القاهرة ـ «القدس العربي»: أثار بث شبكة «سي بي أس» الأمريكية حوارا أجرته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، ردود فعل واسعة في الشارع المصري، خاصة بعدما ظهر وهو يتصبب عرقا، ومرتبكا في الإجابة على الأسئلة التي وجهت له، بشأن مذبحة رابعة العدوية التي نفذتها الأجهزة الأمنية في أغسطس/ آب 2013 بحق مؤيدي الرئيس الأسبق محمد مرسي، إضافة إلى وصفه بـ«الديكتاتور» الذي أغلق المجال العام في مصر وزج بمعارضيه في غياهب السجون.
وجاء اللقاء أشبه بتحقيق تلفزيوني، تضمن آراء عدد من السياسيين للرد على إجابات السيسي، بينهم محمد سلطان، المعتقل السابق في سجون النظام، بتهمة نشر «أخبار كاذبة». والأخير اشتهر بإضرابه عن الطعام لما يقرب من 400 يوم، قبل أن يتم ترحيله إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وحظي الحوار بمتابعة واسعة في البلاد العربية، خاصة بعدما أعلنت الشبكة الأمريكية أن السفير المصري لدى واشنطن، ياسر رضا، نقل طلبا من القاهرة بعدم بثّ الحوار، وهو ما رفضته الشبكة الأمريكية، وأعلنت ذلك، ما مثل فضيحة لنظام السيسي.
ونظم عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حفلات مشاهدة جماعية على موقع «الفيسبوك»، لمتابعة الحوار بسبب صعوبة المتابعة على القناة الأمريكية، إضافة إلى توقيت بث الحوار الذي جاء فجر أمس.
عمرو بدر، عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، كتب على «الفيسبوك»: «الآن عرفنا سبب اعتراض السلطات المصرية على بث الحوار، لأنه ببساطة كان أقرب إلى تحقيق تلفزيوني يقارن الإجابات الرسمية بالأرقام والمعلومات، ويستعين بمصادر تحلل رد الرئيس المصري، ويستخدم فيديوهات وبيانات توضح هل الإجابات حقيقية أم مزيفة. وفي الحقيقة جرى نفي كل إجابات السيسي، ويبدو أن المسؤولين لدينا لم تكن لديهم معلومات عن البرنامج وطبيعته، وهذه مآساة مرعبة».
جمال عيد، مدير «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، نشر تقريرا سبق وأصدرته الشبكة حول عدد السجون والسجناء في مصر ومقارنتها بالأوضاع قبل ثورة الخامس والعشرين من نياير/ كانون الثاني 2011، ردا على إنكار السيسي وجود سجناء سياسيين في مصر، وتناول التقرير وجود 60 ألف سجين سياسي، وإنشاء 19 سجنا جديدا في عهد السيسي.
منظمة «هيومن رايتس ووتش»، قالت في تغريدة، على حساب المنظمة على «تويتر»: «السيسي غير معتاد على الأسئلة الصعبة من الإعلام، لقد حاول سجن معظم منتقديه من الصحافيين في مصر».
وفي مقدمته لبرنامج «60 دقيقة»، الذي تضمن الحوار مع السيسي، قال المذيع سكوت بيلي: «يدفع دافعو الضرائب الأمريكيون المزيد من المعونات الأجنبية لمصر من أي دولة أخرى باستثناء إسرائيل، لكن ما يقرب من مليار ونصف المليار دولار سنوياً يذهب إلى نظام متهم بارتكاب أسوأ الانتهاكات في تاريخ مصر الحديث، تم سجن معارضي السيسي بالآلاف، وخنق الأخير حرية التعبير، وقتلت قواته المتظاهرين، ولا يقوم بالكثير من المقابلات. ويبدو أن الرئيس المصري قد تفاجأ بأسئلتنا لأن حكومته طلبت منا ألا نبث مقابلته».
وردا على سؤال حول عدد السجناء السياسيين في مصر، قال السيسي: «ليس لدينا سجناء سياسيون ولا سجناء رأي، نحن نحاول الوقوف ضد المتطرفين الذين يفرضون أيديولوجيتهم على الناس، الآن هم يخضعون لمحاكمة عادلة، وقد يستغرق الأمر سنوات، لكن علينا اتباع القانون».
60 ألف سجين سياسي
بيلي، واجه السيسي، بتقارير منظمة «هيومن رايتس ووتش» التي تقول إن «هناك 60 ألف سجين سياسي»، فرد السيسي: «لا أعرف من أين حصلوا على هذا الرقم، قلت لا يوجد سجناء سياسيون في مصر، كلما كانت هناك أقلية تحاول فرض عقيدتها المتطرفة، علينا أن نتدخل بغض النظر عن أرقامهم».
وتحدث مقدم البرنامج، عن أن السيسي برز في الربيع العربي عام 2011، بعد أن أطاح المصريون بديكتاتور وانتخب محمد مرسي من جماعة «الإخوان المسلمين»، ونصب مرسي السيسي وزيرا للدفاع، لكن حكومة مرسي كانت فوضوية، وبعد عام، كانت هناك انتفاضة أخرى، مع قدر كبير من الدعم الشعبي، سيطر السيسي، ثم وجه سؤالا للأخير: هل الإخوان هم المعارضة السياسية الرئيسية لك، وهل هذا هو السبب في حظرهم؟
فأجاب : «لا، نحن نتعامل فقط مع الإسلاميين المتطرفين الذين يحملون السلاح، ونحن نرحب بهم للعيش بين الناس لكننا لا نريدهم أن يحملوا السلاح ويدمروا الاقتصاد المصري».
عدد السجناء السياسيين ومذبحة رابعة والتعاون مع إسرائيل أبرز النقاط التي طرحت
عبد المقصود الدردي، العضو السابق في البرلمان المصري والقيادي في جماعة «الإخوان المسلمين»، قال إن «السيسي، خطف الديمقراطية، وخطف حلمنا بالحرية».
ورفض حديث الرئيس المصري، عن أنه كان يقود ثورة شعبية ضد الإخوان، قائلاً: «هذه ليست مسؤوليته كجنرال في الجيش، هو كان وزير الدفاع، أدى اليمين أمام الرئيس لحماية الدستور، ولا يعطيه الدستور أي حق في تمثيل الشعب، ولم يفعل ذلك أبداً، فهو لن يمثل شعب مصر». وتحدث مقدم البرنامج عن مذبحة رابعة العدوية، وقال إن ما يسميه السيسي تدابير لاستعادة الأمن، بعد الإطاحة بمرسي، تضمنت مذبحة طالت ما لايقل عن 800 من أنصار الإخوان المسلمين في ميدان رابعة في القاهرة، في أغسطس/ آب 2013، بعد أسابيع من الاحتجاجات.
ثم قدم معلومات عن أحد المعتقلين السابقين في السجون المصرية يدعى محمد سلطان، ووصفه بأنه مواطن أمريكي حكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة «نشر أخبار كاذبة».
يذكر أن السلطات المصرية أفرجت عن سلطان، وهو نجل قيادي في جماعة «الإخوان المسلمين»، في مايو/ أيار 2015، بعد تدخل الإدارة الأمريكية إثر تدهور حالته الصحية في السجن، وتنازله عن الجنسية المصرية.
وقال سلطان إن «قوات الأمن المصرية استهدفته لأنه كان يسجل ما يحدث في رابعة بهاتفه المحمول، وينشر ما يحدث، وإنه أصيب في ذراعه اليسرى بطلق ناري خلال عملية فض المعتصمين ونقل إلى المستشفى الميداني، حيث وجد المكان مكدسا بالقتلى والمصابين».
تعذيب نفسي
وأضاف: «في الأشهر الستة الأخيرة من سجني كنت في عزلة تامة، وتعرضت بشكل منهجي للتعذيب النفسي، ومنعوني من النوم 36 ساعة، وكان الحراس يمررون شفرات الحلاقة تحت عتبة باب الزنزانة، وكان الضابط المسؤول يقول لي: «يا محمد اقطع شريان يدك أفقيا حتى تتمكن من إنهاء الأمر بشكل أسرع». ورفض السيسي الإجابة على سؤال مقدم البرنامج، حول اتخاذه قرارا بفض الاعتصام، وقال: «أسمح لي أن أطرح عليك سؤالاً،هل تتابع عن كثب الوضع في مصر؟ من أين تحصل على معلوماتك؟ كان هناك آلاف المسلحين في الاعتصام لأكثر من 40 يومًا، حاولنا بكل الوسائل السلمية تفريقهم».
فواجه بيلي السيسي بتقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الذي تحدث عن استخدام قوات الأمن المدرعات والجرافات والقوات البرية والقناصة، وهجوم رجال الشرطة والجيش على الاعتصام، وقتل المئات بالرصاص في رؤوسهم ورقابهم، فرد السيسي: «كان هناك أفراد من الشرطة وكانوا يحاولون فتح ممرات سلمية لكي يذهب الناس بأمان إلى منازلهم».
وعلق مقدم البرنامج على تبرير الرئيس المصري لفض اعتصام مؤيدي مرسي في ميدان رابعة قائلاً: «على الرغم من أن السيسي قال لنا إن آلاف المتظاهرين كانوا مسلحين في ذلك الوقت، إلا أن حكومته قالت إنه تم العثور على أكثر من 12 قطعة سلاح فقط».
«عدم استقرار»
السيسي تهرب من الإجابة على هذه السؤال أيضا، ورد: أود أن أخبر الشعب الأمريكي بأن الوضع على الأرض كان يمكن أن يدمر الدولة المصرية ويسبب عدم استقرار هائل، أكثر مما يمكن تصوره، كلما كانت هناك مواجهة مسلحة مع عدد كبير من الناس، من الصعب السيطرة على الوضع وتحديد من الذي قتلهم».
وحول التعاون العسكري المصري الإسرائيلي في مواجهة المسلحين في شبه جزيرة سيناء، قال مقدم البرنامج إن الرئيس المصري كشف رسميًا لأول مرة، أن جيشه يتعاون مع إسرائيل في سيناء.
ووجه سكوت بيلي سؤالا للسيسي: هل يمكنك القول إن هذا هو أعمق وأقرب تعاون قمت به مع إسرائيل؟ فرد: «هذا صحيح، في بعض الأحيان يحتاج سلاح الجو إلى العبور إلى الجانب الإسرائيلي، ولهذا السبب لدينا تنسيق واسع مع الإسرائيليين».
وسأل بيلي، لديكم ما يقرب من ألف إرهابي في سيناء، مع أكثر من مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية كل عام، لماذا لم تقض عليهم؟، فرد السيسي: «لماذا لم تقم الولايات المتحدة بالتخلص من الإرهابيين في أفغانستان بعد 17 سنة وإنفاق تريليون دولار؟». مسؤول برنامج الديمقراطية في الشرق الأوسط، والمدير السابق للشؤون العسكرية المصرية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أندرو ميلر، علق على حديث السيسي بالقول «على الأمريكان دعم مصر لاستقرار المنطقة»، قائلاً، إنه «منذ تولى السيسي منصبه انخفضت مستويات المعيشة، والبلد ينهار، وأصبحت مشكلة التمرد في سيناء أسوأ».
وزاد: «الاحتجاز الجماعي للنشطاء المسالمين إلى جانب الجهاديين، يهدد بتحويل المزيد من المصريين إلى الإرهاب».