بولتون مع نتنياهو قبل توجهه إلى أنقرة أمس
دمشق – «القدس العربي» : يبدو ان التراجع في الموقف الأمريكي بات واضحاً، فاتحاً المجال امام تكهنات بتغيير الموقف التركي وعودة طرح الخيار العسكري إذا ما ادركت أنقرة أن الانسحاب الأمريكي لن يجد طريقه للتنفيذ في أعقد منطقة شمال شرقي سوريا.
فقد استبق جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي مباحثات أمس الاثنين مع الحكومة التركية في العاصمة انقرة، بتصريحات تصعيدية اشترط فيها حماية التنظيمات الكردية التي تعتبرها تركيا العدو اللدود، وذلك مقابل انسحاب القوات الأمريكية من سوريا قائلاً إنه يجب أن توافق تركيا على حماية الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة، فيما ردت الحكومة التركية على ضيفها قبيل استقباله في العاصمة انقرة بأنها «ادعاءات لا يتقبلها العقل» وذلك بعد ان كانت انقرة قد علقت عمليتها العسكرية شرقي الفرات وخففت من نبرتها الجادة في إنهاء نفوذ حزب العمال الكردستاني شرقي الفرات عبر عمل عسكري هناك، على خلفية الموقف الأمريكي.
أمام تراجع الموقف الأمريكي بخصوص الانسحاب من سوريا… أكار: نقاتل الإرهابيين وليس الأكراد
المحلل السياسي التركي بكير أتاجان رأى ان التصريحات الامريكية لن تؤخذ بعين الاعتبار لأن الحكومة التركية لم ولن تقتل الأكراد يوماً، مضيفاً «ولكن اذا كان الحديث عن محاولة منع تركيا من محاربة الارهاب المتمثل بحزب الاتحاد الديمقراطي المشتق من حزب العمال الكردستاني تحت أي اسم، فهذا لن يثني الحكومة التركية عن أهدافها وسوف تقاتلهم.
أتاجان: خداعة كبيرة
وقال اتاجان لـ»القدس العربي»، بعد «هذه التصريحات الخداعة سوف يتم الكشف عن معركة شرقي الفرات وتوقيت التدخل التركي، بعد المباحثات التركية – الامريكية التي بدأت امس الاثنين، وسوف تعقبها مجموعة من اللقاءات الهامة حتى الخامس عشر من الشهر الحالي».
وكرر المحلل السياسي التركي وصفه تصريحات بولتون بأنها «خدعة كبيرة للشعب الكردي والدليل على ذلك ان الولايات المتحدة كانت قد وضعت جوائز لتسليم قيادات التنظيمات الكردية في قنديل، وهي من سلمت عبد الله اوجلان إلى تركيا» وأضاف «إنها السياسة الخادعة لأنها لا تصدر الا طمعاً بحماية المصالح الامريكية في الشرق الاوسط والعالم وليس حباً بالأكراد».
وأشار المتحدث إلى ان انقرة سوف تقوم بواجبها في محاربة حزب العمال الكردستاني ومشتقاته «حزب الاتحاد الديموقراطي – الوحدات الكردية» مؤكداً ان 69 شخصاً من قيادات هذه التنظيمات الذي يقارب عددها الـ 103 اشخاص، يحملون الجنسية التركية ومطلوبون للعدالة، من بينهم رئيس قوات سوريا الديمقراطية شاهين جيلو المطلوب منذ اكثر من عشر سنوات للعدالة بسبب ارتكابه تفجيرات وعمليات قتل وإرهاب، وقال المتحدث «هؤلاء اعداء تركيا وسوف تقاتلهم الحكومة حتى آخر نفس بغض النظر عن التصريحات الامريكية او غيرها».
وامام التراجع الواضح في الموقف الأمريكي امام الضغوط الداخلية واستمرار التصريحات المطمئنة للتيار السائد في دوائر القرار في واشنطن، أصبح واضحاً أن قرار ترامب حول انسحاب سريع وفوري من سوريا من الماضي، فيما يبقى الخيار العسكري امام تركيا قائماً.
