تكاليف حرب

حجم الخط
1

كان صحيحا الى صباح أمس أن المستوى السياسي في اسرائيل احتار بين مسارين يُمكنان الجيش الاسرائيلي من الخروج من غزة. وقد جلس اللواء (احتياط) عاموس جلعاد، ورئيس «الشباك» يورام كوهين، ومحامي نتنياهو اسحق مولخو، جلسوا في القاهرة ينتظرون أجوبة من مصر ومن قيادة حماس في قطر. وكان القصد التوصل الى هدنة مؤقتة انسانية لـ 72 ساعة يبدأ بعدها تفاوض في تخفيف الحصار الذي تفرضه اسرائيل ومصر على غزة. والتفاوض انجاز لا يستهان به لحماس ولأبو مازن الذي يفترض أن يكون جزءاً من كل حل. وكان وزير الخارجية الامريكي كيري المشارك فيه متفائلا كثيرا، وهذا صحيح الى صباح أمس.
ويسعى المسار الثاني الى مضاءلة القوات من طرف واحد. وأن يعلن رئيس الوزراء أن مهمة القوات البرية قد أُتمت. وأن يُرد على القذائف الصاروخية بالقصف ويُرد على الهدوء بالهدوء. وقد عُرض هذا المسار على نتنياهو قبل عشرة ايام ولم يقل نعم ولم يقل لا. ولم يعرف كيف يبت الامر. ومنذ ذلك الحين قتل في داخل القطاع وعلى الحدود أكثر من 30 جنديا. إن الروح المعنوية للقوات في الميدان عالية لكن الخوف من السير في نفس المكان يتغلغل الى النفوس. وقد بلغ الدمار في غزة مقادير تُعرض للخطر مكانة اسرائيل في العالم. صحيح أنه تم العثور على انفاق اخرى ودُمرت لكن هذا المشروع ايضا بلغ نهايته في واقع الامر. وتوجد فوهات الانفاق التالية في اماكن لا يريد الجيش الاسرائيلي أن يصل اليها لأن العوض لا يُسوغ الكلفة من الأرواح.
لم تتغير خصائص عملية الجرف الصامد طول الطريق كله. فالمعركة تجري بين عدوين غير متكافئين، فلاسرائيل سيطرة مطلقة في الجو وفي البحر. والفرق التقني عظيم. أما القذائف الصاروخية التي هي سلاح حماس الرئيس فتم إبطال فعلها بفضل القبة الحديدية وجهود التحصن في الجبهة الداخلية. ونجحت حماس في أن تُخرج خمس هجمات الى داخل اسرائيل وهذا انجاز ملحوظ في هذه الظروف. وقُتل وجُرح مقاتلون بسبب تفخيخ بيوت واطلاق قذائف مضادة للدبابات وبنار القناصين. وانجاز حماس الرئيس هو قدرتها على الصمود. «عدو قاسٍ»، قال لي قائد لواء المظليين اليعيزر طولدانو. وقال أحد الجنرالات: «عدو يتعلم. إنها ليست حماس الرصاص المصبوب».
لنأخذ على سبيل المثال محمد ضيف أبا ارهاب حماس. إن كل اسرائيلي عنده ألف سبب وأكثر ليكرهه ويتمنى موته. لكن لا يمكن أن نتجاهل التأثير الضخم لهذا الرجل ذي سبع الأرواح في الروح القتالية في غزة، وهو بطل في نظر الغزيين. دخل الجيش الاسرائيلي هذا الصدام العسكري مسلحا تسليحا جيدا. في 2006 كان الشعور المباشر هو الغضب – الغضب بسبب عجز المنظومات الدفاعية في الجبهة الداخلية عن مواجهة رشقات الصواريخ، وغضب المقاتلين في الميدان بسبب الاختلالات في مواجهة المحميات الطبيعية لحزب الله. وكان هناك نقص في المعلومات الاستخبارية ونقص في المهام ونقص في المعدات ونقص في التدريع في مواجهة السلاح المضاد للدبابات.
