‘اللحد’ لخورخي لويس بورخيس

حجم الخط
0

ترجمة: شكير نصرالدين القراءة: كشف عن الكنوز المطمورة لعل الصورة الساطعة التي أوردها القديس أغسطين عن ‘رجل جالس في غرفة صحبة كتاب وهو يقرأ بلا نطق’ هي نفسها التي يرسخها فينا أدب خ. لويس بورخيس، هذا الأدب الملغز لا بسبب غياب الوضوح وإنما لمقروئيته الكبيرة. إن عالم بورخيس الأسطوري الذي تنظمه قوانين يضعها هو ويرفضها في الآن نفسه يقود القارئ والناقد والمترجم أيضا إلى تجوال مدهش عبر ‘مجموعة لانهائية من الانطباعات حول اللغة’ التي هي الأدب. ومع بورخيس تبدو الأشياء كما لو أنها وجدت هناك مسبقا ويبدو معها الفهم مباشرة، وهو الذي يصرح أنه لم يقرأ شيئا ما لم يكن مدفوعا بالمتعة، يتبنى قولة آرثر رامبو:

هذا يعني ما يعني وبكل المعاني. في هذا النص الذي لم ينشر من قبل ينفض بورخيس الغبار عن قصيدة تم انتشالها من القرون الوسطى والتي تحمل عنوان ‘اللحد’. حوالي سنة 1957 كان عليّ الاعتراف وبشيء من الأسى المبرر أنني أصبحت ضريرا. لقد كان هذا الكشف متدرجا بورع. لم يمثل ذلك الأمر لحظة قاسية في الزمن أو خسوفا مفاجئا. لقد رددت وشعرت بكلمات غوته Goethe المقتضبة عن أفول النهار ‘كل ما هو قريب يبتعد’. لقد تركتني صور وألوان هذا العالم المرئي العزيز ببطء لكن بتأكيد، وهذه قولة غوته أيضا. إني فقدت وإلى الأبد اللونين الأسود والأحمر اللذين تحولا إلى سمرة. رأيتني وسط ضباب يمحي بخفة، لا وسط العتمة التي يراها العميان مثلما كتب شكسبير ذلك عن سوء تقدير، وجدتني وسط نور متراقص يميل إلى الأزرق والأخضر والرمادي. لم يعد هنالك أحد في المرآة. لقد فقد أصدقائي وجوههم. أما الكتب التي كانت تلامسها يدي فقد هجرتها الحروف وحلت مكانها فضاءات بيضاء مبهمة وبضع فقرات. تذكرت حينئذ حكمة رودولف شتينرR. Steiner: عندما ينتهي شيء ما ينبغي القول إن شيئا ما يبتدئ. لقد هجرني عالم الليل والنهار العجيب وكان عليّ ملء هذا الفراغ العظيم مهما كان الثمن. وتذكرت أيضا نقشا على خاتم ذهبي لماريا استواردو: في نهايتي بدايتي. إن أكبر ذنب قد يقترفه المرء هو أن يشفق على نفسه أو أن يسمح للغير بالإشفاق عليه. ما العمل للإفلات من هذا الذنب؟ كان السؤال محرقا. حوالي سنة 1917 تعلمت اللغة الألمانية من دون مناهج، اللهم إلا كتاب ‘الأغاني’ لهينه Heine وقاموس ألماني – انكليزي ما فتئت أن تخليت عنه. لم لا أعاود الكرة بعـد أربعين سنة من ذلك؟ لقد جذبتني الآداب الانكليزية دوما وقررت دراسة أصلها، أي الأنغلوساكسونية، هذا الأصل القريب جدا من ذلك الذهب المطمور الذي يحرسه ثعبان الأسطورة. فوق أحد الرفوف الأكثر علوا في الخزانة كان هناك مؤلفان اثنان في انتظاري: قارئ الأنغلوساكسونية لسويت Sweet، ونسخة من الأخبار الأنغلوساكسونية. مؤلفان اقتنيتهما منذ أمد بعيد مع اقتناعي وشكي في أني لن أقرأهما أبدا. إن هذه اللغة العتيقة تجري في دمي. أن نتعلم فذلك يعني أن نتذكر حسب مقولة سقراط التي حفظها أو ابتكرها أفلاطون. وبمساعدة ثمينة لبعض الأصدقاء دخلت تلك المغامرة الطويلة التي لم تنته بعد والتي أوصلتنا إلى دراسة اللغة الأم، لغة الشمال: الإسلندية. إن أي كلمة جديدة في اللغة التي نجهلها تبدو قبيحة أو جميلة (كما لو أننا نراها عبر عدسة مكبرة). ولن أنسى ما حييت دهشتي الأولى أمام كلمة Rome burh ) سور روما (التي تعني روما. وكلمة Lundenburh(سور لندن) التي تعني لندن، وكلمة Seaxland (ساكس) أي انكلترا، وكلمة Waendelsae(بحر الوندال) أي البحر الأبيض المتوسط. واليوم في سنة 1978 لا تزال ذاكرتي ملأى