اقرؤوا هذه الشاعرة إبراهيم حسو في إقليم كردستان العراق تتنوع المشهدية الشعرية وتتقدم بخطى شديدة التلون والتبدل نحو إعلان وجودها وإعلاء صوتها. أسماء شعرية تنهض هنا وتقوم هناك تبحث عن بقعة ضوء ومساحة أكثر شساعة من مساحة الروح، متلهفة إلى أن تقرأ تجاربها على أكثر مدى. الموجة القادمة هي من أسماء عاشت ثقافتين متغايرتين أو الأصح متنابذتين ليس بالمعنى المسيّس للكلمة بل لخصوصيتهما وفرادتهما. جيل شعري يتواصل مع الثقافية العربية كعربون إخلاص لفضائها الأوسع والمناخات الكردية كنشأة وكرحم فكرية موغلة في التاريخ، واللافت هو أن الأسماء الشعرية القادمة هم من الشعراء المقتحمين الشباب الذين شربوا كثيرا من ماء الثقافات الأوروبية والأمريكية، ومن الكتاب الذين حصلوا على شهادات أكاديمية في العلوم والآداب والفنون الإبداعية الأخرى (سينما، مسرح، فن تشكيلي) إذاً زحمة من الأسماء تنتظر أن تطرق أبواب الشعر وتدخل في معمعة الحداثة الجديدة لتعلن ولادة كتابة شعرية ذات خصوصية وثقافة مغايرة، وتفرض من دون شروط على الثقافات الأخرى وجودها وخلاصة فكرها. أسماء تدعو إلى أن تقف إلى جوار الشعرية العربية بلغتها وتاريخها الفكري وتلمس من خلالها ارثها الكردي الخاص بها، وكشعرية مرادفة تخطو خطوة نحو تلاقح الثقافات وتتالي الأجيال وتتابع التجارب. ومن هذه الأسماء التي تحفر بصبر تجربتها الشعرية جلنار علي، من مواليد دهوك 1974، تدرّس اللغة الانكليزية وتكتب في الصحافة الكردية مقالات متفرقة. ما لفت نظري في كتابة جلنار هو تمتعها بإرث شعري خصب قلما تجده عند جيلها، وثقافة تتنوع وتغتني بلغتها التي لا تشبع من الصور الحسية والمفارقات الجمالية باللعب على المفردة الواحدة (المتعددة) تكتب بإخلاص لا نظير له عن اناها ولا تبخل أبداً في إظهار تحولات ذاتها العميقة، إنها تشعرك بوجودك في لمسة لغوية، وتقربك من داخلك باختبار سهل مع مخيلتك. تكتب كمن يريد أن يقفز من الأسفل إلى الأعلى. هبوطاً أو صعوداً تحملك اللغة نحو سماءات تجدها للوهلة الأولى ظلال خوف وألم وحزن وسرعان ما يدهشك تقافز الألوان والأصوات في ترتيل يشبه زفير امرأة ولدت للتو، نصوصها تحولات وتضادات وتكاد تكون أفكاراً محبوسة ومخنوقة، وتلك هي مصيبة الشاعرة الكردية التي لا تستطيع أن تحرر أفكارها وهواجسها الأخلاقية والروحية. ثمة خوف مضاد يعتمر النسيج الفكري للثقافة الكردية هو خوف من التعبير أو الإخلاص لهذا الفكر أو خوف من أن يكون ذلك التعبير خوفا من الفكر نفسه والذي طالما استسلمت له الشعرية الكردية، وصار شبحاً قاتماً، ينبض في قلب التجارب الجديدة، وقد تمتاز الشعرية الكردية بهذا في بحثها عن مواضيع تتحدث عن الأمان والبساطة والانتماء إلى كتابة هادئة، تقترب من وجدانيات ذاتية ومخاطبات في العشق والعزلة والحب الذي يصل إلى نرجسية متوحشة. ومن يعود إلى مجموعات جلنار المكتوبة بالكردية (الصورانية) التي ترجم بعض منها إلى العربية ضمن ‘ مختارات من الشعر الكردي المعاصر’ سيلحظ كم هي محسومة كتابة هذه الشاعرة لنص الحداثة وكم تحاول أن تشتغل على قصيدة النثر سواء في قدرتها على استنطاق الصمت من الكلمات الصلدة وإذابة جليد اللغة المتجمدة (القاموسية) بنار الإشارات والإحالات والدلالات التي تخرج من الأصوات والأشكال والصور. هنا بعض منتخبات شعرية من مجموعاتها الثلاث، مجموعة ‘ قمر واثنا عشر شهرا’ (2006) ومجموعة ‘ أنشودة الأطلال الحزينة’ (2008) و(2010 My Soul Still a Virgin). تعد الشاعرة الكردية كما يلقبونها من الأصوات النسوية والرقيقة في ساحة الشعر الكردي المعاصر. لديها قوة دفق رومانسية في تصوير قصائدها الشعرية وغزارة كلماتها النقية والأصيلة التي تبعث للروح بهجة وراحة واسترخاء.1 أبحثُ عنك من عالم آخر تأتي نظراتك مع شعاع القصيدة، أراك تحفظ أنفاسك تُنوم الليالي الطوال في ظلّ محراب القمر تزين ما تبقى من لياليّ من أنت؟
؟ أصابت إحدى عينيك بحرَ الحبّ والأخرى بحر هموم تقطع به السفح العالي غزالة جبلية أنا حارس الطرق الضائعة قلب السفح كهف أمان تحميني من البرد والحرّ من الخوف والسهو حمامة عاشقة مهمومة أحيانا أنشد له وأُخرى خرساء محترقة لدفء بحارك أحيانا أشرب من الحبّ من السَقم من الغضب من خمر الحياة أي بحر بلا قاع وقعتُ فيه أنا التي لا تعرف ألف باء السباحة. 2خفة ولذة تلك هي تضاريس ضحكتك اهتزاز القصيدة وترنحها هي أحلامك التي بلا أسوار بلا خطوات. شفق تابوت الخيالات ورحلت. احمرت شفاهُ النوم واسودت دموعُ الحجل الجبلي وأصيبت المشاعر بالصفرة وأنت؟ خرشمة الأحلام الطليقة تقطع المحيطات تطل على المدن والقرى وتزدهر الأرض بحروفك وأمام شاشة النافذة طائر الشوق يتلى مثل شجرة رسول الشوق يدخل ويخرج في عينك كذلك الحجل في حلمك الأبدي.