تتميز عملية الجرف الصامد بالوفرة: وفرة المعلومات الاستخبارية، ووفرة المعدات، ووفرة التقنية، ووفرة التدريع. فهذا جيش غني لدولة غنية، وجيش لا يحسب حسابا لشيء. وبين القوات التي دخلت الميدان كان العاملون في الدبابات هم الأكثر سعادة. وقد تحدثت في الميدان الى اثنين من قادتهم.
وصل أحدهما مع دبابات المركباه حتى ظاهر مخيم اللاجئين جباليا. وقال: «التقنية مدهشة، فهي توسع ميدان القتال. والمنظومات ذكية جدا بحيث ننجح في أن نصيب مصادر اطلاق النار في أقل من دقيقة. والتنسيق بين القوات مجنون. ومنظومة معطف الريح تعمل. أمس أُطلقت قذيفة آر.بي.جي على دبابة قائد كتيبة. وسلمت الدبابة وقائد الكتيبة. إننا نشعر بأمن كبير جدا في الدبابات».
قلت: لا يبدو هذا مثل حرب بل يبدو مثل رحلة صيد. فقال: «بالضبط». وقال قائد آخر: «حسمت هذه المعركة الجدل: فالجيش الاسرائيلي سينطلق قدما بالدبابات سنين كثيرة. يُحتاج الى سلاح جو قوي لكن يُحتاج ايضا الى قوات برية ذات سطوة. فالجيش الصغير لا يأتي بحل. ومن يتجه الى الميدان دون دبابات ودون سلاح مشاة؟».
يمكن أن نفهم العاملين في الدبابات فهم قد استعملوا لأول مرة في ظروف معركة المعدات التي ركبوها لهم، وكلها آخر صيحة، وفرحوا مثل اولاد صغار حينما رأوا المنظومات تعمل. وكانت المهمة واضحة والوطن قريبا. «نحن نرى من الخلف مداخن محطة توليد الطاقة في عسقلان وبيوت الكيبوتسات»، قال لي أحد قادة المدرعات. «ومن الواضح لنا لماذا نحن في الداخل». إن الشعور الامني ارتفع الى أعلى المستويات في الجيش الاسرائيلي. ومحا الاحتضان العام السخرية التي نالت الجيش الاسرائيلي خلال الجدل في الميزانية فعاد الجيش الاسرائيلي ليصبح قيمة مقدسة.
في مبنى هيئة القيادة العامة في تل ابيب لبس الضباط الملابس العسكرية ب. وقد بدت مُغضنة شيئا ما لكنها أكثر قتالية. وقد علموا أنه في اليوم الذي ينتهي فيه اطلاق النار في الجنوب سيبدأ اطلاقها في تل ابيب والقدس. وسيبدأ الجدل في الانفاق – ماذا علمتم وماذا لم تعلموا، وماذا فعلتم وماذا لم تفعلوا. وسيبدأ الجدل في نتائج العملية وفي انجازاتها وفي اخفاقاتها. وهم يعلمون ماذا سيحدث في مكاتب الساسة، فهناك من يجمع وهناك من يَقرِض. وقد بدأ جمع المعلومات وربما القرْض ايضا.

ماذا تعلم نصر الله

من شبه المؤكد أن النقاشات التي ستبدأ في الجيش الاسرائيلي في اليوم التالي ستنحصر في عدد من القضايا. هل كان ينبغي أن ننتظر عشرة ايام حتى بدء العملية البرية أم كان يُفضل السبق ودخول غزة؛ وأي نوع من القصف واطلاق القذائف أجدى على تنفيذ المهمة وأيها أضر بها؛ وما الذي تعلمه نصر الله من العملية، هل تعلم أن المستقبل كامن في الانفاق لا في القذائف الصاروخية، وهل أثرت فيه قوة الضرر الذي سببه القصف للطرف الآخر، وهل أسهمت العملية في غزة في الردع في لبنان أو قلصته؛ وهل الدرس كما سيزعم العاملون في الدبابات قرب طاولة هيئة القيادة العامة هو أن الجيش الاسرائيلي يحتاج الى دبابات اخرى والى معاطف ريح اخرى، وأنه يجب أن تُرمى كل ناقلات الجنود المدرعة من طراز إم 113 وأن يُشترى بدلا منها بشواقل غالية آلاف مركبات الـ «نمر»، مع تدريعها – ربما – بمعاطف الريح ايضا.
سيقول آخرون: لا يوجد مال. وليس ذلك في ترتيب الأفضليات. وسيوجد من يقول ايضا لماذا نُكثر الحديث عن الحرب السابقة. إن الحرب القادمة ستبدو مختلفة تماما.
عرضت سؤالا على كل الضباط في الجيش الاسرائيلي الذين تحدثت إليهم في اثناء العملية وعلى عدد من الساسة وهو: أنت تعلم أنه يوجد اليوم نفق من لبنان يفضي الى غرفة طعام مسغاف عام، ونفق يفضي الى بركة سباحة منراه، ونفق يفضي الى باب قرية زرعيت الزراعية. فماذا تفعل؟ (وهذا السؤال افتراضي، بالطبع.)
وأجاب أكثرهم: اجل، يمكن أن يكون ذلك. إن حكم الانفاق كحكم القذائف الصاروخية: ونحن لا نبدأ حربا مدبرة عليها بل نبحث عن رد دفاعي جيد. وكما وجدنا ردا جيدا على صورة القبة الحديدية وردا أفضل على صورة العصا السحرية، سنجد ردا تقنيا على الانفاق ايضا.
إن المشروع الذري الايراني يسبقها في ترتيب الأولويات الذي أقره المستوى السياسي؛ وتسبقها القذائف الصاروخية ايضا. تخيل أننا أنفقنا المال على حماية أنفسنا من الانفاق، وأننا كنا الآن في ذروة حرب لحزب الله. كان الجميع سيقولون: هل جننتم. هل دفنتم المال في رمل غزة بدل أن تنفقوا على حمايتنا من القذائف الصاروخية؟
سيقترح رئيس الوزراء بعد أن تنتهي العملية على مراقب الدولة أن يفحص عن سلوك المجلس الوزاري الامني المصغر في اثناء القتال. وسيصف المكتب هذا العمل بأنه شهادة على شفافية رئيس الوزراء وعلى ثقته بنفسه وعلى فروسيته. إن التوجه الى مراقب الدولة هو اختراع جُرب بنجاح في حكومات سابقة وهو يرمي الى احباط انشاء لجنة تحقيق.
ولا يوجد داعٍ للقلق، فرئيس الوزراء سيخرج في أحسن حال من النقد.
وسيتبين أنه وُجد ما لا يحصى من المباحثات في جميع المنتديات الصحيحة. وقد أُعطي الجميع الحق في الكلام. وأُذن للضباط أن يتحدثوا حتى حينما خالفوا – بأدب – رأي رئيس هيئة الاركان. وأُذن لوزراء أن يتحدثوا ايضا حينما هاجموا رئيس الوزراء بلا أدب.
يفحص مراقب الدولة عن اجراءات وتدبيرات وهذا هو عمله. وسيتبين له أن كل الاجراءات تمت بحسب الكتاب، بيد أنه لم توجد قرارات. فنتنياهو لا يحب أن يقرر ولا يعرف أن يقرر. وقد جُرت اسرائيل طول الطريق كله بكامل ثقلها وبكامل قوتها. وليست القرارات والزعامة والمبادرة والرؤيا جزءً من سلطة مراقب الدولة ولا لجنة فحص برئاسة قاضٍ. فهم يفحصون عما يوجد لا عما لا يوجد.
إن الكلام على «بالغ ذي مسؤولية» هو الطريقة التي يروج بها خبراء علاقات عامة مهرة لزبون اشكالي. إن عبارة «شاب جريء» تبدو أفضل، لكن هذا هو الموجود. في اثناء العملية طرأ تحول على توجه نتنياهو نحو السلطة الفلسطينية وحماس. فقبل العملية كانت حكومة المصالحة التي انشأوها عدوا وجوديا ولم تهدد اسرائيل فقط بل هددت سلام العالم كله. ورعت الحكومة سياسة فرّق تسد: فأبو مازن ضعيف في رام الله وحماس مخنوقة في غزة.
وماتت تلك السياسة في اللحظة التي تمنى فيها نتنياهو أن يوجد شخص ما يُرتب له وقف اطلاق النار. فتم تبييض أبو مازن. وأُحلت حكومة المصالحة الفلسطينية، وكان التحول حاد جدا بحيث طلب الامريكيون الى جهات في اسرائيل أن تكف عن مدح أبو مازن لأنهم يُفسدون بقايا سمعته الطيبة في الشارع الفلسطيني.
يوجد اليوم من يرى في الوضع الذي نشأ فرصة. فحماس معزولة وحكام مصر والسعودية والامارات يخشون الارهاب الديني أكثر من كل وقت مضى، وهم يريدون اعادة السلطة الفلسطينية الى غزة والانفاق على إعمار القطاع والسعي الى تسوية مع اسرائيل. وقد نضجت في واقع الامر الظروف لتجديد مبادرة كيري بقوة أكبر.
من المنطق أكثر أن نفرض أنه بعد أن تضع الحرب أوزارها بيوم ستعود الامور الى سابق عهدها. فالبحر سيكون نفس البحر والعرب نفس العرب والحكومة نفس الحكومة. نسب أحد استطلاعات الرأي الى نتنياهو شعبية بلغت 87 بالمئة في اثناء العملية، ويبدو أن الـ 13 بالمئة الاخرى الباقية أُحصيت قرب طاولة الحكومة.
كان أحد الأضرار التي صاحبت العملية المواجهة بين نتنياهو وكيري. فقد اخطأ كيري عدة اخطاء محرجة في محاولته احراز هدنة. وحينما وصفوه في اسرائيل بأنه خائن، تنحى نتنياهو جانبا بل ربما شجع المُشهرين. ولم يعق ذلك نتنياهو عن العودة الى أن يطلب من كيري أن يرتب له هدنة. ورأى الامريكيون ذلك إنكارا للجميل ووقاحة ومهانة. فللتنحي جانبا ثمن أحيانا.

تفاوض في الدم

خرج جاك دي – مايو، رئيس وفد الصليب الاحمر في اسرائيل والمناطق، من غزة في يوم الثلاثاء، وكان مزعزعا. وفي يوم الخميس أمس سافر الى مديرية المنظمة في جنيف ليُقدم تقريرا عما رآه. ويجب أن يقلق كلامه القاريء الاسرائيلي بسبب البُعد الانساني وبسبب الاضرار باسرائيل في المستقبل ايضا. والفلسطينيون في طريقهم الى المحكمة في لاهاي. وأخشى أن تكون لهم ذخيرة هذه المرة.
قال: «مقادير الدمار في غزة مخيفة. هذه مواجهة عسكرية ضخمة. ويعمل الطرفان بسبل تخالف القانون الدولي. والضحايا هم المدنيون. وقد دُمرت كل البنية التحتية – الماء والكهرباء والخدمات والصحة».
قلت: أنت متأثر جدا. فقال: «لا. قد تكون نغمة كلامي متأثرة فأنا ايطالي. لكن وصفي دقيق وطبي.
«يضطرنا الوضع، أعني الصليب الاحمر، الى التحول عن عمل حَكَم في لعبة كرة قدم يصفر حينما يرى مخالفة الى حكَم يقول يكفي، يجب أن تنتهي هذه اللعبة. لا تستطيعون التفاوض في دم المدنيين. إن الثمن الانساني باهظ جدا».
في صباح يوم الاربعاء قُتل 23 مدنيا في مدرسة في جباليا و17 في سوق في حي قريب من الشجاعية. واسترعت الصور اهتمام وسائل الاعلام في العالم فقد كانت مخيفة.
لم يشأ دي – مايو أن يتناول وقائع محددة. «نحن نعلم أن الجيش الاسرائيلي لا يريد المس بالمدنيين. ونحن نؤمن بأن هذا اعلان صادق. لكن معناه يُمحى حيال ما يحدث على الارض. يقول القانون الدولي إنه حينما يحدث ضرر انساني غير عادي يصبح اطلاق النار على أهداف مشروعة مخالفة للقانون. يجب أن يقف النشاط الحربي.
«يقرب عدد المهجرين في شوارع غزة من 300 ألف. ولا يوجد لعدد منهم بيت يعودون اليه. ولا يوجد مكان يهربون إليه حينما يبدأ القصف».

من مات؟

«لم يمت أحد في غزة»، قال لي أحد سكان سدروت حينما زرت المركز التجاري القديم هذا الاسبوع. «كل شيء كذب».
قلت: «ماذا تقول. قُتل 1300 على الأقل. «فكيف لم أرَ أية جنازة في التلفاز اذا»، قذفني بهذا القول وسار في طريقه.

يديعوت 1/8/2014

ناحوم برنياع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية