على هامش سحب جائزة الشيخ زايد من الباحث الجزائري حفناوي بعلي:
عز الدين المناصرةلم أشأ أن أدخل على خط النقاشات الساخن، حول قضية (سحب جائزة الشيخ زايد) من الجزائري الأستاذ الدكتور حفناوي بعلي، صاحب كتاب (مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن)، لأسباب إنسانية وموضوعية. فالقضية كانت معروفة منذ صدور الكتاب، فلم أكن حتى تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، قد قرأت الكتاب رغم أنه موجود بحوزتي، ولكن في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، كنت (ضيف الشرف) في معرض الكتاب الدولي في الجزائر. زارني أكاديمي جزائري في الفندق، وأبلغني أن (حفناوي بعلي)، سطا على كتابي (النقد الثقافي المقارن)، الصادر في طبعته الثالثة عن دار مجدلاوي، 2005. فقلت له مازحاً: (أسامحه في الدنيا والآخرة)!! ، وإذا كان ذلك صحيحاً، فأطلب منه الاعتذار للرأي العام وليس لي. وعندما عدت إلى عمّان تصفحت الكتاب بسرعة، وبسبب انشغالاتي نسيت الموضوع. ولكن مع إثارة الموضوع من قبل الناقد المصري (عبد الله السمطي)، تابعت ما يكتب عن الموضوع، فالدكتور (عبد الرحمن مزيان)، جامعة بشّار الجزائرية، يقول في (جريدة الحبر الجزائرية، 30/10/2010): ‘لقد سطا حفناوي بعلي على كتاب الغذّامي، ولكنه أيضاً سطا على كتاب آخر هو كتاب عزالدين المناصرة، وإذا نفى (بعلي) ذلك، فإنني مستعدٌ أن أنشر مقالاً مطولاً يثبت صحة ما أقول’. وكان (بعلي)، قد قال لجريدة (الفجر) الجزائرية (انظر موقع جزايرس الإلكتروني)، بأنَّ (الغذامي) قد اطلع على الكتاب عندما التقى بعلي، الغذامي على هامش توزيع (الجوائز) في الإمارات العربية المتحدة، وأن الغذامي، أشاد بـِ (الإضافات القيمة) التي أضافها بعلي، وذلك بحضور (الشاعر والناقد الكبير عزالدين المناصرة)، هكذا (حرفياًّ’«’والصحيح أنني لم أدخل (الإمارات العربية المتحدة) أية مرَّة في حياتي!. وفي (جريدة الفجر الجزائرية، عدد 4/10/2010)، قال الدكتور يوسف وغليسي ما يلي: (يعجبني مصطلح التلاص، وهو لعزالدين المناصرة، وأقول: إن التناص بيّن، والتلاص بيّن، فاجتنبوا ما بينهما من مشتبهات). وكان صحافي آخر، قد أشار إلى أن حفناوي، سرق (11 صفحة فقط) من كتاب المناصرة.
بالفعل، لم أشأ أن أدخل في هذه النقاشات الساخنة لأسباب عديدة، لكن عدداً من المثقفين الجزائريين اتصلوا بي هاتفياً، وطلبوا مني أن أحسم الأمر، وأتكلم، ومع هذا طنّشتُ في فترة سابقة. مع هذا، فإن تكرار اسم كتابي في هذه النقاشات، يضطرني إلى التوضيح التالي:
أولاً: صدر كتابي في طبعته الثانية عام 1996، تحت عنوان (المثاقفة والنقد المقارن)، عن المؤسسة العربية، وكانت قد صدرت طبعته الأولى، عام 1988. ثمّ صدر تحت عنوان (النقد الثقافي المقارن)، عام 2005 في طبعة ثالثة مزيدة عن دار مجدلاوي في عمّان. ومجال كتابي هو (الأدب المقارن)، حيث كنت من أنصار توسيع قراءة النص الأدبي نحو النقد الثقافي المقارن. وكان الأستاذ الغذامي قد أصدر كتابه الشهير (النقد الثقافي) في طبعته الأولى، عام 2000. مشكلة كتابي هي أنه ضخم جداً (746 صفحة من القطع الكبير)، ولهذا كان توزيعه بطيئاً، لكن المتخصصين في الأدب المقارن اطلعوا عليه بالتأكيد. طبعاً هناك فارق بين (النقد الثقافي)، وبين (النقد الثقافي المقارن)، لأنَّ الأخير مجاله، هو المقارنة مع الآداب الأجنبية، وكان هدفي من ابتداع المصطلح: (النقد الثقافي المقارن)، هو التمييز بين (النص الأدبي)، و(النص الثقافي)، و(الدراسات الثقافية)، وقد أوضحت ذلك في كتابي، وفي كتاب آخر هو (علم التناص والتلاص، 2006). وكنت قد استخدمت مصطلح (النقد الثقافي المقارن)، عام 2004 في دراستي لإدوارد سعيد في (مجلة ‘فصول’ المصرية، عدد 64، صيف 2004). وقد أشار إلى المصطلح الجديد، الدكتور (مسعود عمشوش، جامعة عدن) في مقالة له موجودة في (الإنترنت). وفي كل الأحوال، فالدكتور حفناوي بعلي، تأثر بالتأكيد بكتاب الغذامي، وكتابي، وهما مرجعان مشهوران.
ثانياً: التقيت بالأستاذ الغذامي، مرَّة واحدة في عمّان. كان ذلك بتاريخ (2/5/2007) في جامعة البترا الأردنية، حيث خُصصت ندوة خاصة بالنقد الثقافي. كان الغذامي هو الضيف الرئيسي، وكنت مديراً للجلسة التي حاضر فيها. أتذكر أنني قدَّمت له أربعة أسئلة نقدية، لكي أُثري النقاش بينه وبين جمهور الأساتذة. أما حفناوي بعلي، فأعرفه (طالباً) منذ عام 1984، عندما كنت أستاذاً في جامعة قسنطينة الجزائرية (1983-1987). وكان يتردد على المؤتمرات الثقافية الأردنية في السنوات الأخيرة، وعندما رأيته قبل عامين، حيث جاء به زميل لي إلى منزلي، لم’أشأ بحكم تقاليد الضيافة أن أفتح معه موضوع (السرقة) الذي وصل إلى مسامعي من آخرين.
طبعاً أصبح معروفاً في كل الجامعات العربية أن مصطلح (النقد الثقافي)، كان أول من أشهره هو الغذامي، أما مصطلح (النقد الثقافي المقارن)، فلم يسبق أن صدر كتاب عربي بهذا العنوان قبل كتابي. ويبدو أن الناقد المصري (عبد الله السمطي) الذي فجَّر موضوع السرقة، لم يقرأ كتابي بالتأكيد، لهذا تخصص في كتاب الغذامي فقط.
ثالثاً: سبق لي أن ابتدعتُ مصطلح (التلاص) عام 1989، وقد جاء ذلك بالصدفة المحضة، فعندما كنت أشرح لطلبة الماجستير في جامعة تلمسان الجزائرية (1987-1991)، مفهوم التناص عند كريستيفا، سألني أحد الطلاب السؤال التالي: وماذا نسمّي السرقات في الموروث النقدي!. فأجبت بعفوية: نسميه (التلاص على وزن التناص)، وشرحت بأن مفهوم السرقات الأدبية في الموروث غير دقيق، لأنّ الوصف الدقيق له، هو (التناص والتلاص معاً). ثم قمت بتثبيت المصطلح للمرة الأولى في كتابي (علم الشعريات)، في طبعته الأولى، عام 1992. ثمَّ انتشر في الصحافة العربية.
رابعاً: هناك فارق بين ما أسميه (التلخيص المونتاجي)، حيث نضع عنوان الكتاب ومؤلفه بوضوح كبير في أعلى المقال، ونستخدم (لغة الكاتب الأصلي)، وبين (عرض الكتاب) من وجهة نظر نقدية، حيث تتداخل أقوال المؤلف الأصلي، وأقوال المعلّق، ولكن يجب أن تكون أقوال المؤلف واضحة. وعادة ما ألجأ إلى التلخيص المونتاجي، منفصلاً عن ملاحظاتي على الكتاب. أما (التهميش)، وهو من أبجديات البحث العلمي، فيجب أن يتميز بقصره، ووضوح أوله من آخره. إشكالية تلميذي الأستاذ الدكتور حفناوي بعلي، هي أنه (بلدوزر أعمى) في البحث العلمي، يقتطع صفحات كاملة طويلة، ويشير أحياناً مرَّة واحدة إلى المرجع. فالتهميش السيىء، يقود حتماً إلى موضوع (التلاص)، بشكل تلقائي، وبالتالي، يتجاوز مفهوم (الاقتباس)!! ، كما قالت هيئة الجائزة في بيان سحب الجائزة.
خامساً: رجعت بسرعة إلى كتابي وكتابه، فوجدت ما يلي:1. في مقدمته للكتاب، لم يُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى أنني مبتدع مصطلح (النقد الثقافي المقارن)، وحتى في (طريقة الإهداء)، هو يقلد طريقتي في الإهداء إلى أسماء كثيرة. ولم يشر إلى كتاب الأستاذ عبد الله الغذامي (النقد الثقافي)!! ، رغم شهرتهما في المراجع العربية. حتى (جامعة هولندا العربية) تُدرّس لطلبة الدراسات العليا، كتابي هذا، وكتابي الآخر (علم التناص والتلاص).2. في (ص53) من كتابه، يشير بالأرقام إلى كتاب لي بعنوان (الهويات والتعددية اللغوية، 2004)، وإلى مقال لي في (مجلة ‘أفكار’ الأردنية، 2006)، لكنه بعد ذلك (نهاية صفحة 53، وبداية 54)، ينقل عني أيضاً، لكنه لا يشير إلى أن الفقرة الطويلة، هي كلامي أنا، وليس كلامه هو.3. (ص140- 148)، يشير إلى كتابي (النقد الثقافي المقارن)، لكنه لا يشير إلى مقاطع طويلة مأخوذة من كتابي. مثلاً: (ص140) ينقل نقلاً حرفياً ويذكر المرجع، لكنه بعد ذلك، لا يذكر المرجع إطلاقاً في صفحات طويلة، حتى أنه يستخدم مصطلحي (النص المعتم)، لكن القارئ يتوهم أنه للمؤلف في سياق القراءة، وليس لي.4. حتى عندما نقل أفكاراً، أوردها الكتاب الأصلي الذي قمت بعرضه عرضاً مونتاجياً في كتابي، لم يكن يعي أن بعض هذه الأفكار صيغ بلغتي، والدليل، هو عدم وجود بعض الصياغات في الكتاب الأصلي.
سادساً: بصراحة حتى الآن لم أفحص الكتاب فحصاً دقيقاً، لأنني لا أمتلك الوقت الكافي لذلك، لهذا أرى أن ينفّذ الدكتور عبد الرحمن مزيان وعده بفحص الكتاب فحصاً دقيقاً، ومقارنته بكتابي، إضافة إلى فحص كتاب الغذامي مع المقارنة، فهو إذا أنجز هذه الدراسة العلمية، يكون قد خدم القرّاء والمثقفين جميعاً، لنتعرف على حدود السرقة (التلاص)، وحدود التأثير والتأثر (التناص)، وأشكالهما.
سابعاً: سحب الجائزة بقرار من هيئة الجائزة، يعتبر قراراً ثورياً، بعد أن قدَّمت الأسباب في بيانها، لكن يبقى السؤال: (من هي لجنة التحكيم العبقرية!!)، التي اختارت هذا الكتاب من بين (700 كتاب) كما نُشر!!. ومن هم (مستشارو الجائزة) الذين يفترض أنهم قرأوا هذا الكتاب لأنه الكتاب الفائز، ولا يطلب منهم أحد قراءة (700 كتاب)، فالمعروف أن القراءة الأولى تعطى لمجموعة من الباحثين كمرحلة أولى من أجل الفرز فقط!. ولماذا لا تفتح الصحف ملف (مافيات التحكيم) في الجوائز العربية الكبرى على الأقل؟
ثامناً: أخيراً، أقسم بأنني حزين من الناحية الإنسانية لحالة هذا الأكاديمي، وأنا أكتب هذا المقال من أجل منحه فرصة للتعبير عن حقه في الدفاع عن نفسه، ولكن أنصحه بعدم المراوغة، وأقترح عليه أن يعتذر إلى الرأي العام الثقافي علناً، لكي يبدأ حياته الأكاديمية من جديد، فلكل جواد كبوة.