بسجع الأصوات الأنغلوساكسونية التي ترافق حسرتي بصخب. وإذا كان لا بد لي من أن أختار قصيدة واحدة من بين كل القصائد المدروسة، وبالتأكيد لا شيء يرغمنا على مثل هذا التبسيط الشاذ، فإنني أحار بين اختيار ‘نزهة مالدين’ المشهورة وقصيدة صغيرة تكاد تكون مجهولة وهي قصيدة ‘اللحد’، فالأولى توجد في أغلب مختارات الأدب الأنغلوساكسوني، أما الثانية فلم تنشر سوى في كتاب للمتخصص في الدراسات الجرمانية الألماني مارتن ليهنرت: الشعر والنثر الانغلوساكسوني (هال 1960). قد نظن أن هذا التجاهل ناتج عن تاريخ نشرها المتأخر، فهي المخطوط الوحيد الذي يرجع إلى القرن الثاني عشر، أو عن غلظة لغتها التي تجعلنا نحدس مذاك الانكليزية، وعن ابتعادها المطلق عن التقليد الموروث. لقد قام لونغفيلو الذي اقتبس كتاب مانريكه las coplas ‘المقاطع الثنائية’ والكوميديا الإلهية بترجمة هذا النص حرفيا إلى الانكليزية وأحيانا كلمة بكلمة. وهذا شيء مستحيل بالنسبة إلى الاسبانية. وقد قام ج. ك. أندرسون بنشر صياغة جديدة لها بغية عدم تكرار صياغة لونغفيلو Longfelow الكلاسيكية في كتاب الأدب الأنغلوساكسوني، برنستون 1949. وقد جاءت صياغته أضعف بكثير من صياغة لونغفيلو. وهذا هو النص منثورا. اللحدإليك هذه الدار المشيدة قبل ولادتك، إليك هذه التربة جهزت قبل خروجك من بطن أمك، إنهم لم يشيدوها بعد. مجهول عمقها، مجهول مقاسها. الآن حيث يجب أن تكون أقودك، الآن آخذ مقاسك وأقيس التربة. دارك ليست عالية جدا، إنها بسيطة وواطئة. عندما تكون هناك راقدا، واطئة ستكون الحيطان وبسيطة الجدران. سقفها يلامس صدركهكذا ستسكن الغبار وتستنشق البرودة، هكذا سوف تتفسخ المغارة وتصير ظلا وتصير ظلمة. ليس لهذه الدار باب وليس فيها ضوء، إنك هناك سجين إلى الأبد والمفتاح في يد الموت. ممقوتة هي دار التراب هذه، وكم هو فظيع المقام فيها. سوف تكون هناك حيث تنهشك الديدان، إنك هناك ممدد وبعيد عن الرفاق، لن يزورك أحد، لن يسألك أحد هل تناسبك هذه الدار، لن يفتح الباب أحد لن ينزل هناك أحد وسرعان ما يبدو منظرك بشعا، سوف ينسلخ شعر رأسكويخمد بريقه. بهذه الكلمات تنتهي هذه القصيدة المظلمة. وحسب فقهاء النصوص القديمة فإن الأسطر الأخيرة منحولة، إنها تناسب كتابة القرن الثالث عشر وتمثل إضافة عاطفية تخفف من مظهر القصيدة المسلوخ شيئا ما. قد يقول بلاغي إن القصيدة ليست سوى معادلة مطولة يتشكل طرفاها من اللحد والدار. لقد وجدت هذه الاستعارة مسبقا في سفر الجامعة (7. 12) الذي نقرأ فيه أن الإنسان بموته يغادر إلى دار الخلود. إن عقلنا قد يقبل هذا الحكم لكن قلبنا لن يقبل. إن من يقرأ هذه القصيدة الفظيعة يعلم أن وراءها صوتا قويا، فالأمر لا يتعلق بشخص يتوجه إلى الآخرين أو إلى ذاته وإنما بالمصير، بالقدر الذي نجهل وجهه والذي نسمع صوته لأول مرة. الآن حيث يجب أن تكون أقودكالآن آخذ مقاسك و أقيس التربة. إننا لا نعلم شيئا عن المؤلف، وهناك من يقول إنه كان راهبا بندكتيا نظرا لصرامة النظام، إلا أن القصيدة ليست مسيحية وليس فيها أي وعيد بالنار. تجري الأمور كما لو أن الإنسانية كانت في حاجة إلى هذه القصيدة المقبورة والمنبوشة بشكل متأخر. في القرن التاسع عشر أراد شاعران إعادة كتابة هذه القصيدة التي لم يعرفاها. الأول هو الفرنسي شارل بودلير حيث ترك لنا قصيدة ‘الجيفة’ والثاني هو السويسري غوتفريد كيلير الذي خلف لنا قصيدته ‘المدفون حيا’ والتي ترجمها جيمس جويس. ناقد أدبي ومترجم ـ المغربnareddine_chakir@hotmail. fr

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية