غياب الحضور العربي في العراق لم يبق له إلا احد خيارين.. إما أمريكا وإما إيران لقد كانت جلسة ساخنة وعميقة، تلك التي جمعتني مع الأخ الكاتب أحمد سرور وهو من الكتاب القدامى في صفحة المنبر من هذه الجريدة الغراء طوال العقد الماضي.
العراق كان حاضراً بقوة في هذه الجلسة وقد تجلى خلالها الأخ أحمد من خلال قيامه بتشريح المشهد السياسي الحالي للمنطقة العربية ومواكبة التطورات الدرامية التي عصفت بالمنطقة وأدت إلى إعادة صياغة خريطتها السياسية والعسكرية، على نحو أدى إلى ميلاد لبنان جديد برز به حزب الله كقوة ضاربة في مواجهة إسرائيل، وصعوده إلى خانة الرقم الصعب أو الأصعب على الساحة اللبنانية والعربية.
هذه المنظمة السياسية التي لقيت اهتماماً شديداً من قبل الجمهورية الإسلامية في إيران التي تولتها بالعناية والرعاية الفائقة وساعدتها بقوة لبلوغ هذا المستوى المتقدم، قد أدت إلى رفع مكانتهما معاً في قلوب الشعوب العربية التي رأت في إيران دولة جديرة بالتقدير، لأنها لعبت دوراً محورياً في مساعدة حزب الله على إنجاز انتصارين متتاليتين في لبنان، أدى أولهما إلى هزيمة إسرائيل من خلال إجبارها على الانسحاب منه، والثانية تمكن فيها هذا الحزب من تحجيمها بعد أن شكل درعاً فولاذية حطمت دروعها وأعجزت طيرانها الحديث ليؤدي في النهاية إلى تمزيق هالة المهابة والمنعة عن جيشها.
كل هذا أدى إلى إدخال إيران إلى قلوب الشعوب العربية عبر البوابة الفلسطينية التي تملك مفتاح هذه القلوب، وأدت في النهاية إلى إلهائها بمتعة النصر النادر في لبنان، وفي ما بعد صمود درامي لحماس التي تعهدتها إيران بنفس العناية.
أثناء هذه الأحداث قامت إيران بالعمل على إنجاز صيدٍ ثمين في مكان إستراتيجي حساس من العالم العربي، وهذا المكان هو العراق.
ورغم الشعور الكبير بالامتنان للدور الإيراني في لبنان وغزة، إلا أن هذا الدور لا يجب أن يؤدي بالعرب إلى تقديم العراق هدية لها أو عرفانا بالجميل لأنها قامت بمساعدة المقاومة على إنجاز هذه الانتصارات. هذا ملخص لوجهة نظر الأخ أحمد حول الدور الإيراني في المشهد السياسي العربي.
ومع أنني أوافقه الرأي في ما يتعلق بالدعم الإيراني لقوى المقاومة، إلا أنني لا أعتقد أن إيران وضعت برنامجاً ضم في فصوله هذه السيناريوهات من أجل إخجال العرب وإحراجهم بغية السكوت على قيامه بالسيطرة على العراق، مع أنني أرى أن إيران معنية بقيام نظام سياسي يكون على توافق معها في سياساتها تجاه المنطقة، وألا يكون صدىً لقوى خارجية تمتلك سياسات تصادمية معها، لاسيما أنه لصيق بها ويوجد تداخل مذهبي بين شعبه وشعبها، مما يؤدي إلا جعله المكان الأنسب لتوجيه الضربات الموجعة لها، ولهذا فإنها ترى أنها تدافع عن نفسها في مكان هو بمثابة الخاصرة بالنسبة لها. نعتقد أن إيران وأمريكا في صراع داخل العراق ويسعى كل منهما إلى دحر الآخر أملاً بإيجاد نظامٍ سياسيٍ حليف أو تابع إن أمكن، ولكن أيا منهما لا يريد أن يرى في العراق دولة معادية له، ولهذا السبب طال الوجود الأمريكي في هذا البلد لأنه لم يتمكن من إنجاز الحبكة السياسية الضرورية للدولة العراقية الموعودة.
المأزق الإيراني لا يقل صعوبة عن المأزق الأمريكي، لأن أمريكا كانت قادرة على حماية مصالحها في دول الخليج العربي مع وجود حزب البعث العربي الإشتراكي في السلطة، ومع وجود الرئيس الراحل صدام حسين، الذي كانت الإطاحة به مطلباً إسرائيلياً ملحاً، ولا نستبعد أنها جاءت تنفيذاً لوعدٍ أمريكي قطعته لإسرائيل عندما انهمرت الصواريخ العراقية عليها في حرب الخليج الأولى، لقاء التزام إسرائيل بعدم الرد لكيلا يؤدي ذلك إلى إفقاد الأمريكيين زمام السيطرة في المنطقة.
ولكن الوضع الأكثر خطورة هو الغياب العربي في هذه المرحلة الحرجة وعدم مبادرة الدول العربية إلى احتضان هذا القطرالجريح وتقديم العون له من أجل الوقوف على قدميه وسد الفراغ السياسي الناتج عن الضعف والتمزق بين فئاته، حتى لو استدعى الأمر تقديم الهبات السخية لإعادة إعماره بتمويل عربي، ومساعدته على إيجاد صيغة توافقية لنظامه السياسي، من أجل قطع الطريق على أية قوة تسعى لتسخير الكبوة العراقية من أجل بسط نفوذها عليه.
هنالك فئة غير قليلة من الكتاب العرب تتوجس خيفة من حقيقة النوايا الإيرانية إزاء العراق، ويرى البعض أنها تملك مشروعاً خفياً يهدف إلى بسط نفوذها على العالم العربي من خلال توظيفها لمشاعرالألم والمرارة التي تؤرق الشارع العربي إزاء العجز العربي الرسمي عن مقارعة إسرائيل وإخفاقه المتواصل في مد يد العون للشعب الفلسطيني.
ولكن الواقع يؤكد أيضاً أن مخاوف إيران من استعمال الغرب للدول العربية كجسر يقربها من العمق الإستراتيجي الإيراني بقصد تسديد الضربات الموجعة لها على أمل تقويض نظامها السياسي، له أيضاً ما يبرره إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المنطقة العربية هي في واقع الأمر منطقة نفوذ أمريكية، تزخر بالقواعد العسكرية وتتبنى حكوماتها سياسات لا تخدم مصالح شعوبها ولا تطلعاتهم، وهي بالتالي ليست إلاصدىً للسياسات الغربية.
هذا الضعف العربي المتمثل بالتفكك، وحلزونية الحركة التي تتسم بها أنظمته، ودورانها فرادى وجماعات في مدارات متشابكة حول القوى الغريبة عن المنطقة، قد أدى إلى إسقاط العراق في متاهات التمزق والتشرذم، وحوله إلى ساحة للصراع بين إيران والغرب، لاسيما أن الكثير من الدول العربية دخلت هذه الحرب بأجندة سياسية مستمدة من القوى التي تدور في أفلاكها.
فقط عندما تكون الدول العربية قد نجحت في إثبات استقلاليتها وبرزت على الساحة الدولية ككتلة متجانسة وبرؤية واحدة وإرادة حقيقية للدفاع عن مصالح شعوبها، حتى لو اقتضى الأمر دخولها في مواجهة مع أي قوة تسعى للسيطرة على مقدراتها، فإنها والحالة هذه فقط تستطيع أن توقف إيران عند حدودها، لأن إيران لا تستطيع أن تقول إنكم أيها العرب تضعون بلادكم تحت تصرف أعدائي ولا تتركون لي خياراً سوى مواجهته حيث يوجد.
أما العراق فإنه وللأسف الشديد دخل في مرحلةٍ الانفصام، ولا ندري كيف سيتنفس برئة نصفها الشمالي أمريكي ونصفهاالجنوبي إيراني، وبينهما فئة ثالثة تبحث عن عروبة ضائعة وعرب لم يبقَ من عروبتهم شيء إلا بقايا ثرثرة لسان يرطن بلكنة أعجمية.
وأخيراً فقد وقع العرب جميعهم في فخ لعبة الخيارين، وأصبح عليهم أن يختاروا بين احد المعسكرين.. إما الإسرائيلي، وإما الإيراني، ويبدو أن الثقل الأمريكي قد عزز الخيار الأول.
زياد علان العينبوسي نيويورك[email protected]