نصيحة مبارك لصدام: ‘إنقذ العراق واستقيل’

حجم الخط
0

لعل البعض يتذكر نصائح الرئيس مبارك للرئيس صدام اثناء أزمة الخليج الاولى وماأكثرها. نصحه بأن يرحم العراق أولا ويستقيل وأن يرحل الى أي بلد عربي ويخرج الامة والشعب العربي من محنته وإنشقاقه. اليوم المشهد أمام مبارك أوضح كثيرا للإقتداء بنصيحته ‘وبحكمته’ حينئذ. الوضع اليوم يتطلب منه أن يرحم شعبه وأمته وأن يرحل، فالوضع مصري التشكل والابعاد، وطني الشعور والاحساس، منبعه من الداخل والداخل فقط. إنه موقف الشعب بعيدا عن اي تأثير خارجي، فلذلك فيه من درجة الاختلاف الكثير مقارنة بما فعله صدام وإستوجب نصيحة مبارك له بالاستقالة والرحيل. هنا يتضح شكل آخر من ممارسات السلطة العربية وهو شكل تاريخي وثقافي لم يتوقف. يجزىء في المواقف وينتقي في الاوضاع، ويجعل من الحقيقه ذات وجهين، مطلق بالنسبة للآخر ‘خطأ أم صواب’ ونسبي بالنسبة للذات. مثل هذا الموقف ‘الزئبقي’ نفاق أسود يتطلب إعادة في دراسة تاريخ الامة وتراثها. ولي أن ابدي بعض الملاحظات هنا:

أولا: الاستبداد مرتبط تماما بثقافته الزئبقيهة التي تقوم على النفاق والعاطفة، بعيدا عن تحمل المسؤولية وتحديد المواقف ومحاباة الذات وعدم مراعاة الآخر. يتحول في مراحل الضعف الى عاطفة واستجداء كخطاب مبارك الاخير، ولعل البعض قرأ أو يتذكر ما حصل في رومانيا منذ عقدين قبل ازاحة تشاوشيسكو ومقتله وزوجته بعد ذلك، حين نادت زوجته احد الجنود الذي يمسك يدها بقوة قائلة له ‘اترك يدي أنا أُمك.’ثانيا: فقدان المرجعية الثقافية والاخلاقية للسلطة اخطر كثيرا من فقدانها حتى للشرعية الدستورية ذاتها، فلذلك كانت المناداة لدى البعض عبر التاريخ بأنه لا يصلح حال الامة سوى ‘مستبد عادل’، جرى التركيز في هذه العبارة على البعد الاخلاقي بعيدا عن مصدر الشرعية لاهمية تلازم الامرين معا، ولكن في حالة فقدان البعد الاخلاقي الثقافي تصبح الشرعية ناقصة وتتحول الى زئبقية ما ينطبق على الاخر لا ينطبق على ‘كم شهدنا في نصيحة مبارك لصدام والتي يحتاجها هو نفسه اليوم اكثر من اي فرد او اي وقت آخر ‘ولكننى أنا غير’ هذا هو منطق الموقف الزئبقي.

ثالثا: الارضية التي تتحرك عليها السلطة الزئبقية التي ترى نفسها استثناء دائما هي الارضيي ‘المافياوية’ المستفيدة من الوضع، حيث تشكل هذه الارضية دعما مستمرا لها ومبررا دائما لاخلاقياتها واستثناءاتها، واليوم نشهد ذلك عيانا في الجوقة الجديدة من هؤلاء يبررون ما لايمكن تبريره محاولة منهم للالتفات على حركة الشارع المصري وحراكه. رابعا: تعمل السلطة الزئبقية على انشاء الدولة الرخوة التي تصدر القوانين ولا تطبقها في حين تقوم المافياويات المصاحبة المستفيدة بالالتفافعليها فتقل قبضة النظام القانوني ويصبح شكلا لا جوهرا، وإذا وصل الامر الى الجيش فقد يلتحم مع السلطة في مواجهة الشعب المعزول، بمعنى أنه قد يتحول هو الاخر الى مافيا مستفيدة من الوضع فيشيع الفساد.

خامسا: السلطة الزئبقية لا تريد أن تخرج، فلذلك يصبح التوريث هو السبيل الاوحد، ورأينا حمى التوريث يجتاح الجميع وينتج نسخا مكررة معدلة تحاول تجميل الصورة فيأتي الابن لإصلاح ما أفسده الاب على حساب الشعب مصدر السلطات. حتى في احلك الساعات وتجهم الموقف الشعبي بشكل مباشر، مشيرا بإصبع واحدة تقول أخرج ‘يأتي جواب السلطة ‘هم رايحين فين’؟ بمعنى الشعب رايح فين.

سادسا: تستهين هذه السلطة بالشعب مع مرور الوقت ومع تكون المافياويات المحيطة بها تشعر بالأمن والاستقرار، فلا تعد تحس بالشعب ولا بأوجاعه، وهنا يبدأ العد التنازلي لها مع الوقت، ويذكر الدكتور جلال أمين أنه بعد الانتخابات التشريعية المزورة الاخيرة في مصر حاول بعض الوطنيين إنشاء برلمان مواز بديل لهم، فلما وصل الامر الى الرئيس قال ‘خليهم يتسلوا’ هذه صورة واضحة لإنفصام السلطة بمن حولها عن الشعب.

سابعا: لقد كان مبارك أكثر الناصحين لصدام والمكررين له بالانسحاب والتراجع عن الخطأ، حيث يعد ذلك ايجابيا، وأذكر بأننا كنا نستمع الى ذلك بشكل شبه يومي، حيث كان ونظامه يمثلون الناصح الاكبر من أجل العراق، ومن أجل الأمة ومن أجل حقن دماء المسلمين. ولكن التاريخ يحصره اليوم في زاوية نصائحه وكأنه يكشف النوايا وما تخبىء الصدور بأمر رباني ليميز الصادق من المأجور. الآن: اذا لم تنتهز شعوب الامة الفرصة السانحة اليوم لفرز ثقافتها بشكل انساني وعصري واستمرأت الخطاب التاريخي السمج الذي يبرر القدرية والخيرية والانتقائية والاسطفائية تحت أي مسميات، فإن القادم اسوأ، لأن انكشافنا الاخلاقي اليوم أمام العالم والذي يمثله نظام مبارك، حيث تتكسر الارادة الشعبية أمام إصرار السلطة المتلونة، التي تقذف بالقرابين واحدا بعد الاخر لكي تتلون وتعود من جديد في موقف أنكره العالم. شعب يطالب ورئيس يماطل ويرفض بعد ثلاثين عاما من الحكم المطلق الاستفزازي، ولكنها تمر على الظالم كلمح البصر في حين يبدو يوم الحساب بالنسبة له كألف سنة مما تعدون.

عبدالعزيز بن محمد الخاطر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية