‘ويكيليكس’: وثائق تاريخية لإدانة الديمقراطيات الغربية

حجم الخط
0

ولاء السامرائيتصدرت صحف الولايات المتحدة وبريطانيا عناوين، مثل افتضاح أمريكا في مقالة روبرت فيسك في ‘الاندبندنت’، ووثائق مروعة وأرقام مروعة للقتلى المدنيين وأعمال تحتاج الى محاسبة بحسب ‘نيويورك تايمز’، بينما اختارت الجزيرة عنوان ‘كشف المستور’ لبرنامجها حول نشر وثائق موقع ويكيليكس، مبرزة بشكل غريب دور وكلاء الاحتلال ودور إيران، قبل المحتل الأمريكي، الذي تسبب غزوه في تدمير العراق وابادة الشعب العراقي، وتكليفه لهؤلاء بالقيام تحت أمرته بالدور نفسه صراحة او ضمنا. لكن هذه المعالجة المخصصة للشارع العربي بسبب لا يبتعد عن الضغوط بالتأكيد ولا علاقة لها بالقناة، لن يجمل وجه المغتصب الأمريكي الهمجي وماكنة الحلف الأطلسي التي حشدت للإجهاز على الشعب العراقي وتدمير ارض الرافدين. كما أنه لن يجتث من عقول وذاكرة العراقيين او العرب او حتى الشعوب الغربية صورة همجية القوات المحتلة المسماة بقوات التحالف، وبالأخص صورة الأمريكي الذي يقتل ويعذب ويفجر بدون عقاب بتعليمات من جنرالاته في الحرب غير الشرعية على العراق.

أصل التسريباتجوليان أسانج مدير موقع ويكيليكس هو من نشر ما سرب له من وثائق تصل الى 400 ألف وثيقة، ورغم ان شهرة الموقع تعزى الى نشره وفضحه فساد الحكومات غالبا في العالم الثالث، كما تذكر المعلومات عنه، فانه من غير البعيد ان تكون وراء هذه التسريبات جهات عسكرية أمريكية عليا لا توافق على الاستمرار بحروب مكلفة وقاتلة للولايات المتحدة، فقد سبق لهؤلاء أن انتقدوا بوش ووزير حربه رامسفيلد عقب المعارك المكلفة التي أدمت جيشهم المجرم مع المقاومة العراقية المجاهدة في الفترة بين 2004-2007، وتقرر على اثرها اقالة رامسفيلد وتعيين غيتس، واعتراف بايدن نائب الرئيس، لأول مرة من مسؤول كبير، عن 300 ألف جندي في عداد الموتى، وانتحار يتصاعد يوما بعد يوم بعد ان كانت ادارة بوش تخفي وتتهرب من ذكر الأرقام الحقيقية لخسائرها في العراق، ولا تهتم لاحتجاجات كبار جنرالاتها وأسئلتهم عن أهداف غزو العراق ونهاية الحرب التي بشرهم بنهايتها بوش في وقتها! وثائق الحرب في أفغانستانلقد نشر موقع ويكيليكس 90 ألف وثيقة خاصة بالحرب على أفغانستان، قبل بضعة أشهر وقد حاولت الإدارة الأمريكية منع هذا النشر عبثا، وعمدت الى مهاجمة جوليان أسانج صاحب الموقع وملاحقته كما عملت على اتهامه بالاغتصاب لتشويه صورته ‘وثنيه عن نشر وثائق الحروب الأمريكية’ ونشر فساد الحكومات والمنظمات المتعاونة معها، التي تتسبب بآثار مدمرة على السكان والمدنيين والأطفال ظلما. ويبدو ان نشر هذه الوثائق الأخيرة حول الحرب على العراق أزعجت الإدارة الأمريكية، اذ علق أوباما على ان نشر مثل هذه الوثائق سوف يهدد حياة العراقيين! بعدها صرحت هيلاري كلينتون بأنها تهدد حياة جنودنا ومن يعمل معنا من اجل استقرار العراق. وقد هدد البنتاغون بتطبيق قانون التجسس واتخاذ اجراءت قانونية ضد وسائل الاعلام العالمية في حال تسرعها في نشر الوثائق حول الحرب على العراق. فيما وصف الناطق باسم البنتاغون جيفري موريل الوثائق بأنها سطحية وميدانية وستعطي نافذة للمسلحين العراقيين ضد القوات الأمريكية، كما حصل في أفغانستان. وثائق الحرب على العراق حصل الموقع على 400 ألف وثيقة مصنفة سرية تتضمن بحسب مسؤولي الموقع حالات وفيات لمدنيين عراقيين جراء عمليات قتل وتعذيب لم يكشف عنها هي لا تغطي في الحقيقة كل الوثائق حول عمليات القتل والتعذيب، رغم انها تمتد لفترة بين 2003 ـ 2010 ولا تغطي العمليات التي لم تسجل أصلا، مثل جرائم ‘بلاك ووتر’ التي اختصرت الى عدد غير معقول مقارنة بعقود هذه الشركة التي وصلت علنيا الى مبلغ مليار دولار في بداية الغزو، وتوسع نفوذها الى أكبر من ذلك بعد قيامها بمساعدة القوات الأمريكية في معاركها في الفلوجة والنجف وسامراء والأنبار للقضاء على المقاومة تحت قيادة ماكريستال والمشاركة الفاعلة لدول غربية وعربية.

أرقام القتلى في العراق؟ في حين تؤكد ‘الجزيرة’ أن عدد القتلى وصل بحسب الوثائق الى 285 الف قتيل من دون ان تحدد الفترة لهذه الأرقام، بينما قدمت جامعة هوبكنز الأمريكية رقم 665500 فقط بين 2003-2006 . كما أكد الصحافي البريطاني روبرت فيسك بأنه قد حسب الجثث التي كانت تصل الى مشرحة بغداد في آب/اغسطس من عام 2007 فكان هناك 1000 جثة يوميا تصل الى المشرحة، وفي مدينة بغداد فقط. يعني ذلك ان فيسك أحصى مدة بقائه شهرا في مشرحة بغداد ما تعداده 30 ألف قتيل في شهر آب/اغسطس لوحده، وبدورها أكدت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ أعنف فترات القتل في نفس هذه الفترة بحسب الوثائق وقدمت رقما هو 3800 شخص شهريا، وهو رقم مختلف لا يتطابق مع حقيقة ما رآه فيسك وعاشه شخصيا في مشرحة بغداد في ذلك الشهر، والتي أضطر مديرها بعد ذلك للهرب خوفا من التصفية. هناك رقم آخر هو قول القناة ان الوثائق تكشف ان 63 ‘ من عدد القتلى هم من المدنيين، في حين أنها تقدم رقم 80’ من القتلى في خبر آخر. السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل ان قوات الاحتلال هي بمواجهة جيش أم انها تقتل الشعب عمدا ومع سبق الإصرار؟ ألم يقل المجرم بوش بنفسه ان المعارك انتهت وانه انتصر؟ لماذا تم الخلط المتعمد بين كلمة مدنيين وعسكريين في وقت لم تكن هناك مواجهات عسكرية بعد معركة المطار، بين قوات عسكرية عراقية نظامية والقوات المحتلة؟

السجون والمعتقلونتقول ‘الجزيرة’ ان الوثائق تظهر ان عدد المعتقلين في السجون هو 180 ألف سجين من المناطق السنية بين الفترة 2004-2009 وقد سجنوا لأسباب تتعلق بالحرب على العراق، وأغلبهم من السنة؟ فما هي الأسباب التي تتعلق بالحرب على العراق؟ ان الوثائق واضحة جدا في جرائم الاحتلال الذي أسس للطائفية واستعمل بنفسه أدواتها لقتل الشعب العراقي وابادته. هذه الوثائق تدين الاحتلال أولا فهو من بدأ الحرب الطائفية وأشعلها وأججها ولم تقم الأحزاب المشاركة بالعملية السياسية من علاوي الى نوري المالكي الا بتنفيذها حرفيا، تبعا لتعليمات وخطط المحتل. بينما لم يعرف المشاهد كم هي عدد السجون في العراق بعد الغزو، وكم بنى ديك تشيني من سجون في العراق بواسطة شركته بيشتل؟ ولم يعرف المشاهد كيف تقوم قوات الاحتلال بسجن العراقيين من دون تهم ومن دون محاكمة ولعدة سنوات، لكن ما هو صحيح ان عدد المعتقلين بدون تهمة او ما يسمى بالحجز الإداري، كما في سجون الكيان الصهيوني وبمساعدتهم، هو أكثر من هذا العدد المذكور أعلاه. لقد قامت قوات الاحتلال منذ دخولها بغداد وبتصاعد المقاومة العراقية بتمشيط المدن العراقية واحتجاز الرجال العراقيين بحجة وبدون حجة، مثلما فعلت في غالبية مناطق بغداد بين 2004- 2010 ووضعهم في السجون وذلك بمعية مليشيات الأحزاب السياسية جميعها من دون استثناء، ممن تعلموا الديمقراطية على أصولها في الغرب.

الهويات المجهولة؟

من هم هؤلاء المغدورون المغتالون والمعذبون من أصحاب الهويات المجهولة؟ لا أحد كلف نفسه السؤال عن هؤلاء، مثلما هو الحال مع الضحايا والقتلى العراقيين الذين أبادتهم قوات حلف الأطلسي المجرمة. فتارة يطلق عليهم صفة مدنيين وتارة عسكريين لتبرير قتلهم وأخرى مجهولي الهوية. لمجهولي الهوية هوية واسماء يعرفها القاتل نفسه، والا لماذا قتلهم بهذه الطريقة البشعة بالاحتجاز والسجن والتعذيب والاهانة، وبعدها القتل والرمي في الشوارع او في النهر او المزابل. ستقدم هويات وأسماء هؤلاء الضحايا الى المحاكم ولن ينسى أهلهم ولا ذويهم ولا من يطالب بحقوق الشعب العراقي ذكراهم وحق الاقتصاص لهم. لقد سماهم يوما احد وكلاء المحتل ومن على شاشة الجزيرة وأمام ملايين المشاهدين بأنهم من العسكريين العراقيين من الجيش العراقي السابق. والرقم الذي يقدم من القناة وبحسب الوثائق هو 15 الف قتيل هم بالنسبة لنا عراقيو الهوية وهذا يكفي.

مجالس الصحوة؟

تبرز قناة الجزيرة احتقار قوات الاحتلال لمجالس الصحوات التي أنشئت وفقا لتوصيات تقرير بيكر ـ هاملتون لإنقاذ الاحتلال ووجوده في العراق من هزيمة تاريخية ومن صفعة قاضية ترده الى من حيث أتى، حيث نجد ابتزازا لهذه الجماعات التي أغراها المال المقدم من قبل المحتل وأغراها التلويح بالمناصب فوجدت نفسها في خدمة العملية السياسية الخاسرة وفي خدمة المحتل وأجندته. وبينما يصف المحلل الاستراتيجي الفرنسي فرانسوا هيسبورغ انشاء الصحوات من قبل ماكريستال قائد القوات الأمريكية في العراق بالعبقرية، نرى هنا احتقار وابتزاز سلطات الاحتلال لهم وتقليلا لدورهم في عرقلة المقاومة العراقية، وهذا شيء طبيعي فلم نر في أي حضارة تقديرا او احتراما لخائن ولا لعميل ولهذا فقد اعتقلت قوات الاحتلال عددا منهم بحجج واهية، بحسب الوثائق للتخلص منهم بعد ان انتهى دورهم.’بلاك ووتر’؟ ان العلاقة الوطيدة لصاحب ‘بلاك ووتر’ بعائلة بوش وعلاقة الاثنين التي تجمعهما بالمسيحية الصهيونية قد سهلت لبلاك ووتر الحصول، ليس فقط على عقود طائلة، بل على اعتماد كبير عليها في العمليات التخريبية وعمليات إشعال الفتن والمفخخات وبناء القواعد العسكرية والاغتيالات والتهجير بواسطة عدد كبير يناهز 180 ألف مرتزق يوجدون مع الجيش الأمريكي ويعملون يدا بيد مع قيادة الاحتلال العسكرية وخاصة الاستخباراتية. ان أعمال ‘بلاك ووتر’ هي من العمليات الإجرامية التي تدخل في جرائم الحرب، لذلك عمد بريمر عندما عينه بوش حاكما عسكريا على إصدار قانون يعفي بلاك ووتر من أي ملاحقة قضائية لكل ما تقوم به من عمليات في العراق. فهل هذا هو السبب في عدم وجود كثير من الوثائق التي تقتفي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفتها هذه الشركة في العراق؟

تعذيب مليشيات الاحتلال الشيعية؟

وبحسب ‘الجزيرة’، فقد كشفت الوثائق عن تغاضي الجيش الأمريكي، وهو صاحب فضيحة ابو غريب وتستره على عمليات التعذيب والسجن والقتل من قبل مليشيات الأحزاب السياسية العراقية، التي رافقت الدبابات الأمريكية فقد أحصي نحو ألف قضية تعذيب للمليشيات العراقية أبلغ عنها الأمريكيون قياداتهم من دون جدوى! ان جديد الوثائق هو حجمها وتوثيقها للإبادة الجماعية التي اقترفتها قوات الاحتلال الأمريكي بالأسماء والأماكن لسبب وغالبا لغير سبب، ومصدرها الأمريكي الذي يعلق عليه روبرت فيسك في صحيفة ‘الاندبندنت’ بالقول انه لن يقال ان هذه الوثائق لتشويه صورة أمريكا ولا يمكن لا لأمريكا ولا لبريطانيا ولا حتى الغرب بأجمعه الذي شارك في الهولوكوست العراقي منذ1991 أن يقول بأننا لم نعلم. هذه الوثائق ادانة موثقة وضخمة تسد أفواه من يصدع رؤوسنا بحقوق الإنسان والديمقراطية والشفافية في الغرب، والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، والمستفيدة الأكبر والتي لا تأتي على ذكرها ولا وثيقة واحدة من العدد الهائل من الوثائق فهل ذلك هو محض صدفة؟ ان نشر هذه الوثائــــق من قبل طرف ثالث يخــــدم بالتأكــــيد الإدارة الأمريكية الحالية التي رغم استـــمرارها في الحرب على العراق بنفس اسلوب ادارة الإرهاب السابقة لبوش ومحافظيه الجدد فانها تسعى الى البقاء الشرعي في الــــعراق في قواعدها الـ14 التي بنـــتها وبدون خســــائر وبدون ضجـــيج ومطالبات بالانسحاب من قبل الناخبــين الأمريكيين، اضــــافه الى ذلك ربما هي عملية لكي تخــــفف الضـــغط على الرئيس أوباما من اللوبي الذي يريد بأي ثمـــن القيام بحرب أخرى في الشرق الأوسط لا طائل للولايات المتــــحدة من تحمل نفقاتها في هذه الأيام، وما لم يســـتطع أوباما القــــيام به في أول تســـــلمه لمهامه عندما حاول نشــر وثائق التعذيب لإدارة بوش فاصطدم بديك تشيني الذي هدده هو وذئاب الجمهوريين من مهندسي حرب العراق، ونشرها من موقع ويكيليكس يخدم سياسة الحزب الديمقراطي وربما اعادة انتخابه في الدورة النصفية القريبة؟ ‘ كاتبة من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية