حمى ‘القهوة المرة’ تغزو المجتمع الإيراني

حجم الخط
0

طهران ـ من محمد أمين: تغزو المجتمع الإيراني هذه الأيام حم مسلسل ‘القهوة المرّة’ للمخرج والمنتج والسينارست والممثل مهران مديري، وكان الإيرانيون ينتظرون بثه بفارغ الصبر في أيام عيد النوروز من التلفزيون الإيراني؛ حيث ترددت حنذاك في كافة وسائل الإعلام ـ الحكومية منها وغرالحكومية ـ أنباء مثيرة عن المسلسل وقصته وممثليه؛ مضاعفة بذلك الشوق المؤجل الذي طال لد المشاهد لأعمال مديري؛ واعتبر بعض النقاد مسبقاً أن المسلسل سحقق أكبر نسبة من المشاهدين من بن ‘المسلسلات النوروزية’ التي كانت زاخرة هذه العام وذات نزعة تنافسية عالية.

كان ومازال مهران مديري مخرجاً مثراً للجدل في شت الجوانب. فهو عمد ال قلب صفحة جديدة في الدراما الهزلية الإيرانية بعد دخوله الساحة؛ مع فريق استمر أكثر أعضائه في العمل معه حت الآن. وهو فرق مكتمل يتمتع بكل ما يحتاجه فرق فني سينمائي من شأنه أن يتبن مشارع شت؛ ومنها الضخمة ـ التي يبغي المسلسل الجديد ‘القهوة المرة’ أن يكون منها. كان حضور مهران مديري الأول عل شاشة التلفزيون مع مجموعة كوميدية تحت عنوان ‘الساعة الممتعة’؛ اعتبرت بعد ذلك منعطفاً في الكوميديا التلفزيونية الإيرانية؛ كان مديري من كتـّاب ومخرجي تلك المجموعة؛ فضلاً عن تمثيله في أبرز أدوارها. وهذه بالضبط إحد النقاط التي اعتبرت ‘كاحل أخل’ في سجله التمثيلي، حيث اتهمه بعض النقاد بأنه يسيــّر أحداث مسلسلاته حسب الدور الذي ارتضاه لنفسه، وأترعه بقدر الكفاية من التبختر والأبهة والزركشة. ولكن المجموعة بذاتها كانت ناجحة بما كانت تنحو منحاً جديداً من الكوميدا لم يعهده التلفزيون الإيراني من قبل؛ كانت مرتكزة عل لغة ومصطلحات جديدة وعصرية وأكثر شبابية؛ كما تطرقت إل مواضيع لم تكن قد طرقت من قبل؛ يمكن تصنيفها ضمن النقد الاجتماعي. كما أنها تمزت بالإيجاز والوضوح التام؛ وابتعادها عن المجاملات المعهودة. تكرر هذا النجاح في مجموعتين كوميديتين مماثلتين أعدهما مديري للتلفزيون بمناسبة عيد النوروز حملتا اسم ‘نوروز 76′ و’العام الممتع’. ثبّت من خلالهما مديري نفسه في بال المشاهدين بعد أن أصبح ماركة أو ‘BRAND’ فني، مرغماً ـ بنوع ما ـ مسؤولي التلفزيون الإيراني عل دعوته لإنتاج مسلسل كل عام، حيث أعد مديري لحد الآن 15 مسلسلا تلفزيونيا؛ هذا فضلاً عن أعماله غيرالتلفزيونية.

لم تخل أعمال مديري التلفزيونية قط من هفوات صغيرة وكبيرة في الكتابة والإعداد والإنتاج والتمثيل وغيره؛ مما كرّهه في عيون إدارة التلفزيون، خاصة المثقفين والنقاد وأهل الفن. كثيراً ما اتهم مديري ـ بحق أو بغر حق ـ بخداع المشاهد. الحجم الممل لبعض أعماله أو الإسهاب جعله يوصف في بعض الأحيان بأنه من المعدين لـ’مسلسلات التسعين حلقة’. الوتيرة التي اتخذها في مشروعه الجديد ‘القهوة المرة’ أيضاً. النقطة الثانية التي باغتت الكل كان إصدار ألبوم موسقي بصوت مهران مديري يحمل عنوان ‘حنين’ صدر فجأة عام 1999. ليكشف عن جانب آخر من عمله الفني. أصدر مديري بعد ذلك ألبوما آخر حمل عنوان ‘ببساطة’. واستمر مديري بتلحين وإنشاد أغاني كل مسلسلاته؛ إل إن بلغ النجاح ذروته في العام 2006 حيث أقيم كونسرت مهران مديري في أكبر صالة في البلاد ـ صالة وزارة الداخلية ـ التي تضم أكثر من أربعة آلاف مشاهد ـ عل مد ستة أيام، وبأسعار عالية للتذكرة الواحدة، حيث نفدت التذاكر في وقت قليل، واستقبلت الصالة في الليلة الأخيرة عرضين بدل عرض واحد. ما أثار حفيظة البعض في الجانب الموسيقي لمهران مديري هو ‘صوته المسطح’ وعدم قابلية حنجرته عل تنفيذ الألحان المركبة؛ وبتعبير آخر، بساطة وسذاجة النغمات التي ينتقيها مديري عند تأدته للأنشودة؛ مما جعل صوته لد المثقفين مثاراً للسخرية؛ متهمين اياه بأنه ليس موسيقيا بل انه منتحل للموسيق. ومما زاد الطين بلة أن مديري عمد في أكثر أعماله الأخيرة ال إعادة إنشاد بعض الألحان التقليدية والفلكلورية التي يحن لها المستمع الإيراني؛ وبنفس أسلوبه البسيط، ما أثار الشكوك حوله بأنه لا يمتلك شيئاً موسيقياً بل إنه ليس أكثر من مقلد.

النقطة الأساسية التي وضعت عقبات كبرة في مسار عمل مهران مديري مع التلفزيون، كانت ترجمة مدسوسة لحوارات في سينارو إحد حلقات مسلسل ‘عل مهل’ لشخصية تتكلم الإيطالية؛ تبين حين بث الحلقة من التلفزيون أنها ليست سو عبارات بذيئة أخلاقيا؛ ما جعل رئيس التلفزيون الإيراني يتدخل شخصياً في الأمر آنذاك؛ ولم يعاد بث تلك الحلقة في الوم التالي ـ كما كان المعتاد بالنسبة للمسلسلات. أثارت هذه القضية سوء الظن لد إدارة التلفزيون الإيراني بالنسبة لمهران مديري؛ حيث شاب العلاقات بين الجانبن تدهور ملحوظ ولكنه مسكوت عنه. واستمر العمل بن الطرفين ولكن بتعجزات وتحججات كثيرة من كلا الجانبين؛ بين الحين والآخر ومنها المالية.

وهذا بالضبط ما حدث هذه المرة لمسلسل ‘القهوة المرة’، حث تم التوقع عل مسودة المشروع بن القناة الإيرانية الثالثة من جانب ومهران مديري كمخرج والإخوة حميد ومجيد آقاكليان كمنتجين منفذين من جانب آخر. تم تعليق التحضيرات التلفزيونية لبث مسلسل ‘القهوة المرة’ وضاعت أخباره في صخب الأيام التي سبقت عطلة عيد النوروز والركود الذي تحدثه العطلة بأيامها الخمسة عشر. وبعد مرور عدة أشهر كادت أن تنسي المشاهد ‘القهوة المرة’ تفاجأ الشارع الإيراني بأنباء تخبر أن مديري سيلجأ في القريب العاجل إل توزيع ‘القهوة المرة’ على شبكة الفيديوكليب وبوتيرة مثيرة ومغرية.

لماذا مثرة ومغرية؟ لنعد قليلاً إل الوراء: بعد تعثر فيلم ‘سنتوري’ للمخرج الإيراني الكبير داروش مهرجوئي في أروقة وزارة الثقافة والإرشاد وعدم تمكنه من أخذ جواز لعرض الفيلم في دور السينما، تسربت نسخة من الفيلم إل الشارع، وأخذ القاصي والداني يستنسخ الفيلم، مما دفع داريوش مهرجوئي ليقول: ‘أصبحت كمن نهب داره، وعندما يذهب صباحاً ليشتري الخبز من رأس الزقاق الذي يقع فيه بيته، ير أن أثاث بيته قد عرضت هناك عل الأرض في المزاد العلني، وما بإمكانه من فعل شيء؛ أو اللجوء إل مكان يشتكي فيه من الأمر’ . تسبب هذا الحدث في أن يتكاتف السينمائيون الإيرانيون من شت الأصناف أشد التكاتف للحؤول دون تكرار هذه الظاهرة؛ وظهر العدد من أكثر المخرجين والممثلين شعبية ًعل مختلف المنصات ـ ومنها شبكة الفيديوكليب ـ يطلبون فيها من المشاهدين عدم استنساخ أي فيلم؛ بل ابتياعه من القنوات الصحيحة. كما تم تدوين قوانين بهذا الجانب من قبل المؤسسة السينمائية الرسمية في إيران للتصدق علها لاحقاً.’القهوة المرة’ لم يكن المسلسل الأول الذي تم عرضه وتوزيعه في شبكة الفيدوكليب؛ إذ سبقه في ذلك مسلسل ‘القلب الثلجي’؛ ولكن رغم استخدامه لعدة نجوم من الممثلين لم يحض بإقبال ‘القهوة المرة’؛ لما لمهران مديري من ماض وذكرات حلوة تدغدغ بال المشاهد الإيراني.

المشكلة المطروحة عل الساحة أن المسلسل قد الإنتاج، وأنه سوف كون عل 90 حلقة، وما وعد به مدري المشاهدن أن الفرق سوف نزل إل السوق كل أسبوع مجموعة متكونة من ثلاث حلقات. تضم المجموعة بطاقة تحمل رمزاً بإمكان الزبون إرساله عبر الرسائل القصرة لكي يشركوه في قرعة للفوز بجوائز ثمينة ومغرية؛ منها ست شقق مؤثثة في مناطق راقية من طهران. وضع مديري في بداية الحلقة الأول من كل مجموعة أفلاماً دعائية قصيرة لهذه الشقق؛ إل جانب مقطوعة في تسع دقائق يظهر فيها مهران مديري بنفسه يطلب من المشاهدين عدم استنساخ المسلسل بأي شكل من الأشكال؛ أثارت هذه المقطوعة تعاطف واستحسان الجالية الثقافية الإيرانية، لما تدعو إليه من احترام حقوق المصنف والتأسيس لعادة اجتماعية طيبة تحول دون استغلال الأعمال الفنية.

القصة ـ كما بعض أعمال مديري ـ تحمل المفاجأة في المضمون المختار للقصة؛ لكنها لا تختلف كثراً كما درج عله مدري في مسلسلاته الأخيرة بعد النجاح الذي حققه له مسلسل ‘ليالي برره’ الذي ابتدع فيه قرية خيالية معزولة بسكان سذّج، استق شخصات نوعية من ذلك المسلسل في عمله التالي ‘جنينة مظفر’؛ والآن كرر ذلك مرة أخر وهذه المرة في ‘القهوة المرة’. القصة تبدأ بسرد حياة ‘نيما زند كريمي’ (تمثل سيامك أنصاري) وهو أستاذ للتاريخ متوغل فيه لم ير أي اهتمام بهذه المادة من قبل كل أطياف المجتمع، بما فيها الإذاعة والتلفزيون، والتي تزود المشاهد بمعلومات تاريخية مغلوطة؛ ولم تعبأ بذلك حت بعد تذكيره. يتعرف الأستاذ في احد المكتبات العامة عل طالبة جامعية ويختلف معها عل خمس سنوات مسترقة من تارخ إيران ضمن حكومة السلسلة الزندية (قبل حوالي مئتي عام)، لم يعثروا عل أي شيء حولها في كل ما كتب عن تارخ إيران. وضمن جولته لاستشارة أحد رواد التاريخ في إيران؛ شرب الأستاذ فنجان قهوة (في إشارة إل مصطلح ‘القهوة القجرية’ احد الأساليب التي اتبعها ملوك السلسلة القاجارية لتسمم مخالفيهم)؛ يعيد الرجل إل الحقبة المسترقة، حيث ر نفسه في بلاط الملك ‘جهانكرجان دولو’ (و هو شخصية مختلقة ليس لها وجود تاريخي) حيث تسود البلاد حالة اضطراب كاركاترية؛ تشبه في منطقها وشخصياتها ما كان سائداً في قرية ‘برره’ المكان الذي جرت فيه أحداث مسلسلي مهران مديري الناجحين ‘ليالي برره’ و’جنينة مظفر’. هذه ليست أول مرة يزج مديري وكتـّاب مسلسلاته بشخص مثقف في مجتمع بدوي ناء ليعرضه إل كافة أنواع العناء. حيث جرب هذا المضمون في ‘ليالي برره.’أول ما قيل عن هذه القصة أنها مستوحاة من رواية شبه تاريخية للكاتب الإيراني المخضرم إيرج ‘زشكزاد تحمل عنوان ‘ما شاء الله في بلاط هارون الرشيد’ صدرت أول مرة عام 1958 بشكل مسلسل في مجلة ‘إطلاعات’ للشباب وأعيد نشرها في مجلة ‘فردوسي’ عام 1971. إن صح القول في أن المسلسل سيكون في تسعين حلقة فإن الإسهاب المتبع في مسلسلات مهران مديري سيبلغ أوجه في ‘القهوة المرة’، حيث أن ‘نيما’ ينتقل في الحلقة الرابعة إل بلاط ‘جهان’يرخان’ وبذلك ستختص الحلقات المتبقية لما يحدث له هناك. هذا في حين أن الحلقات الأربع الأول أدت إل انطباع جيد لد المُشاهد لما كانت تحتويه من تنويع في المَشاهد والشخصيات والتحرك في كافة العناصر التمثيلية.

باتت السذاجة غير المنطقية تعتبر احدى أهم الآليات التي يلجأ إليها مديري في سيناريوهات مسلسلاته، ما يقلل من أهمية وقيمة أعماله فنياً. لكنه كرر استخدام هذا الجانب بقدر، حيث أن ذلك أصبح سمة عامة بدأ بعض المنتجين والمخرجين الشباب استخدامها؛ وبات المشاهد يعرف مديري بهذا الأسلوب؛ وبذلك لربما فرض ذلك كمعيار فني.

اللغة المستخدمة في المسلسل لا تخلو من تنويعات مهران مديري في شت أعماله؛ حيث نر عل سبيل المثال عزوف الممثلين عن اللغة الكلاسيكية المستخدمة في المسلسل حين أدائهم حوارات عصبية مستخدمين ذلك كأداة تعبير هزلية؛ ما يضفي نكهة مستساغة لد المشاهد. هذا ولا ننس إبداع الممثل الكوميدي المتمكن هادي كاظمي (أحد أعضاء فريق مديري في شت مسلسلاته) حين يقدم في ‘القهوة المرة’ نبرة اختصاصية بنفسه، ضمن أدائه دور ‘بابا شاه’، تمتعت بألاعيب نحوية مع اللغة خلدت له دورا سوف يذكر عل مر السنين. بالطبع لا يخلو المسلسل من هفوات في كتابة الحوارات، ونذكر عل سبيل المثال المصطلحات المعاصرة التي يستخدمها خشايار راد وأمير مهدي زوله كاتبا نصوص المسلسل.

مشكلة المشهد الواحد هي أحد المشاكل التي يعاني منها المسلسل. وهي سمة تتكرر في أعمال مديري من حين إل آخر؛ وتفصح عن نزوع إل التعافي أو إل تبسيط المشروع المتبن من قبل المجموعة المنتجة. تم تصوير مشاهد المسلسل في قصر نياوران (احد قصور الشاه سابقاًô وأحد أهم المتاحف في طهران حاليا) وتدور الأحداث في مشاهد مختلفة من القصر ذاته. مع كل هذا يبق مهران مديري دوماً محط أنظار العامة من الإيرانيين لما يكمن فيه من إبداع ممتع ومختلف يميزه عن سائر أقرانه في مجال الدراما الكوميدية الإيرانية؛ كما يبق محط أنظار الفنانين والمثقفين في أيران لكونه ظاهرة تاريخية تنبع بالإبداع المفاجئ بين الحين والآخرô ظاهرة يصعب التكهن بها. ولربما هذا السبب هو ما حدا بصحيفة ‘نيوزويك’ لتختاره عام 2009 ضمن قائمة عشرين من أكثر الرجال الإيرانيين تأثيراً عل المجتمع، متفوقاً بذلك عل الكثير من أقرانه من أهالي الفن، ومن السياسيين المخضرمين وغيرهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية