بيروت – «القدس العربي»: يمس فيلم «مطلوبين» كل مشاهد ومن الجهة التي تستدرجه، أكانت ضحكاً، تأثراً أو تحليلاً لحال إنسانية وعاطفية تُحرم منه النسبة الأكبر من المسنين. ومن لم يلتحقوا بعد بهذه المرحلة العمرية يستنكرون تلك الحاجات. أرادت المخرجة والكاتبة نبال عرقجي عبر جديدها، الذي ينطلق في صالات السينما اللبنانية في 10 الشهر الجاري فتح حوار متعدد الإتجاهات حول كبار السن ودور المسنين. وإذ بنا أمام شريط يمتد لساعة ونصف الساعة يظهر مسنين مرحين، متضامنين متعاطفين، وكذلك مسترسلين بأحلام الجسد والعقل والقلب.
«مطلوبين» مغامرة حافلة بالمواقف الإنسانية، المؤثرة والمضحكة في آن يخوضها أربعة من كبار السن هم جاكو، دعد، وليد وأديب. يقيم الأربعة في بيت للراحة، وعندما تتلقى جاكو رسالة تُعلمها بأن ضريح زوجها المتوفى ستتم إزالته لأن شركة تعتزم بناء مركز تجاري، حيث يقع فيها تشعر بالأسى العميق. ترى بأن وصية زوجها بأن يُدفن تحت الزيتونة المعمّرة ستنتهك. وهكذا يقرر أصدقاؤها الثلاثة مساعدتها لمواجهة هذا الخبر الذي قلب حياتها رأساً على عقب، فيهربون معاً من المأوى لمنع الشركة من تنفيذ المشروع. وفي رحلتهم الطويلة إلى موقع المشروع، يواجه الأصدقاء الأربعة كل أنواع المواقف المجنونة، وتتحول قصتهم لقضية رأي عام.
نجحت نبال عرقجي في نقل حياة ناس بيت الراحة. وصلت إلى مشاعرهم وأحاسيسهم التي غالباً ما يتنكر لها المجتمع الشرقي. بيت راحة سيكون مثالياً بامتياز لو اقتلعت مديرته المتسلطة، القاسية والجشعة. في بيت الراحة هذا يتمنى كل منا قضاء رحلة عمره المتبقية، نظراً لموقعه وبرامجه وأناقته. في هذا البيت عوّض الممرض والممرضة بليونتهما وإنسانيتهما وتفهمهما لمشاعر المسنين، عن الشر الذي لا تتخلى عنه المديرة. ركزت عرقجي على الجانب النفسي والعاطفي في حياة المسنين، وكم يمدهم بالحيوية ويكاد ينسيهم حتى آلام المفاصل المزمنة. قلوبهم لا تزال تنبض، ويرتفع في أجسادهم هورمون السعادة بمجرد الإحـــساس بأن الآخر ينتبه لحـــضورهم، ويوليهم اهــتماماً خــاصاً.
ولا يخلو الأمر من غيرة وعتب إن شكل طرف ثالث عامل جذب للحبيب أو الحبيبة. ولا يخلو من طرافة حين يدب الحماس في الأجساد فتعبر عن رغبات تحتاج غالباً لمرونة أكبر. وتبقى للغة العيون حيزها، فهي الأقل عناء لدى هؤلاء المسنين، لكنها تتخذ منحى كوميدي طريف ومضحك.
حتى مع المسنين يستعين فيلم «مطلوبين» بوسائل التواصل الإجتماعي وهكذا يتم حشد الرأي العام لصالح «جاكو» التي هدد المول مرقد زوجها الأخير وسلامه. «أنا جاكو» هاشتاغ جمع حوله مؤيدين دون حدود وبخاصة من المشاهير.
المسن وليد رمز لكثيرين يعيشون واقع النكران من أبنائهم، وكذلك مسنة أخرى تأبى مغادرة الصالون بإنتظار زيارة ابنائها التي لم تتحقق. وليد مغرم بحفيده، وكما غالبية أجداد الشرق يناديه «تقبرني». هذا الحفيد ورغم صغر سنه، يلاحظ أن والده يصطحبه كل اسبوع إلى جديه لوالدته، بخلاف صلته غير الرقيقة مع جده الآخر الذي يعشقه. بطريقة غير مباشرة تلفت الكاتبة والمخرجة إلى دور زوجة الإبن وعدم التوازن الذي تقيمه بين والديها ووالدي زوجها. اللافت أن هذه الحالة غير الإنسانية التي يسلط «مطلوبين» الضوء عليها تحظى بالمصالحة والمسامحة بعد أن يصبح «وليد» أحد الأبطال الذين هبوا لنصرة «جاكو» ومشهوراً من خلال الإعلام.
«مطلوبين» فيلم من إنتاج «دريمبوكس»، يؤدي أدوار البطولة فيه الممثلون جورج دياب، دعد رزق، جورج بوخليل وسهام حداد، إلى جانب عايدة صبرا وبيار رباط. وأطلت ميريام كلينك كضيفة شرف، وكانت مشاركات خاصة للممثلين بديع أبو شقرا، وسام صليبا، دوري السمراني، علي منيمنة، جوزيان بولس، المخرجة لينا أبيض والإعلاميين طوني بارود وديانا فاخوري. حضور الجميع كان مميزاً وبتصاعد درامي وكوميدي. عايدة صبرا اتقنت الشر والقسوة والإستفزاز من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها. لينا أبيض ممثلة قديرة في السينما، موافقتها على دور العجوز التي تنشد الصبا كان جريئاً. بالغ الماكياج في رسم التجاعيد على وجهها وعنقها، وتماوجت كشخصية بين البساطة والعفوية، والرغبة التي طرقت باب قلبها وجسدها فبات تلمع شوقاً. في هذه الكوميديا الخفيفة كل منا يجد نفسه في مشهد يخصه. هو فيلم إنساني يضيء على كبار السن، ليس لنا إلاّ التعاطف معهم والتأثر بقصصهم. يمكنه أن يوقظ في المتلقي حاجة الأهل المسنين لوقت يمضونه مع الأبناء بعيداً عن ضغوط عملهم. علّه فيلم يحمل رسالة وتسلية معاً لكل من يرغب.
في سجل عرقجي الكاتبة والمخرجة ثلاثة أفلام هي: «قصة ثواني» و»يلاّ عقبالكن» و»يلاّ عقبالكن شباب»، تتقن هذا النوع من الأفلام الخفيفة الناعمة موضوعاً ومعالجة، وبات لها جمهور ينتظر جديدها، وهي تجتهد دائماً، لكنها في «مطلوبين» أظهر كبار سن في دور رعاية من خمسة نجوم، فما هو دون ذلك يغرق في كثير من المآسي، وسوء المعاملة.