البدري الخولي لا أعرف لماذا منذ أيام تحاصرني كلمات الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، وهو يتحدث عبر شبكة الجزيرة الإخبارية عن علاقة العرب بالتاريخ ومجريات الأحداث، التي تتكون منها روزنامة العالم العربي، تلك الخريطة التي أتعبت العالم من حولها وجعلته يسهر ليلا ولا ينام نهارا يفكر كيف يروض أو يسيطر على هذه البقعة الفريدة في موقعها، الغنية بثرواتها، وحتى لا نبعد عن سحر وعبق كلمات الأستاذ هيكل الذي ألقى باللوم كثيرا على الشخصية العربية التي امتثلت إلى نظرية المؤامرة، التي يمكن أن يختلف الكثير من الناس حول رأي صاحب تجربة حياة الذي يعتبر أن العالم العربي لا يفرق بين نظرية المؤامرة كنظرية وفرضية تحوي الكثير من المعاني، وبين أن التاريخ كله مؤامرة فيقول ‘أنا أسلم أن التاريخ ليس مؤامرة، لكني ما أزال أرى المؤامرة في التاريخ وأراها أكثر ما تكون في هذه المنطقة’، ولكن ما أراد أن يوصله الأستاذ هيكل بهذه الكلمات التي تنطوي على كثير من الفلسفة التاريخية، أن نظرية المؤامرة أكثر ما ترى في منطقة العالم العربي، وهو ما أنعكس سلبا على القرارات العربية التي عزت كل ما حولها إلى نظرية المؤامرة، وهو ما جعلها دائما في حالة ردة فعل أقربها إلى الفعل، وبعيدا ولو قليلا عن ظلال أجواء ‘فوبيا المؤامرة العربية’، التي يبدو ان لها العديد من الأدلة والبراهين داخل صفحات التاريخ العربي، دعونا نتساءل هل حقا غيرنا أو الآخر فعلا يحيك لنا المؤامرات؟ نعم وألف نعم توجد ملايين الإثباتات على ذلك وعلى الرغم من أننا يمكن أن نختلف مع الأستاذ هيكل، على أنه لا يهم كثيرا ان كان التاريخ كله مؤامرة أو المؤامرة حاضرة في التاريخ في بعض الأحيان، ولكن الأهم هو وجود هذه المؤامرة.
أعتقد أن هاجس المؤامرة ما كان له أن ينمو ويتطور في القرنين الأخيرين لولا وجود الحركة الصهيونية، ومن مصطلحها الذي يغفل عنه الكثير، هو أنها حركة، متجددة ومتغيرة ومتقلبة تسعى إلى التغلغل في كل شيء، ولكن أخطر ما يستنتج منها أنها تحمل العديد من الخطابات المتباينة، فخطابها الداخلي لأهلها وأتباعها يختلف جدا عن خطابها للآخرين، إذاً علينا بالعودة على ايديولوجية الصهيونية التي تعتبر الحبل السري الذي يغذي الكيان الإسرائيلي، الذي بدأ يتطور ويتمحور في العقد الأخير وكأنه على موعد من حقبة مجهولة وخطيرة للناظرين، التي يتحكم فيها المفهوم الصهيوني العقائدي المخيف ‘السيناريو الأسود’ الذي يعتبر الرحم الشرعي للمؤامرة السوداء، لأنه يستند الى مرجعيات دينية تارة وتراثية وأخرى عقائدية اجتماعية، قد يخطئ البعض إذ ما تصور أن هذه القصص اليهودية لا تحمل في طياتها إشارات شيطانية، فالقصة التالية التي اسميها ترنيمة الشر، قد لا تخفى على أحد، ولكن الرجوع إليها يعد من ضروريات الرؤية الصحيحة في ظل عاصفة كبرى تغطي عيون أصحاب القضية، والمقصود بأصحاب القضية هنا ليس الفلسطينيين وحدهم، كما يروج بعض المهرولين والمترهلين فكريا وعقائديا، فتقول إحدى المرويات الإسرائيلية ان رجلا يهوديا أراد أن يتحرر من سلطة العبادة وسطوة الحاخامات المذلة، فذهب يشكو إلى أحد الحاخامات أنه يطلب الحل من الرب ومباشرة، في مشكلة صارت توجعه وتؤرقه حيث أنه يحيا في بيت يحتوي على غرفة واحدة فقط مع زوجته وأمه وأولاده ويعيش معهم حمار وكلب وديك، وانه لا يستطيع أن ينام أو يهنأ في حياته من أصوات وضجيج النهيق والنباح، وبعد ذلك يطالب بالعبادات فأراد الرجل أن يتمرد بطريقته أو يتكسب من موقفه الحرج كونه فقيرا جدا ولا يملك في الدنيا سوى هذا البيت، فيضع الحاخام والرب في ورطة، حلولها مادية بحتة، فربما يهبه الحاخام بيتا وقبل أن نورد رد الحاخام نكرر قد يهتيأ للبعض أن الكلمات السابقة هي بمثابة حكاية أو حدوتة لا يمكن أن تحتوي على مدلولات عقائدية، ولكن حين يسمع رد الحاخام وما يندرج من سياقه ربما يفزع أو يغير من نظرته التي اعتادت الاستسهال على منمنمات صغيرة ولكن لها فعل السحر الأسود، قال له الحاخام إن الرب عنده الحل وأخبرني به، عليك أن تدخل معك الغرفة الديك والكلب والحمار واقض ليلتك هذه وارجع لي ولا تفكر في شيء أبدا، فلما رجع الرجل وفعل ذلك وسأله الحاخام عن حال ليلة أمس أخبره أنه رأى أصعب ليلة في حياته ولم ينم أبدا لصراع الديك والكلب والحمار، فالأمر زاد سوءا على سوء فأخبره أن يخرج الديك وأن يعود غدا فلما رجع أخبره أن الوضع ليس على ما يرام فالكلب والحمار لم يهدآ أبدا فأمره أن يخرج الكلب وأن يعود غدا فلما عاد إليه أخبره أن الأمر بدأ يتحسن لولا نهيق الحمار ورفسه المستمران فأمره أن يخرج الحمار وأن يبيت ليلته ويعود غدا فلما رجع سأله الحاخام ماذا كانت ليلتك اخبره قبل أن ينهي سؤاله أنها أفضل ليلة قضاها منذ أيام، والسؤال الذي يتبادر في الذهن هل قدم الحاخام حلولا للرجل؟ بالطبع لم يقدم أي حل يذكر، ولكن قام بتصعيب وتعقيد المشكلة مع الاحتفاظ بأساسيات المشكلة الرئيسية أي أنه لم يطرح أي جديد، بل رفع من سقف الأزمة حتى إذا وصل إلى الأزمة نفسها كانت بمثابة الحل الوحيد أي العودة إلى المربع الأول والحل الصفري، الذي يغلب على عقلية اليهود والصهاينة الجدد المغرقين في أساطير الماضي، ولكن من منطلق ديني بحت ومن يدقق في الوضع الراهن يمكن أن يطبق هذه القصة على الواقع المرير الذي نعيشه مع إسرائيل ذات المرجعية الدينية غير القابلة للمناقشة، ومن يطالع ما جاء في كتاب التلمود يقرأ قصصا خارجها يبدو عليه الطابع القصصي وباطنها يحمل عقيدة لا تعرف المناقشة سوى السعي قدما إلى ما ترنو إليه.
ويتساءل الكثير عن وجه الشبه فيما سبق وفي السياسة الحالية التي تتبعها معنا بعض الجماعات المتعصبة في الغرب الأوروبي والمدعومة فكريا بالصهيونية، ولكن الذي أصبح جليا هو أن الإدارة الأمريكية بوصلة العالم في النصف الثاني من القرن الماضي، ويبدو أنها سوف تستمر لنصف آخر، فقد طرأ عليها العديد من السياسات المستهجنة التي يظهر في ملامحها الكثير من المذاق الصهيوني، الذي هو متغلغل منذ عدة عقود مضت كونها الرهان الرابح، ولكن يبدو لنا اننا أمام متغيرات ومنعطفات تاريخية بعد أن سقط العراق فريسة لوكلاء أمريكا (هنا المؤامرة) وبعد أن تهدمت البوابة الشرقية وهوت عاصمة الرشيد، وهذا مطلب يهودي عقائدي قديم قد تحقق، فالقصص اليهودي يقول من يدخل بغداد عليه أن يقتل رجالها ونساءها ويذبح أطفالها ويحرق أرضها عشرات المرات حتى لا يجد فيها وتد الدابة ما يمسكه، أي بلغة العصر الحرق والحرث والتجريف للأرض وهذا ما يتبع في فلسطين، واليوم بعد قضية الطرود المفخخة في اليمن والتركيز عليها كبؤرة للإرهاب الجديد ومن قبل الحوثيين علاوة على الانفصاليين الجدد، فاللعبة صارت أكبر من الجميع ونحن لا نملك إلا أن نتعاطف مع أوباما المهزوم مرتين مرة من اللوبي الصهيوني، الذي بدأ فعليا في طعن أوباما من الخلف بتأليب الجمهوريين عليه وبإظهاره تارة مسلما متخفيا وتارة أخرى مفرطا في الحق الإلهي الأمريكي أو ما يسمى مجازا الأمن القومي الأمريكي هلامي المعنى والحدود كحدود دولة إسرائيل الغيبية، والذي انطلق يفتش في غرف نوم زعمائنا خوفا على أمنه الذي طغى عليه الشك الاستباقي من أجل سلامة أمريكا ومن وراء أمريكا، وهزيمة أوباما الثانية هي فينا نحن العرب، أصحاب السمعة السيئة والمنقسمين على أنفسنا مثل البكتيريا العفنة، فلماذا لا يكتمل مسلسل المؤامرة الذي كان سريا وصار الآن جهريا ونحن كقوم مسحورين.
إذاً أنقذوا اليمن الذي وصفه توماس فريدمان، رسول الخراب ومقتفي أثر البلدان العربية الهزيلة المترنحة، ألم يقل من يملك اليمن يكفيه أن ينظر الى المملكة العربية السعودية؟ فاليمن خاصرة السعودية فهل نقدر أن نسعف اليمن السعيد أم سيتحول لنا مصدر شقاء وربما فريدمان بدأ يكتب عقد تملك فوق سفوح اليمن وكيف لنا أن ننسى أن اليهود كثيرا ما يشيرون إلى منطقة خيبر على أنها ارث قديم من رائحة الأجداد، إذاً أستاذ هيكل نحن تجاوزنا مرحلة المكائد التاريخية وأنهينا مرحلة عريضة من المؤامرات القديمة، أمثال سايكس بيكو، تفكيك الخلافة العثمانية والاتفاق الودي أو سياسة الوفاق مرورا بوعد بلفور وصولا إلى نكبة 1948 وهذه المرحلة يجوز أن نسميها المؤامرة الوسطى التي أوشكت على الانتهاء حتى لو كان عمرها قرنا من الزمان، والآن بدأنا العد التنازلي على تفعيل المؤامرة الكبرى. كاتب وصحافي مصري