ريما شريلندن ـ ‘القدس العربي’ كثيرةٌ هي انتقادات السينما والدراما، التي تعكس الواقع المرير الذي يتفشى في مجتمعنا العربي. هذه الأعمال الرائعة،’كان’ذنبها’الوحيد أنها’حاولت تسليط الضوء على قضايا حقيقية’مخبأة بأكياس شفافة. فبدل من أن يكرم المخرج نجدت انزور والكاتبة’هالة دياب على عملهما الرائع’في مسلسل ‘ما ملكت’ايمانكم’، فضل’الكثير من المشاهدين والنقاد أن’يعاقبوا هذا الثنائي، بمهاجمة الأفكار والمواضيع الذي يتناولها مسلسلهما، بحجة أنه يسيء للإسلام ويبالغ في عرضه للفساد الذي’يحصل في مجتمعنا العربي اليوم.”لقد أثار هذا المسلسل، الذي عرض في شهر رمضان المبارك، (ويعاد عرضه الآن مرة أخرى) جدلاً واسعاً في الشارع السوري خصوصاً، والشارع العربي عموماً.’إن عنوان هذا المسلسل”ما ملكت ايمانكم’ والمأخوذ من آية قرآنية،’يدل على’مضمون العمل’وينبئ بالرسالة التي يهدف إليها. هذا العمل ليس كغيره من المسلسلات الساذجة’التي، وعلى الرغم من تناولها الكثير من’المواضيع والقصص السطحية غير الهادفة، تلقى شهرة واسعة وتصبح حديث الناس. للأسف فإن’الأعمال التي تتناول قضايا حقيقية يعيشها المجتمع ويتأذى منها الكثيرون،’تتهم بالفبركة وتشويه الصورة الجميلة التي يحب البعض، لا بل الكثيرون، المحافظة عليها رغم معرفتهم بإنها ليست واقعاً عاماً.’لقد’انتقد’الكثيرون هذا العمل لأنه، بحسب اعتقادهم، يشوه صورة الدين ويسخر منه، كما أنه يصور النساء المسلمات بطريقة خاطئة حيث’يظهر معظمهن منحرفات’يختزن نوايا سيئة تدفعهم لفعل ‘الحرام’ وارتكاب المعاصي. ومن الاتهامات التي’وجهت لهذا العمل أنه يلفت النظر إلى مجموعات دينية غايتها محاربة الغرب، وقتل المدنيين الأبرياء الذين يذهبون ضحية المفهوم الخاطئ للجهاد الإسلامي. إن شيئاً واحداً يمكن أن يسهل إمكانية تقبل هذه’الآراء والعمل على إصلاحها، وهي أن نعي أن هؤلاء النقاد على قدر من السطحية’في’تحليل رموز ومعاني’العمل الدرامي، بحيث تقرأ السيناريوهات والصور كما تظهر وكما يسمعها المشاهد، من دون محاولة توظيفها في المجتمع’وإدراك الهدف منها. إذا كانت هذه هي المشكلة، فنحن مازلنا في ألف خير! لأنه يمكن تقديم شرح مفصل لرسالة العمل وبعده الدرامي للجمهور، مع’العلم بأن العمل الناجح’يتسم بقدرته على عرض الحقيقة بشيء من الغموض والإبداع وتمكين المشاهد من فك الرموز والدلالات وتوظيفها ضمن’الواقع الذي’يعيشه. ولكن، إذا كان النقاد’والمهاجمون’يستطيعون معرفة المقصود من العمل ويدركون صحة’المواضيع’التي يعرضها، وبالتالي يحاولون محاربته، فإن هذا ينبئ بخطورة شديدة لأنه يدل على رغبة هؤلاء الأشخاص’في’تغييب’الكثير من القضايا التي تهدد السلام والحضارة والتربية وجميع أسس المجتمع السليم.’لذا فقد’علل انزور عرض’المسلسل لمواضيع حساسة ومثيرة للجدل بقوله’إن ‘وظيفة الدراما تسليط الضوء على النواحي السلبية في المجتمع لكشفها وفتح حوار حولها’. إن مسلسل ‘ما ملكت ايمانكم’ يعرض نماذج من رجال الدين الذين اخطأوا في فهمهم للإسلام،’ويشير إلى أن البعض من هؤلاء’يستغل الهوية الدينية لأغراض ومنافع شخصية.’ألا يحصل هذا في مجتمعاتنا اليوم؟ إذاً ما المشكلة في محاولة علاجها من خلال عرضها في عمل درامي وتسليط’الضوء على خطورتها؟ هل تعاقب الدراما ذات الرسالة الهادفة؟’كما أن هذا العمل يظهر المفهوم الخاطئ لفكرة الجهاد عند بعض المسلمين، بحيث يحلل قتل المدنيين الأبرياء بهدف القضاء على العدو مهما كلف الأمر، إضافة إلى هذا كله، فإن العمل يسلط الضوء على الضغوطات والاضطهاد اللذين’يطالان المرأة المسلمة في العالم العربي والجهل في التعامل مع قضايا الشرف. كما أن هذا العمل يتسم بجرأته’في عرضه لحالات الشذوذ الجنسي التي’مازالت غير مطروحة’في الدراما والسينما العربيتين بشكل كاف.’من الجدير بالذكر أن هذا’الجدل حول المسلسل، دفع أحد رجال الدين البارزين، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، إلى توجيه رسالة تحذير إلى المحطات الفضائية التي تبثّ المسلسل، مناشداً إياها ‘صرف هذه المصيبة المرعبة’، حسب قوله. وقال انزور في رده على الأسباب التي دعت محطات خليجية لعدم بث عمله التلفزيوني ‘ما ملكت أيمانكم’، إن المحطات السعودية تريد المجتمع السوري أن يكون مجتمع ‘شروال وحارة’، في إشارة إلى المسلسلات التاريخية التي يتم إنتاجها خليجيا.
وقالت’هالة دياب كاتبة قصة’وسيناريو المسلسل’إن’الهدف من استخدامها لتعبير ‘ما ملكت ايمانكم’ المأخوذة من ‘سورة النساء’ ليس تحديا للمعنى الديني لهذه العبارة، بل بالأحرى’للإشارة لحال النساء في الشرق الأوسط والضغوط التي تمارس عليهن وتشكل بالتالي هويتهن وعلاقتهن مع أنفسهن ومع من حولهن.’وأخيراً، إن مسلسل ‘ما ملكت ايمانكم”استطاع’أن’يتصدى’لطيف واسع من’المشاكل’والقضايا والظواهر’الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية التي تهدد مجتمعاتنا العربية في عمل’واحد. فيعرض المسلسل حالات الفقر والبطالة والفساد الإداري والشذوذ الجنسي والجهاد والإرهاب والزنى’والتطرف الديني وانحلال القيم الأخلاقية وسوء معاملة المرأة وغيرها.
ورغم تناوله لكل هذه القضايا، لم يفقد العمل’تماسكه الدرامي الواضح والمبدع،’لا بل بقي محافظاً على تسلسل الأحداث’وتطورها. فلماذا لا’يشجع مثل هذا العمل بدل من أن يهاجم؟ إن تقدير هذه الأعمال’يعزز من دور الدراما العربية في العمل على’تغيير الواقع ومعالجة قضايا المجتمع ومحاربتها’يجعل’دور الدراما سطحيا’ومحدودا. ”””’