترق أحد الأكباس الأساسية للشقة.. وظهرت الحيرة علي أمي، وعلي أخي، وحتي علي أبي، حتي قام أشرف وتطوع بإصلاح الأكباس وتغيير اللمبات… علي هذا المنوال تتقدم الكاتبة في تجسيد وقائع الرواية بلغة لا نتردد في وصفها حقا بأنها لغة نثرية، لغة النثر الروائي بأوسع معانيه: نثر الحياة كما أوضحه جورج لوكاش، ونثر الأدب والمشاعر والعلاقات. وهي لغة تختلف عن بعض ما نقرأه لدي كاتبات (وأيضا لدي كتاب) يغرقن اللغة في صور وتعابير يصفها البعض بالشعرية، وهي في معظمها غنائية عاطفية، إذ الشعرية لا تتحقق بالإيقاع أو الشكل الخارجي، ولكنها تتحقق أساسا بما توحي به هذه اللغة ولو بلغت حدا عاليا من البساطة. والكاتبة لم تقع في هذا الشرك، وإن بدت في مواضع من الرواية تحت تأثير الميول العاطفية فإنها في أحيان كثيرة تتراجع بذاتها لصالح اللغة.2 ـ التعددمن الأسس التي تقوم عليها الكتابة الروائية أنها مجال التعدد، وليس الأحادية المغلقة. ومنطق التعدد هذا يتطلب توسيع النظرة إلي العالم والقدرة علي التقاط تناقضاته وأضداده، وما يعتمل فيه من صراعات. وهو منطق يختلف عن منطق الأحادية التي لا تري العالم إلا من زاوية واحدة مفردة. وهذا المعطي كما أكد ميخائيل باختين في أبحاثه الرائدة هو قوام الرواية في مقابل أنواع أدبية أخري وحتي النوع الروائي الذي لا يتوفر أصحابه علي هذا الوعي. وقد وفرت ريم بسيوني في روايتها بائع الفستق مجالا واسعا لهذا التعدد علي أصعدة مختلفة: اللغة، والأفكار، والشخوص الحكائية، والمواقف، والقيم…فعلي صعيد الشخصيات مثلا نلاحظ هذا التنوع بكيفية واضحة، إذ لا شيء يخفي أن لكل فئة خصائصها علي مستوي النطق والتفكير. وهكذا نري أن أشرف الشخصية الأكثر تعقيدا في الرواية لها لغة فئتها الاجتماعية، لغة الأرستقراطي الباحث عن المال والمتعة العابرة والرفاهية مع ما يتبع ذلك من أفعال المكر والخداع والحيلة وغياب الحس الاجتماعي السليم، في مقابل وفاء علي بساطتها، وأحيانا سذاجتها، المتمسكة بالذات وقيم الكرامة والنبل والاستقرار كما تري أو تتوهم، وينطبق ذلك علي باقي الشخصيات التي تمتلك لغتها الخاصة وأفكارها في إطار الفئة التي تنتمي إليها، وأيضا في إطار ما قد تنفرد به من صفات تميزها داخل هذه الفئة كحالة سالي مثلا الأخت الصغري لوفاء… وهذا الاختلاف يتجسد بالضرورة علي مستويات أخري من الأفكار والمواقف ، إلي نمط العيش واللباس وأنواع الطعام، وغير ذلك، وكلها تتعارض مع بعضها بتعارض واختلاف الرؤي والمنظورات والعقائد والمستويات الثقافية والاجتماعية.3 ـ المنظور السرديومن المؤشرات التي تؤكد علي نضج الكاتبة ونمو وعيها بناؤها للمنظور السردي في الرواية، فريم تراجعت بصوتها إلي حد يصعب معه اكتشاف أي ملمح واضح لها. والصوت الذي يشكل قوام المنظور في الرواية هو صوت السارد المتكلم. وليس فقط لأنها أوكلت هذه المهمة لوفاء الساردة، وهي أيضا الشخصية الرئيسية ومحور أحداثها ضمن العلاقة التي تربطها بأشرف وبالعالم من حولها، ولكن أكثر من ذلك في الطريقة التي سلكتها في إبلاغ المحكي، بحيث حققت من بين ما حققته التحكم في تقييد المنظور السردي علي الرغم من أنها تحكي بضمير المتكلم وهي مشاركة في أدوار الرواية ووظائفها. غير أنها، وبسبب ذلك تمنح نفسها أحيانا حرية الكلام كما في عرض علاقة أشرف بلبني، ولكن النسق العام بقي قائما علي صوت وفاء مع التنويعات التي تأتينا عبر أصوات الشخصيات كما في الحوارت أو الرسائل، أو تأتي مضمنة في بعض المقاطع الحكائية، إضافة إلي ذلك حققت الكاتبة تضافرا وتكاملا قويين بين الرؤيتين السردية والفكرية، خصوصا علي الموضـوعة الرئيسية في النص المتعلقة بثنائية شرق/ غرب التي تضمر قضايا مطروحة منذ مدة وأخري عرفتها الأجيال الجديدة. وهنا نشير إلي أن صوت الكاتبة لربما يكون قد أعلن هنا عن نفسه من خلال أقوال الطبيبة النفسية حينما قالت عن أشرف إنه الغرب بجبروته وعجرفته ولوفاء أنت الشرق ولهفته علي الغرب الذي لا يأبه به ولا بمستقبله.. قلت لي.. أشرف من ؟ ابن خالتك؟ أمتأكدة أن أشرف موجود؟ لم يصنعه خيالك؟ وهكذا تطرح هذه المسألة ضمن جدلية تضعها كما أمور أخري بين الواقع والخيال وبين الممكن والمستحيل.4 ـ أسلوب السرد وفي قضية أخري مرتبطة بالقضية السابقة والتي تطرح أسئلة عديدة في مجال الكتابة الروائية، نجد أن الكاتبة، ولنقل الآن الكاتبة، استعملت في السرد أسلوبا يضعنا بكل تأكيد في عالم الرواية.هناك تجارب رائدة في الرواية العربية علي هذا المستوي لدي روائيين ليس هذا مقام الحديث عنهم ، ولكن تظل هناك مشكلات وعوائق تتطلب النقد والمعالجة. والظاهر أن ريم بسيوني حققت في الجزء الأكبر من بائع الفستق الأهم في هذا الأسلوب الذي ينهض علي عرض أعمال الشخصيات وتتبع أفعالها وحركاتها كما لو أنها تجري حالا بالاعتماد علي الصيغة اللغوية والنحوية التي تجسد ذلك. فالرواية مثلا تبدأ بتشخيص الأفعال ضمن مشهد حكائي تتوالي فيه المقاطع السردية ببيت وفاء حيث تعلن تعلقها بأشرف: نظرت له أمي في إعجاب..هز رأسه بالنفي..نظرت إلي جيب بنطلونه.. بدأ العرق يتصبب مني وأنا أعد القهوة، ثم جئت بها ووضعتها أمامه، وجلست أنظر إليه… غير أن الكاتبة تميل من وقت لآخر إلي أسلوب الإخبار الذي يقترب في حدود معينة من التقرير المباشر والذي ربما تقتضيه بعض الحالات كالاستذكار مثلا : قضي طفولته في المدارس الداخلية البريطانية كما أراد والده. تعلم في المدارس الخاصة البريطانية كيف يكون ساحرا… هذا إضافة إلي تنويع آخر يستمد مقوماته من أدب الرسائل. ولعل تكوين وفاء يسمح بهذا التوظيف طالما أنها تتنازعها الميول الواقعية والرومانسية التي تجسدت في مواقف موزعة بين الموقف الانتقادي للواقع والموقف العاطفي الذي لا يجد مبررا محددا لدي وفاء. ولعل أهم ما يجسد الميول الرومانسية عنصر الخيال المستبد بحياة وفاء، إذ أنه يتحول باضطراد إلي آلة للوهم بالمعني الذي طرحته الواقعية في شكلها الطبيعي: كنت أنسج قصة حبي له في خيالي الشقي المعاند…أغلقت باب غرفتي. شعرت بخفقات قلبي ترجني.. قضيت ساعات أستمع إلي عبد الحليم وكل آهات الشوق والهجر.. أراه في خيالي… لكن الحب في صورته الغامضة الملتبسة هذه يستحيل إلي شبكة من الرموز في سياق طرح قضايا مرتبطة بالواقع والحياة واليومية والمسائل السياسية الوطنية والقومية، والسلطة، والقضية الفلسطينية، وقضية العراق وما علي ذلك.5 ـ تركيب الحكايةما تقدم يقودنا إلي مسألة أساسية تتعلق بالتركيب النصي للحكاية. فالرواية خارجيا مقسمة إلي أبواب، وكل باب إلي فصول، وهذا قد يوحي بالنموذج الكلاسيكي ، لكن في الحقيقة يقوم بناء الرواية علي تسلسل المشاهد الحكائية صعودا ونزولاً في الزمن منذ بداية تعلق وفاء بأشرف إلي حين عودته واستقراره بمصر مع استذكارات تعود إلي لحظات زمنية سابقة لبداية القصة، ويؤكد ذلك ترقيم الفصول الذي يفهم منه إلغاء الحدود بين الأبواب.والملاحظ أن هذه المشاهد في معظمها تتكئ علي عين الساردة مما يمنحها قوة الفعل الممسرح وعلي مسمعها حينما تنقل أقوال المتكلمين وتتضمن أحيانا أو تتقاطع مع صور ذات طابع حكائي يقترب من التاريخ أو اليوميات أو المحكي الشعبي. ويبقي مع ذلك السرد المشهدي الإطار الرئيسي الذي تنتظم فيه أحداث الرواية سواء تعلق الأمر بالحكاية الرئيسية قصة وفاء مع أشرف، أو الحكاية الموازية لها علاقة أشرف بلبني، أو الحكايات الصغري المتناثرة في النص والمتعلقة بالشخصيات الأخري التي لا تخلو أدوارها من التأثير في نمو وتطور الحكاية الرئيسية بما فيها من وقائع ومواقف وأيضا بما فيها من رغبات وردود أفعال. وبناء علي ما عرضنا من ملاحظات يمكننا القول أن رواية بائع الفستق تقوم في بنائها الفني العام علي مقومات وآليات تعتبر أساسية وأصيلة في الكتابة الروائية، وأنها خضعت علي يد الكاتبة إلي تجسيد يتمثل ليس فقط في استعمال هذه الآليات، وإنما أساسا في تطويعها بذكاء ووفق رؤية محددة للذات والواقع والأدب مما منحها القدرة علي التعبير عن اهتمامات ومشاغل ذاتية ومجتمعية في شكل يهيئ فرص الاستمتاع الفني وفرص التأمل الجدي في الواقع الراهن، ومن جهة أخري يفتح الأفق أمام تعميق الوعي المتبصر بالخطاب الروائي الذي هو أصلا خطاب منفتح قابل للتجدد والتطوير مع توالي التجارب والبحث الدائم المستمر.كاتب وأستاذ جامعيQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية