سعد الحريري في مواجهة الحق المر.. حول تسونامي الفتنة التي تقترب من شواطئ لبنان

حجم الخط
0

سمر محمد سلمانلماذا يبدو سعد رفيق الحريري غريباً الى هذا الحد عن الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ لماذا يبدو عاجزا الى هذا الحد عن الاستفادة من تجربة أبيه الذي كان باستطاعته دائما تدوير الزوايا واجتراح صيغ التفاهم والتسويات التي تمنع القطيعة بين الشركاء في الوطن؟

ما الذي ينتظره سعد الحريري لاتخاذ القرارات الشجاعة التي من شأنها ان تخرجه من المأزق الذي وضعه فيه حلفاؤه المحليون والاقليميون والدوليون؟

ما الذي ينتظره سعد الحريري؟ وكيف لا يصاب بالهلع امام تسونامي الفتنة التي تقترب من شواطئ لبنان، لاقتلاع شجرة استقراره ووحدته من خلال ضرب المقاومة الاسلامية اللبنانية في سمعتها وتشويه صورتها عربيا ودوليا، عبر قرار ظني ظالم، وأدلة مفبركة، لمحكمة مسيسة مستندة الى شهود زور، ومحققي زور، وقضاة زور، في الزمن العربي الزور؟

الى أين يأخذه حلفاؤه ومستشاروه ومثقفو تياره واعلاميوه الذين يزينون له ان محاكمة شهود الزور قبل صدور القرار الظني سيكون بمثابة انتحار سياسي، لانه قد ينسف المحكمة من اساسها مما يبدو تخلياً عن قضية والده والاعتراف بالهزيمة مجددا امام جمهوره. اي ان المطلوب من سعد الحريري باختصار، التخلي عن الحقيقة بعد خمس سنوات من البحث المستميت عن هذه الحقيقة، التي كادت تطيح بالبلد، والقبول بمحكمة مسيسة واحكام ظالمة هدفها ادانة المقاومة الشريفة وزجها في فتن داخلية تمهيدا لنزع سلاحها، لان المهم انقاذ المستقبل السياسي.

فهل يرتضي سعد رفيق الحريري لنفسه هذا الدور؟ هل يتحمل سعد رفيق الحريري امام ضميره والتاريخ وزر المساهمة والمساعدة في ضرب المقاومة؟

بعد خمس سنوات من حكم قوى 14 آذار، يقف سعد رفيق الحريري وحيدا امام الاستحقاق الكبير، الذي به يكون لبنان او لا يكون. خمس سنوات كان خلالها يبتعد عن نهج ابيه بخطى حثيثة، وعاما بعد عام… كان يبتعد عن ذلك الرجل ‘الرفيق’ بالوطن و’الحريري’ الخصومة الذي استطاع ان يكون مظلة لجميع اللبنانيين وحاضنا للمقاومة، بل سفيرا لها في المحافل الدولية لا سيما بعد مجزرة قانا الاولى عام 1996. في عهد رفيق الحريري لم نكن نسمع عن مقاومة ‘شيعية’ واخرى ‘سنية’. كانت المقاومة هي المذهب والطائفة، كانت المقاومة دين المقاومين، وما ‘شعبيتها الا لاسباب فرضتها حقائق التاريخ.

لقد ادرك رفيق الحريري بعد 1996 ان امريكا تبيع الاوهام للعرب والحقائق لاسرائيل… ومازالت امريكا تبيع الاوهام للعرب والحقائق لاسرائيل، فما الذي تغير حتى يسلك سعد رفيق الحريري سبيلاً اخر؟

هل أخطأ الشهيد رفيق الحريري حين عاش حياته فردا فماتت الفكرة بموته وانقطع النسب؟!

خمس سنوات كان خلالها سعد الحريري يقترب من طبقة سياسية استغلت حداثة عهده بالسياسة واستطاعت، من خلال بعض النخب التابعة اما بالولاء واما بالارتزاق، ان تحدث شرخا عميقا في المجتمع اللبناني، ادى الى اصطفافات مذهبية حادة، مستفيدة من غياب المفهوم الحقيقي للمواطنة في هذا البلد الصغير الذي تحكمه وتتحكم به العقلية القبلية والعشائرية، وان لبس اصحابها ربطات العنق ونطقت ألسنهم باقتدار باللغات الاجنبية.

استفادت هذه النخب من غياب الثوابت المشتركة للهوية الثقافية الوطنية بين ابناء كيان لم يرتق الى مستوى الوطن، ولم يكن يوما دلالة انتماء كغيره من الاوطان، بل رقعة جغرافية يتحرك فيها اللبنانيون في فيدرالية نفسية مبطنة! أجل.. ان بلادا تتنكر لمقاومتها التي حررتها وتؤوي آلاف العملاء لا تستحق ان تسمى اوطاناً. لم تتورع هذه النخب، التي تحولت بمقدرة قادر من قادة للنضال المطلبي والوطني والقومي الى قادة للطوائف والمذاهب والعشائر، عن اللعب على الوتر المذهبي، واتخذت من بعض ادبيات الشهيد رفيق الحريري نفسه، وعلى طريقة القص واللصق، متكأ للتأثير على جمهور رفيق الحريري المكلوم والمفجوع باستشهاده، فاقتطعت من هذه الادبيات تلك التي يتحدث فيها ابن صيدا البار عن بيروت التي احب حتى باتت واسطة العقد في مشروعه وفي خطابه.

لكن هذا الخطاب ‘البيروتي’ الحسن النية، لدى الشهيد رفيق الحريري، اصبح بعد استشهاده مادة خصبة لدغدغة مشاعر الأكثرية السنية في بيروت، فلم نعد نسمع من هذا الفريق سوى الحديث عن بيروت، بمناسبة وبدون مناسبة حتى بدأت تتشكل اولى بذور الفتنة والاحساس بأن بيروت ‘للسنة’ وحدهم رغم العيش والملح، والنسب والمصاهرة، والنضال المشترك، والكفاح الطويل الذي جمع السنة والشيعة على كلمة سواء، ورغم انف آلاف اللبنانيين من العائلات الروحية الكريمة الاخرى التي عاشت في بيروت، وساهمت في نهضتها الثقافية والعلمية حتى اصبحت بيروت قبلة لكل طالب علم وملاذا لكل فكر حر.

لقد ذهب هذا الفريق بعيدا حقا واستطاع التلاعب بعواطف الناس طوال خمس سنوات حتى حملوا بيروت ككتلة صماء من ضفة الى اخرى تحت تأثير صدمة استشهاد رفيق الحريري.

خمس سنوات من التضليل المنظم بتمويل عربي وأجنبي جعلت من جمهور سعد الحريري جمهورا ضليلا ممزقا بين ماضيه وحاضره، بين ثوابته ومتغيراته، يعاني أزمة خطيرة في الهوية السياسية دفعه الى الاستسلام لـ’مستقبل’ لا يشبه ماضيه من قريب او بعيد. أزمة الهوية هذه تجلت بوضوح عندما فتحت دار الفتوى ابوابها، للمرة الاولى في تاريخها، باسم ‘السنة’ لقتلة ‘السنة’ فكان من الطبيعي ان نشهد بعد ذلك شباب بيروت يهتفون في الذكرى الخامسة لاستشهاد رفيق الحريري عند استقبال نديم الجميل (ابن بشير الجميل الذي نصبته الدبابات الاسرائيلية رئيسا للبنان): الله ـ بشير ـ طريق الجديدة اجل طريق الجديدة فهل يعي سعد الحريري حجم هذه الكارثة؟

ان التخبط الشديد الذي يسود هذا الشارع العريق في وطنيته وقوميته وعروبته، العروبة الحقيقية لا تلك المزيفة التي اخترع لها منظرو 14 آذار اوصافا وتسميات ‘مودرن’ تليق بالـ ‘داون تاون’، وباقي الانجازات مثل ‘العروبة الحديثة’ المرتكزة الى ‘لبنان اولا’ بات يستدعي تحركا سريعا لانقاذ سعد الحريري من ‘حلفائه’ لعله يرى المشهد السياسي بصفاء اكبر فيسارع مع المخلصين الى ورشة اعمال النفوس واعادة احياء الانتماء الوطني الحقيقي والأصيل قبل فوات الاوان.

فهل يفعلها سعد الحريري؟ هل يقوم بفضيلة المراجعة الشاملة الكبرى لتصحيح المسار من حوله وداخل تياره وفي مسيرة المحكمة؟

هل يتجرأ هذا الشاب الصغير على التحدي الكبير ويثبت لجمهوره الذي يحبه ويقف معه في السراء والضراء انه قادر على الخيار الصعب ومستعد للوقوف بشجاعة الى جانب الحق المر لانقاذ بلاده من كارثة وطنية سيكون فيها اول الخاسرين؟.’ كاتبة لبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية