«أهم شيء الآن احراز هدنة لوقف المذبحة»، قال نبيل شعث عضو اللجنة المركزية من فتح متأثرا في مقابلة مع قناة «الجزيرة». وجاء بعده فورا فوزي برهوم أحد متحدثي حماس من غزة، وبين أن «أهم شيء الآن هو رد نوعي مؤلم من المقاومة على الاحتلال الصهيوني». هل هذا تناقض في الموقفين؟ وهل هو اختلاف استراتيجي؟ لا. فكما يحق في اسرائيل لكل وزير أو عضو كنيست أو «ضابط كبير» أن يعبر كما يشاء، يحق ذلك ايضا في الجهاز الحاكم الفلسطيني وفي حماس. وليس لحماس متحدث واحد. يحمل سامي أبو زهري في الحقيقة صفة المتحدث الرسمي لكن مشير المصري ايضا يصرح بتصريحات، واحيانا يعلن عزت الرشق الذي يسكن في قطر اعلانات، وأسمع محمد ضيف ايضا صوته لاول مرة منذ سنوات. إن كثرة التصريحات التي يناقض بعضها بعضا احيانا تشهد على تخبط حقيقي في مسائل تكتيكية مثل الاستجابة للاقتراحات الاسرائيلية لوقف اطلاق النار. لكن لا في المسألة الاستراتيجية التي بقيت الى الآن ثابتة صلبة وهي أن الهدنة جزء من صفقة رزمة شاملة تضمن فيما تضمن رفع الحصار وفتح معبر رفح وتحويل اموال لدفع الرواتب، والصيد الحر في مياه غزة الاقليمية.
إن حماس في الحقيقة منظمة هرمية لكن القرارات تتخذ بالتشاور حيث يكون للاعجاب بالذات وللطموح الشخصي دور ايضا كما هي الحال بالضبط في مسار اتخاذ القرارات في اسرائيل أو في نظم حكم اخرى. ويوجد في مستوى واحد رواسب عميقة مُرة بين فتح وحماس بحيث لا تهتم حماس فقط بـ «صورة نصرها» على اسرائيل بل تهتم ايضا بوضعها باعتبارها الممثلة الحقيقية للشعب الفلسطيني بازاء فتح والسلطة الفلسطينية. وقد رؤي مثال على هذا الصراع الداخلي أول أمس حينما أنكر أبو زهري متحدث حماس بعد أن أعلن ياسر عبد ربه من فتح موافقة بين الفصائل على هدنة وارسال وفد مشترك الى غزة، أنكر وجود هذا الاتفاق وغضبت قيادة حماس لأن فتح تولت الوكالة على الوفد. وليس ذلك في الحقيقة السبب المركزي لتعويق الوفد الذي كان مستعدا للخروج الى مصر، لكنه يكشف عن التوتر الداخلي وعن الريبة العميقة بين فتح وحماس. ونقول بالمناسبة إن رئيس مصر كان مستعدا لاستقبال الوفد دون هدنة بشرط أن يأتي اعضاؤه مع خطة متفق عليها.
في الصعيد الداخلي، يصرف خالد مشعل امور المكتب السياسي للمنظمة بهيمنة منذ 1996، لكن بسبب البنية المتشعبة لحماس التي تشمل القيادة خارج غزة، وكتائب عز الدين القسام ومجلس الشورى وهو الجسم الأعلى الذي يقرر سياسة المنظمة في كل مجال، يحتاج مشعل الى قدر كبير من المرونة والدبلوماسية السياسية للحفاظ على مكانته. وقد نجح في الحقيقة في أن يفرض على المنظمة قرار مصالحة فتح بعد أن بينت قطر له أنها ستضطر الى تغيير سياستها اذا لم ينفذ المصالحة، لكن نتائج الحرب قد تُحدث عصيانا داخليا اذا لم ينجح مشعل في عرض انجازات مهمة.
ويضطر مشعل في الوقت نفسه الى تصريف صراع سياسي مركب، وقد تبين له من جهة أن وجود غزة متعلق بمصالحة مصر التي تسيطر على معبر رفح والتي تصر الى الآن على اقتراحها الاصلي كأنه سور حصين، في حين وجود المنظمة متعلق بقطر وبتركيا لكن بقدر أقل وهما خصما مصر. وقد دعا موسى أبو مرزوق الذي يرى نفسه مرشحا لوراثة مشعل، دعا حزب الله أمس الى الانضمام الى الحرب وفتح جبهة في الشمال. وليس مؤكدا أن ينضم مشعل الى هذه الدعوة ولا سيما في ضوء رفض مصر تمكين وفد مساعدة ايراني من الوصول الى غزة. وفي جملة هذه الاعتبارات المعقدة، وفي وقت اصبح الانجاز السياسي للمنظمة لا العسكري هو الاساس، تصبح الهدنة في حد ذاتها مسألة ثانوية.
هآرتس 31/7/2014
تسفي برئيل