الباحث السياسي إبراهيم العلبي قال في هذا الصدد إن الموقف الأمريكي يشهد تراجعاً بعد الضغوط المكثفة لإبطاء الانسحاب وعدم تحديد جدول زمني له، لافتاً إلى ان هذا التراجع لم يفاجئ الأتراك الذين كانوا يدركون أساساً صعوبة تطبيق القرار في ظل حقيقة مخالفته لإجماع صناع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
العلبي: قلب الطاولة
ورجح العلبي لـ»القدس العربي» ان يكون قرار ترامب الانسحاب من سوريا محاولة منه لقلب الطاولة على الديمقراطيين في حين كان الأتراك مرحبين بحذر واضح بإعلان الانسحاب، وأضاف، فيما يتعلق بالتصريحات الأخيرة المتبادلة والتي تنطوي على نبرة تصعيد من الجانبين فالقضية تتعلق بأسلوب تعامل إدارة ترامب مع الضغوطات الداخلية، فهو يقول إن خروج القوات الأمريكية من سوريا سيكون مشروطاً بأن يتم حماية حلفائهم الأكراد وأن لا تستفيد روسيا من هذا الانسحاب وفي هذا السياق جاءت سلسلة تصريحات من مسؤولين أمريكيين لاحتواء الضغوط ولكن تصريح بومبيو حول ضمان أن لا يقاتل الأتراك الأكراد، اعتبر مبالغاً فيه وهو ما استدعى رداً تركياً.
ومع ذلك فإن الرد التركي ظل محدوداً ويحاول مواكبة الموقف وإبقاء الباب مفتوحاً على التنسيق الذي وعد به ترامب وهذا ما ستظهر نتيجته إن تم الاتفاق بعد لقاء بولتون مع الحكومة التركية الاثنين. وتبقى معركة شرقي الفرات خياراً تركياً قائماً بحسب المتحدث، اذ لم يتم التراجع عنها رسمياً بل تأجيلها لمدة ما باعتبارها مهلة لترامب لتنفيذ قراره بالانسحاب بالتنسيق مع الأتراك، وبالتالي وفي حال أدرك الأتراك أن الانسحاب الأمريكي لن ينفذ على ارض الواقع فإنهم لن يترددوا في إطلاق صفارة البداية للعملية المنتظرة لا سيما في ظل موافقة روسية معلنة.
ورأى المتحدث أن مصير المنطقة ما يزال مجهولاً، ولا يمكن التنبؤ بمصير الأمور بشكل عام في ظل تعقد الموقف وتضارب المصالح تارة وتداخلها تارة أخرى بين حلفاء النظام وخصومه. وبطبيعة الحال يبقى من المرجح أن التصعيد العسكري والمزيد منه سيكون هو سيد الموقف في حال تبين عدم جدية قرار الانسحاب الأمريكي.
أكار: لا نقاتل الأكراد بل …
وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن تركيا تقاتل ضد تنظيمي «داعش» و»ي ب ك/ بي كا كا» «الإرهابيين»، الذين يشكلان تهديدًا على الأكراد والعرب والتركمان وكل الأقليات في المنطقة. ونفى أكار، في تصريح للأناضول، أمس الإثنين، أن يكون قتالهم التنظيمين الإرهابيين، موجهاً ضد الأكراد، الذين وصفهم بـ»الأشقاء». وأشار إلى أن محاربة تركيا للإرهاب ستتواصل بنفس الحزم والإصرار.
وأضاف، «نِضال الجيش التركي منذ قرون في هذه المنطقة ليس موجهًا ضد الأشقاء الأكراد الذين نتقاسم معهم الأرض والزاد». وتابع: «كفاحنا ضد «داعش» و «ي ب ك /بي كا كا»، اللذين يشكلان تهديدا لإخوتنا الأكراد والعرب والتركمان وكل الأقليات الدينية والعرقية».
وأكد الوزير التركي، أن «ي ب ك/ بي كا كا» لم يكن أبدًا ممثلًا للأكراد.
وأردف أن «هذا التنظيم الإرهابي يشكل تهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة، ويشكل عائقا أمام عودة اللاجئين السوريين وفي مقدمتهم الأكراد إلى أراضيهم».
وفي سياق متصل، لفت خبراء أتراك أن أنقرة لا يمكنها أن تسمح أبدا بإنشاء ممر إرهابي على حدودها الجنوبية في سوريا والعراق.
جدير بالذكر أن الجيش التركي نفذ عملية عسكرية تحت اسم «درع الفرات» على مناطق سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي شمالي سوريا، وحيّد أكثر من 3 آلاف عنصرا من التنظيم، وقام بتحرير مناطق سكنية عديدة في الشمال السوري وفي مقدمتها مدينتي جرابلس والباب، اللتين أصبحتها مركز جذب لسكان المنطقة.
وأعلنت وزارة الداخلية، في وقت سابق، أن نحو 300 ألف سوري عادوا إلى مناطقهم المحررة من الإرهاب في شمال سوريا، بعد تحقيق الأمن والاستقرار فيها بفضل عمليات الجيش التركي هناك.
واشترط مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي جون بولتون، لتنفيذ انسحاب بلاده من سوريا، وفق ما نقلته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، الأحد، ضمان تركيا سلامة «المقاتلين الأكراد»، في إشارة إلى مسلحي منظمة «ي ب ك/ بي كا كا» الإرهابية، وضمان مواصلة مكافحة تنظيم «داعش» الإرهابي.