موشيه آرنس 1925ـ 2019: العقل التحليلي الذي سيذكر كمفجر فكرة الدولة الواحدة

حجم الخط
0

في الخريف قبل الأخير التقى موشيه آرنس رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي بدأ مسيرته السياسية كأحد من تعهدهم سياسياً. آرنس أبلغ ضيفه بانفعال عن سائق السيارة العمومية الذي أحضره إلى اللقاء والذي قال له «لدينا أحلى دولة». نتنياهو ضمّن أقوال السائق في خطاب «المخللات» الذي ألقاه بعد بضعة أيام في افتتاح دورة الكنيست، وطرحه كمثال على تأييد معظم الجمهور لزعامته. آرنس خرج متحمساً أقل من اللقاء مع من كان نائبه في السفارة في واشنطن وفي وزارة الخارجية. لقد تولد لديه الانطباع بأن نتنياهو قد مكث وقتاً أطول من اللازم في منصبه هذا، والأمر ظاهر عليه.
آرنس انتقد في السنة الأخيرة سلوك نتنياهو في قضية التحقيق معه، وقال إن تلقي الهدايا لم يكن أمراً مناسباً لشخصية عامة، ونصحه بعدم مهاجمة رجال القانون «رغم الإغراء الموجود في ذلك».
نتنياهو الذي وصف وزير الدفاع ووزير الخارجية السابق بمعلمي وصديقي المحبب، لم يستجب لنصائحه في شؤون التحقيقات والتواضع. ولكن رغم تحفظه من سلوك رئيس الحكومة وتقديره بأن فترة ولايته الأطول من اللزوم، قدر آرنس جداً مؤهلات نتنياهو كدبلوماسي وكخطيب، وحذر من إبعاده بسبب التحقيقات معه. في مقال نشر بعنوان «نتنياهو في بلاد الأقزام» في آذار الماضي كتب بأنه إذا اضطر رئيس الحكومة للاستقالة من منصبه فإنه «سيكون من الصعب إيجاد بديل بمستواه».
الازدواجية في نظرته لنتنياهو هي أمر مميز لآرنس الذي أحب أكثر من أي شيء آخر أن يكون أصيلاً ومفاجئاً، وكره أن يكون متوقعاً ومصنفاً على الرفوف. في الجيش قدروه كوزير دفاع مدني، الذي أحسن تحدي الجنرالات وفرض سلطته عليهم. كان يستمتع بالحديث عن الشرح الأول الذي حصل عليه من قسم الاستخبارات حول سوريا عندما دخل إلى الوزارة في 1983. الضباط عرضوا عليه كعادتهم معطيات مخيفة بشأن قوة الجيش الذي يقف خلف «الستار الحديدي» في هضبة الجولان. آرنس قاطعهم: «هل تعرفون ما هي ميزانية الدفاع في سوريا؟» ومحدثوه الخجلون اعترفوا بأن ليس لديهم أي فكرة. لقد أرسلهم لتحضير واجباتهم البيتية، وعلموا كم هي سوريا ضعيفة أكثر من إسرائيل، حتى في الفترة التي كان فيها الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من التضخم الكبير جداً.
آرنس لم يجلس في الكمائن ولم يشارك في عمليات مثل خصميه الأقدمين اريئيل شارون وإسحق رابين، ولم يأكل طعام الجنرالات في القيادة العامة، ولم يعرف كيف يوجه الأسئلة الدقيقة جداً للقادة في الميدان، لكنه كمدير مدني لجهاز الأمن، فرض على الجيش التغييرات التنظيمية الأكثر عمقاً في تاريخه: إقامة قيادة الجيوش الميدانية، واليوم هي سلاح البر، ونضال الدفاع ضد الصواريخ، وقيادة الجبهة الداخلية، ولواء الوسائل الخاصة. الدخول إلى التفاصيل احتفظ به لنقاشات تقنية حول الطائرات والصواريخ التي امتاز بها. لقد قدر بشكل خاص الجنرال احتياط إسرائيل طال، مخترع دبابة المركفاه، الذي دمج بين المعرفة العسكرية وحبه للتكنولوجيا والشك بسلاح الجو. بعد حرب الخليج في 1991 التي هوجمت فيها إسرائيل بعشرات صواريخ السكاد، فكر رجال طال وآرنس في إنشاء سلاح صواريخ هجومية من أجل أن يشكل رداً على التهديد البالستي الذي جاء في حينه من العراق، والآن من حزب الله وحماس. ولكن آرنس لم ينجح في التغلب على معارضة الجيش الذي فضل الاعتماد على سلاح الجو. وكذا محاولته الأخيرة لإحياء قيادة الصواريخ التي بادر إليها وزير الدفاع السابق افيغدور ليبرمان حكم عليها بالحفظ.
بعد اعتزاله السياسة النشطة، انضم آرنس لصحيفة «هآرتس» كصاحب عمود أسبوعي في صفحة الرأي. لقد كتب مقالاته في أيام السبت، وباللغة الإنجليزية دائماً، وظهر في أيام الثلاثاء. لقد كانت له مواضيع معينة: ضرورة دمج المواطنين العرب في إسرائيل، وخيبة أمل من إلغاء مشروع طائرة «لافي» الإسرائيلية، والكشف عن دور المقاتلين في تمرد غيتو وارسو، والتحذير من خطر صواريخ حزب الله. في كل هذه المواضيع أسمع صوتاً مميزاً ومتصلباً، لم يناسب صفحات الرسائل لرئيس الحكومة والليكود. بالتأكيد ليس بشأن المواطنين العرب الذين أراد رؤيتهم كإسرائيليين متساوي الحقوق، لذلك عارض قانون القومية.
الموقف الليبرالي لموشيه آرنس برر في نظره أيضاً موقفه السياسي، الذي رفض بشكل قاطع تقسيم البلاد بين إسرائيل ودولة فلسطينية. ارث آرنس ذاك السياسي، إضافة إلى دفع نتنياهو في السياسة، هو من طرح فكرة الدولة الواحدة بين البحر والنهر. في مقاله الأكثر أهمية «مواطنة إسرائيلية للفلسطينيين» في حزيران 2010 دعا هآرتس إلى فرض سيادة إسرائيل على يهودا والسامرة ومنح المواطنة الإسرائيلية للسكان الفلسطينيين. «من يرون في الاحتلال وضعاً قاسياً وغير محتمل سيشعرون بالراحة بالتأكيد، حيث إن إسرائيل ستتحرر من عبء الاحتلال. الفلسطينيون سيحصلون على حق التصويت في الانتخابات في إسرائيل، وإسرائيل لن تكف عن كونها ديمقراطية ولن تكف عن الوجود رغم أن بنيتها الديمقراطية ستتغير بشكل كبير»، كتب آرنس. وقد طرح سؤالاً كيف ستواجه إسرائيل تحدي دمج «مليون ونصف المليون مسلم» (آرنس تبنى بلا شك التقدير الذي يقلل عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية، الذي يطرحه ديمغرافيو اليمين).
«خلافاً للتوقعات المتشائمة، فإن فرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة لن يؤدي إلى نهاية دولة إسرائيل، ولا إلى تصفية الديمقراطية فيها»، كتب. «هذا الأمر سيضع تحدياً كبيراً أمام المجتمع الإسرائيلي، لذلك هو جدير بالفحص».
النقاش العام حول اقتراح آرنس لم يجر بعد؛ النظام السياسي أهمل في السنوات الأخيرة النزاع مع الفلسطينيين وتبنى بمعظمه مقاربة الوضع الراهن لنتنياهو. لكن وبشكل هادئ جداً انضم إلى معسكر الدولة الواحدة مؤيدون هادئون، وهم يقترحون نقل النقاش السياسي من الحقل «السياسي» إلى الحقل «الاجتماعي». وبدل الحديث عن البؤر الاستيطانية والمستوطنين، وعن الحرم وقضية اللاجئين، يضعون في مركز النقاش الازدحامات المرورية، والصفوف في الأقسام الداخلية وجهاز التعليم الفاشل. لا توجد لهم مصلحة في وضع حدود مع الفلسطينيين، هذه الفكرة مملة بالنسبة لهم ويبدو أنه ليس لها فرصة ولا قيمة. الأغلبية من بينهم لا يدركون ذلك، لكن كلما تعزز موقفهم فإنهم سيتبنون الوصية السياسية للبيتاري الأخير: المساواة قبل السلام.

الوف بن
هآرتس 8/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية