قيل ان التاريخ لا يصنعه الحجر بقدر ما يصنعه البشر، وان فهم دروس التاريخ واستقراء الماضي جزء لا يتجزأ من صناعة الحاضر والمستقبل وإصلاحهما، لذا فالأمة التي لا تقرأ تاريخها أمة محكوم عليها بتكرار الفشل والهزيمة والانكفاء على ترديد أمجاد الماضي.
وتلعب الذاكرة دورا أساسيا في إبقاء التواصل بين الماضي والحاضر وإحياء الشخوص والمواقف حتى تكون عبرة متجددة تربط بين الأوائل والمتأخرين والآباء والأجداد، وتذكر أن المستحيل العظيم كان ممكنا في يوم ما، وأن الأيام تتداول بين الناس، فلا المهزوم يبقى مهزوما ولا المظلوم مظلوما، بل إن غلبة الحق هي السنة المتكررة ولو دامت دولة الباطل ساعات.
في مليتا في جنوب لبنان قرية تحتضن الذاكرة وتبقي وقودها مشتعلا يذكر كل من يؤمن بالمقاومة وحرية الإنسان ونصرة المستضعفين بمعلم سياحي عن المقاومة يحكي قصة ارتباط الأرض بالسماء في مكان لم تطأه أقدام العدو، بل وشهد تكرار قهر أسطورة الجيش الذي لا يقهر الذي اندحر من فوق 1050 مترا فوق سطح البحر يشهد انسحابه المخيب طائر مليتا الباشق الذي أصبح رمزا شاهدا على الانتصارات والتضحيات.
في مليتا تفهم أهمية توثيق التاريخ التي فهمها أعداؤنا فجعلوا يبتزون العالم ولبسوا ثوب الضحية المهددة على الدوام التي تجند العالم لنصرتها والدفاع عنها وقطع دابر ولسان كل من يتجرأ على النقاش ولو بدراسة علمية مدعمة بالبراهين والأدلة في تاريخ المحرقة وعدد ضحاياها وأفران الغاز والسجون والمخيمات.
في مليتا نفهم أهمية توثيق التاريخ لجيل لا يعرف سوى النكسات والهزائم واتفاقيات السلام الذليل والخيانات ليرى أن هناك صورة أخرى وروايات مختلفة من الممكن أن تتكرر لو سلك المرء طريق التحدي والكرامة.
في مليتا تعيش الحالة الشعورية للنصر، تدخل في نشوة المقاومة، وتتطلع الى حياة المجاهدين بأدق تفاصيلها، تبدأ الرحلة بفيلم يحكي قصة المقاومة ترافقه مارشات عسكرية تجعلك تريد أن تقفز من كرسيك وتخبط الأرض كالجنود وبحماستهم لعلك تزلزلها من تحت أقدام العدو، والفيلم يحسن تشخيص المأساة فيجعل من سقوط القدس واحتلالها أعظم المآسي، ويجعل من تحرير الجنوب خطوة نحو استردادها.
في مليتا نجح القائمون في جمع الناس من أقصى اليمين الى أقصى اليسار حول فكرة المقاومة، من أول الذين يتخذون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة وإماما للمجاهدين، ويرون الجهاد فريضة شرعية، الى الذين يلبسون صورة غيفارا على صدورهم كرمز للبطولة اليسارية، الى الذين شاب شعرهم وهم يترحمون على أيام عبد الناصر ومشروع القومية العربية. في مليتا تفهم أن الأمة إذا عطشت للنصر فتحت قلبها لأول من يطرق باب المقاومة مهما اختلفت الأيديولوجيات والانتماءات.
في مليتا ينقسم المكان الى متحف كبير، قسم يروي قصة النصر بما يحويه من فلول وغنائم من الجيش الاسرائيلي بصغر طلقة الرصاص وكبر دبابة الميركافا، مفخرة الصناعة الحربية الاسرائيلية، التي حولتها المقاومة في لبنان وفي فلسطين الى تابوت متنقل وقبر للجنود الاسرائيليين حتى أفقدت قيمتها وسمعتها وخسرت آلة الحرب الاسرائيلية والمصانع صفقات بالملايين.
في مليتا تعرف الفرق بين الأسلحة المدمرة التي خلفها العدو بعد هربه وبين الأسلحة الصدئة التي تكسدت في المخازن وما عادت تصلح للاستهلاك الحربي كما هو الفرق بين النصر والخيانة!
في مليتا يعرف رجال المقاومة الأسلحة بأدق تفاصيلها وخصائصها، والجمهور بالكاد يتابع من كثرتها وتنوعها، معلومات دقيقة وطرق تصنيع تبدو للمستمع كطلاسم ثقيلة لا يفهم لها معنى! ويبقى السؤال: لماذا فقدت الأجيال العربية علاقتها بالأسلحة والحرب والجيش، مع انها ما زالت مستهدفة وتعيش بالقرب من عدو لدود الغدر أول شيمه؟ لماذا يتقن الشباب تقنيات الانترنت ويعرفون خصائص الخلوي بينما يخاف الواحد أن يمسك بارودة صيد، أو لا يسعفه جسمه النحيل وخصره الناحل في حمل مسدس ناهيك عن قنبلة أو مدفع هاون أو كاتيوشا في الوقت الذي يخبر قيم المتحف أن أقل وزن يحمله المجاهد، وهو ما يعرف بالوزن الصفري، يبلغ 20 كلغ وهو سلاحه الشخصي وأكله وماؤه!
في مليتا تتحول المقاومة الى نظام حياة لا ترتبط بحالة حرب قائمة وإنما بحالة استنفار دائمة ما دام العدو موجودا، في مليـــــتا تصبح الجندية الصفة والتعريف الوحيد للمقاوم، لا مجرد فترة تجنيد قد يقضيها أو لا يقضيها الشاب كما في معظم الدول العربية ويدفع بدلا عنها أو يؤجلها ناسيا أن عدوه يملك جيش احتياط قوامه جميع الشعب الاسرائيلي، بالاضافة الى الجيش النظامي! في مليتا ترتقي الجندية بصفات الانسان الى فضاء الشجاعة والبذل والتضحية لا كما في مثل الجيوش العربية، حيث القاعدة هي المبالغة في إذلال الجندي وكسر نفسه وكرامته لضمان انضباطه وانصياعه، حيث يكون جل مهام الجندي تنظيف ‘سباط’ الضابط المسؤول وتلميع أزرار بدلته أو جلب أغراضه على لحن من السباب والاستخفاف وتوقيع العقوبات والخصومات!
في مليتا تذكرت الجيش الشعبي الذي كان مفروضا علينا أن نتدرب ضمن صفوفه قبل الثانوية، وكان جل ما تعلمناه تأدية التحية العسكرية وفتح الصفوف وضم الصفوف. في مليتا كان نزار قباني حاضرا يذكرنا بتعاسة حالنا قائلا:
نحن الهاربون من خدمة الجيش فهاتوا حبالكم واشنقونانتعاطى القات السياسي و نبني مقابرا وسجونانحن أهل الحساب والجمع والطرح فخوضوا حروبكم واتركونافي مليتا حيث سالت الدماء وأنهك التعب من عملوا بأيديهم في حفر الأنفاق والخنادق وتحملوا شظف العيش وفراق الأهل والولد، يغفل الزائرون عن المعنى ويظنون أنفسهم في الشانزليزيه أو متحف اللوفر، حيث يمكنك التسكع وأخذ صورة تضعها في البوم تفخر به أمام الأهل والأصدقاء بأنك كنت هناك في يوم ما!
في النفق والمغارة التي حفرها أكثر من ألف مقاوم بعمق 200 متر كمقر لسكنهم تكثر أضواء الفلاشات، الكل يريد أن يسجل وجوده في هذه اللحظة متناسيا أن الأنفاق موضع رهبة وخوف واختناق قد يودي بحياة من يدخلها ويتسلل من خلالها وأقربها في الذاكرة أنفاق غزة التي يتأرجح داخلوها على خيط رفيع ما بين الموت والحياة!
نعم، كل شيء يصبح فرجة وفسحة واستعراضا لمن لا يحسن فهم الرسالة وصورة في ألبوم الذكريات ممهورة بأجساد ودماء من جعلوا النصر حقيقة يمكن البناء عليها لا خلفية لصورة فوتوغرافية!
في المغارة تقرأ وصايا المجاهدين مكتوبة على الجدران بحفظ المقاومة وأن لا ينسوا القدس.
في مليتا لا يكتفي المتحف بآثار النصر فلا بد من رسالة التحدي التي جاءت على شكل لوحة بعنوان بطاقة أهداف توضح جميع طرق المواصلات والمنشآت الحيوية الاسرائيلية في فلسطين بتهديد واضح مكتوب ‘إذا ضربتم سنضرب’. لو أردنا تقليد معلم مليتا احتفاء بانجازات المرحلة الحالية من تاريخنا ولحفظها للأجيال فماذا نفعل؟ نفتتح متحفا للمفاوضات وانجازات السلام وماذا سنعرض فيه؟
الأقلام التي استخدمت في توقيع أوسلو وخارطة الطريق وكامب ديفيد وواي ريفر؟ نصمم مجسما لأول شخصيات فلسطينية نسقت أمنيا مع سلطات الاحتلال؟ لوحة لأول سجن فلسطيني احتجز المجاهدين وعذبهم؟ نضع فيه صور من تفاوض مع العدو من رؤساء وقادة ووزراء ونضع قبلهم سايكس وبيكو وبلفور ووايزمان وبن غوريون وشارون فكل أفعالهم قد صبت في تحقيق نفس الهدف.
هل سيكون من مكان تحت زاوية العذابات لاستعراض حريق المسجد الأقصى ومذبحته ومذبحة الحرم الإبراهيمي ودير ياسين والحفريات وبيوت سلوان المصادرة وحصار غزة وشهداء الأنفاق؟ أم أن هذه حتى في ألمها وسوداويتها لا تعلق الا على حائط الفخار والعزة؟
هو التاريخ إذن يُسجل ولا يُنسى، والورثة لا يسامحون، فلينظر الصانعون ماذا يبقون في آثارهم، رحمة واقتداء، أم لعنات واستبعاد؟
صدقت أحلام مستغانمي’ نحن لا نشفى من ذاكرتنا ولهذا نحن نكتب، ولهذا نحن نرسم، ولهذا يموت بعضنا أيضا!’د.
ديمة طارق طهبوب