أحمد الرحبي بعدما أنهى جنوده آخر المهام الموكلة إليهم في هدم مآذن بغداد وقبب مساجدها الجميلة المزدانة بالذهب والذي أغراهم الطمع إليه على دك أساساتها وتهديمها، وتدمير قصورها الفارهة المرافق والتي تقلب بين أعطافها متنعمين بكل أنواع النعم الدنيوية الخلفاء العباسيون وخاصتهم لمدة خمسة قرون، وتنفيذا للقصاص الذي توعد به قائدهم بقتل سكان المدينة والتنكيل بهم وعلى رأسهم الخليفة المستعصم والذي لف في سجادة وترك ليلاقي مصيره دهـسا تحت حوافر خيول الجيش المغولي، واغتصاب وسـبي النساء، كونهم لم يأتوا طوعا لمشيئته بتسليم المدينة.
بعدما قضيت هذه المهام مجتمعة والتي استغرقت يوما بطوله منذ صياح الديك إلى صياح الديك على أعتاب يوم آخر، إنتهز هولاكو الفرصة للذهاب للنوم مخمورا بانتصاره الأخير الذي قضى فيه على تراكم قرون طويلة من الحضارة، دخل خيمته المعدة له الواسعة المملوءة بالفرش والطنافـس المزدانة أرجاؤها بالرسوم والنقوش والألوان البهيجة، وربما آلت إليه الكثير من المقتنيات فيها بالنهب ووضع اليد من مدن عاشت طوال قرون رخاء الحضارة كسمرقند وخوارزم وبخارى، دخل خيمته للنوم لكن النوم كان أبعد منالا لعـينيه اللتين في ذلك الوقت يغشاهما النعاس لفرط الجهد والتعب الذي أصابه وهو يجول سحابة يومه فوق ظهر حصانه يلقي الأوامر هنا وهناك على جنوده وقادته لإكمال المهمة كما يجب، تلك المهمة التي انطلقت بوادرها من أرض الحصان في منغوليا على يد جنكيز خان والتي وضعـت هـدفا لها اجتياح العالم المتحضر في ذلك الوقت بهمجية دموية، همجية البدو الرحل التي حولت أحجار الجوامع والقصور وجدران المدن المعمورة إلى أثاف لنارهم المتأججة، فالريح الشديدة العاصفة بأجنحتها التي تجتاح السماء والأرض في تلك اللحظة كأنها ملاك غاضب لم تتح لخيمة هولاكو أن تسـتقـيم على أوتادها لحظة واحدة تاركة ذلك الفاتح العاتي بأن يكابد حاجته للنوم في العراء وهو ينظر بحسرة إلى أطلال مدينة بغداد ويتمنى أن يخلد للنوم ساعة من الزمن في أحد خاناتها، أو على عتبات أحد جوامعها العظيمة التي دكتها بعنف مجانيق جيشه وسودت نار الحقد المغولية جدرانها المكسـوة بالقيشاني والموزاييك الثمين المتناسق الألوان. ‘ كاتب من عُمان