خضير بوقايلة سنوات عديدة مرت قبل أن يقف رئيس حكومة الجزائر أمام البرلمان لعرض بيان السياسة العامة للحكومة رغم أن ذلك أمر شرعه الدستور، ولا أحد يعلم السبب الذي دفع الوزير الأول أحمد أويحيى إلى فعل ذلك هذا العام وإن كان العرض سيتكرر العام القادم وما يليه أم لا. وقد تفنن أويحيى وأبدع في عرض بيانه ثم في رده على تدخلات نواب المجلس الوطني الغرفة البرلمانية الأولى، ولا شك أنه نجح في جعل الكثير من الذين تابعوا ما قاله أو بعضه يكونون انطباعا عن الرجل، إما انبهارا بقدرته على الكلام وشجاعته في قول ما يريد أو ضجرا من كثرة قلبه للواقع وكأنه يتكلم عن عالم آخر غير ذلك الذي يعيشه مواطنوه.
يمكن وصف أحمد أويحيى بالثعلب السياسي، أو إذا أردنا أن نعيد له صفته البشرية قد يكون أقرب وصف له هو ساحر النظام الحاكم في الجزائر، وهو وصف مستعار من القرآن الكريم في حديثه عن سحرة فرعون قبل أن يؤمنوا طبعا، عندما كانوا يتفننون في خدمة سيدهم ومساعدته على التفوق بكل ما أوتوا من براعة في فنون الخداع البصري واللفظي. وليس في الأمر تجن على الرجل وأعلم يقينا أنه لن ينزعج من هذا الكلام ولا مما هو أقوى منه، ذلك أنه هو نفسه لم يتورع يوما عن إطلاق لقب ‘رجل المهمات القذرة’ على نفسه ولم يبد محرجا ولا مترددا في ذلك، والمهمات القذرة التي كان يتكفل بها كانت كثيرا ما تغضب الفئات الشعبية الواسعة، وقد لا يختلف الكثيرون معي عندما أقول إن غضب الشعب أو رضاه سيان عند الرجل لأن الذي يحرص عليه أكثر هو أن يحافظ على تقدير وحب (أصحاب القرار) له. وهنا أذكر كلاما خاصا قاله الراحل عن هذه الدنيا الجنرال العربي بلخير في الرجل حيث وصفه بأنه (رجل دولة) بحق، ورجل الدولة عندنا هو الذي ينذر نفسه لخدمة الدولة (التي هي النظام) ويبقى وفيا لذلك مهما سببه له ذلك من أضرار. ولتقديم مثال على مدى وفاء رجل الدولة أويحيى استعاد الجنرال بلخير قرارا لا شك أن كثيرا من الجزائريين يتذكرونه بحسرة إلى يومنا هذا، قرار خصم إجباري من رواتب جميع موظفي القطاع العمومي لدواع اقتصادية، القرار أثار غضبا عارما وقتها وقد دافع عنه أويحيى دفاعا مستميتا جعله وقتها وبدون مبالغة الشخصية الأبغض إلى قلوب الناس، يقول الجنرال إن هذا القرار كان قرارا صادرا عن جهات أعلى من أويحيى الذي كان وقتها (منتصف التسعينات) رئيسا للحكومة، ورغم كل موجة الغضب الشعبي التي ثارت ضده إلا أنه أصر على تحمل وزر القرار السيئ لوحده وأظهر للناس أنه هو المبادر به. وإمعانا في نذر نفسه لخدمة (الدولة/النظام) فإنه لم يكن يضره بعد توليه منصب رئيس الحكومة أن يقال من منصبه ويعود إلى بيته (إلى حين) أو أن ينزل إلى مرتبة وزير أول أو حتى إلى مرتبة وزير، وقد نجح بذلك في الحفاظ على حب أصحاب القرار له إلى درجة أنه كان موعودا بخلافة الرئيس بوتفليقة كمرشح للنظام في انتخابات 2004، لولا أن صاحب الفخامة استأثر الكرسي لنفسه وناضل كثيرا من أجل أن يبقى فترة ثانية وثالثة و(خادم الدولة) لا يبدو أنه فقد صبره أو مستعجلا.
مقدمة طويلة، لكنها ضرورية، للعودة إلى جانب من تصريحات الوزير الأول أحمد أويحيى أمام أعضاء المجلس الوطني يوم الأحد الماضي. فقد ظهر الرجل أشد استماتة في الدفاع عن النظام الحاكم وقد بلغ ذروة العطاء عندما تطرق إلى موضوع الفساد وبالضبط الفضائح التي ارتبطت بشركة تسويق المحروقات سوناطراك (بقرة الجزائر الحلوب)، والتي أطاحت بوزير الطاقة والمناجم شكيب خليل المحسوب من رجال الرئيس بوتفليقة، حينها قال المعلقون إن الخلاف بدأ يدب في أوساط نظام الحكم أي بين الرئيس ومحيطه وبين العسكر. وبقي الاعتقاد على حاله حتى خرج علينا أويحيى لينفي أمام الملأ وجود أي خلاف بين أطراف النظام الحكام أي بين أصحاب القرار، وقال بلهجة فيها كثير من التشفي لمروجي مثل هذا الكلام، إن (نظام الحكم موحد)، كلام يمكن أن يصدقه بعض الناس الذين يعتقدون أن أويحيى هو أيضا من رجال النظام وأنه متيقن أنه ورفقاءه يعيشون علاقة (على أحسن ما يرام)، أو أنه أرسل من طرف النظام ليطمئن الشعب ويغيظ الآخرين بالتأكيد على أن النظام الحاكم لا يزال على قلب رجل واحد. لكن دعونا مع ذلك نسأل معالي الوزير الأول، هل الرئيس بوتفليقة جزء في معادلة نظام الحكم، أم أنك مدرك أنه خارج الدائرة وعندما تتحدث عن توحد النظام فإنك تعلم ما تقول؟
وما دمنا بصدد الحديث عن الفساد والرشوة لا بأس أن نعود إلى الانتقاد الشديد للوزير الأول أحمد أويحيى للمنظمات الدولية غير الحكومية وبالخصوص لمنظمة الشفافية الدولية التي أصدرت قبل أيام تقريرها السنوي لعام 2010 الخاص بمؤشر الفساد وتصنيف الدول وفقه، وقد نالت الجزائر المرتبة 105 في السلم العالمي من أصل 178. أويحيى لم يعجبه هذا التقييم ورأى فيه إجحافا في حق الجزائر لكن من دون أن يؤثر ذلك في معنوياته ولا في مزاجه، وفسر هذا (التكالب) بإصرار الجزائر على أن تحافظ على عزتها وأنفتها وبرفضها على طأطأة رأسها. يعني أن رفض الجزائر الرضوخ لضغوط الأطراف الدولية جعلها تصنف ضمن الدول الأكثر فسادا وفي نفس المرتبة مع الأرجنتين وكازاخستان والسنغال ومولدوفيا. كلام يرفع المعنويات طبعا ويرفع الرأس أيضا، ولا بأس أن نواصل في نفس التحليل لنصل إلى أن الدول التي حازت على المراتب الأولى والمصنفة أقل فسادا إنما هي دول مطأطأة الرأس وراضخة للضغوط ولا بأس أن نذكر بعضا من هذه الدول المهينة كالدنمارك ونيوزيلندا وسنغافورة وفنلندا والسويد وكندا والنرويج، أما الدول التي تحتل ذيل الترتيب في تصنيف منظمة الشفافية الدولية وأعني بها الصومال وأفغانستان والعراق والسودان وتشاد والكونغو فلا بد أنها الدول الأكثر عزة وكرامة والأقل طأطأة للرأس على رأي الخبير أويحيى. وهنا أيضا علينا أن نحذر معاليه إلى أن عزة الجزائر بدأت تتقهقر ولا بد أن يسارع إلى وقف ذلك لأن ترتيب الجزائر كان العام الماضي مثلا 111 مع جيبوتي ومصر وإندونيسيا ومالي وقد كنا نعتقد أن وصولها إلى المرتبة 105 هذا العام إنما فيه تحسن وانخفاض في مستوى الفساد، لكن تبين لنا بعد تأويلات أويحيى أن البلد بدأ يطأطئ رأسه ويتراجع، لذا علينا أن نأمل أن يأتي علينا العام القادم والجزائر رافعة رأسها إلى أعلى عليين ومتفوقة على الصومال والعراق وجيبوتي، وما ذلك على أهل العزة والكرامة ببعيد.
أويحيى تطرق أيضا إلى قضية المتعامل الأجنبي في الهاتف النقال وصاحب شركة جيزي التابعة لأوراسكوم تيليكوم المصرية والتي تكاثرت عليها السيوف بعد واقعة أم درمان الشهيرة التي زلزلت العلاقات بين شعبي الجزائر ومصر. تساءل أويحيى منتقدا وسائل الإعلام وبعض الجهات التي كانت ساكتة عن فساد هذه الشركة لأنها كانت تنفخ جيوبها من برامجها الإعلانية كما كانت تفعل في عهد إمبراطورية الخليفة التي صار صاحبها لاجئا في بريطانيا ومطلوبا في الجزائر وفرنسا. لن أدافع هنا عن الذين كانوا يرضعون من ثديي جيزي والخليفة، لكني أسأل معالي الوزير أويحيى ثلاثة أسئلة لا رابع لها: (أولتها) هل يمكن أن تقدم لنا المبالغ التي استفادت منها بطرق مباشرة أو غير مباشرة وسائل الإعلام الحكومية وعلى رأسها التلفزيون من شركتي الخليفة وجيزي؟ (ثانيتها): كم مرة كرمت فيها الجزائر الرسمية ممثلة في وزرائها وولاتها ورئاستها حتى مسيري الخليفة وجيزي؟ (ثالثتها): ماذا تسمي احتكار الدولة لسوق الإعلانات العمومية وتسخيرها لبعض وسائل الإعلام دون أخرى وفقا لقواعد الولاء وطأطأة الرأس، أليس ذلك شبيها بسياسة شراء الذمم التي تنتقدها في إمبراطوريتي جيزي والخليفة؟ نتمنى فقط أن لا تصل القطيعة مع الخليفة وجيزي إلى منتهاها فيعمد مسؤولو هاتين الشركتين المغضوب عليهما بعد سنوات من العز والدلال إلى كشف المستور.
كاتب وصحافي جزائري[email protected]