القاعدة في الجزيرة: عودة الأصل إلى الفرع

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) أعادت واقعة الطرود المفخخة المرسلة من اليمن إلى أمريكا تنظيم القاعدة مجدداً إلى واجهة الأحداث وقمة الاهتمامات الدولية بعد أن ساد الاعتقاد في الأوساط المتخصصة بأن التنظيم في طريقه إلى الاندثار. وقد تركز هذا الاهتمام بالأخص على ما يسمى ‘القاعدة في جزيرة العرب’، وهو الفرع السعودي الذي نقل مركز عملياته إلى اليمن هرباً من سطوة المخابرات السعودية. ويرى المحللون وأجهزة المخابرات الغربية أن فرع القاعدة في جزيرة العرب أصبح اليوم أخطر الفروع، وربما يصبح مركز الثقل البديل عن أفغانستان.(2) يعيد هذا الوضع إلى الأذهان حقيقة أن ‘فرع’ القاعدة في السعودية والجزيرة العربية هو في واقع الأمر الأصل، لأن القاعدة كفكرة نشأت كانتفاضة ضد وصول القوات الأمريكية إلى ‘جزيرة محمد’ كما جاء في أدبيات المعارضة الإسلامية الأولية لاستقدام القوات الأمريكية لمحاربة العراق في الكويت في عام 1990. وقد مثل وصولها صدمة قوية لأنصار الفكر السلفي السائد في المملكة، والذي يحرم مجرد إقامة دور للعبادة لغير المسلمين في البلاد، ولم يكن ليتقبل فكرة الوجود المسلح لفئات غير مسلمة في أراضي الحرمين.(3) عبرت هذه المعارضة عن نفسها بداية في أشكال عدة، منها نشأة معارضة سرية وسط قطاع إسلامي غير منظم، والتحلق حول فئة من العلماء الشباب، وكتابة مذكرات موجهة إلى الملك، وإنشاء حركة حقوق إنسان، ثم قيام حركات معارضة في المنفى في بريطانيا والسودان. ولكن هذه الحركات، خاصة حركة بن لادن التي كانت تتمركز في السودان، تعرضت لضغوط وهجمة عنيفة من حكومة المملكة وحلفائها مما أجبرها على اللجوء إلى أفغانستان باعتبارها البلد الوحيد القادر على مقاومة الضغوط السعودية-الغربية المزدوجة.(4) تغيرت طبيعة الحركة وزادت راديكاليتها بسبب تغير الظروف. فعندما كانت الحركة داخل السعودية كان خطابها يلتزم الولاء للعائلة السعودية والانصياع لإرشادات هيئة كبار العلماء، وكانت مطالبها إصلاحية محدودة. وبعد أن خرجت إلى المنفى في بريطانيا والسودان صعدت لهجتها نسبياً ولكنها كانت تلتزم العمل السلمي. ولكن فرعها الذي انتقل إلى أفغانستان رفع راية الكفاح المسلح، وأعلن ذلك مع تشكيل ما سمي ‘الجبهة العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين’ في مطلع عام 1998.(5) ثار جدل طويل حول الدوافع والأسباب التي أدت لتحول قطاع صغير، ولكنه فاعل، من الحركة السلفية السعودية من الولاء التقليدي للعائلة المالكة السعودية إلى العداء العنيف لها. وقد برر كثيرون هذا التحول بتأثير حركة الجهاد الإسلامي المصرية، المتأثرة بدورها بفكر سيد قطب. وهناك قرائن تؤيد هذا الطرح، منها أن بن لادن كان قد تأثر بالناشط الإخواني عبدالله عزام، عراب الجهاد العربي في أفغانستان، وقد تحلق حوله في بشاور والخرطوم نفر من ناشطي الحركات الجهادية من مصر والجزائر وليبيا وبقاع أخرى. ولا شك أن تأثيراً متبادلاً قد وقع.(6) ولكن الثابت أيضاً أن الحركة السلفية كانت ولا تزال تشتمل على توجهات متناقضة، خاصة وأن أيديولوجيتها تتمحور حول أن أي انحراف عن مبادئها الصارمة لا يمثل خطيئة فقط، بل هي غالباً ما تمثل الشرك الذي لا يغفره الله ولا يمكن التعايش معه مهما كان الثمن. وقد كانت هذه العقلية وراء صدامات عديدة بين السلفيين الراديكاليين والسلطة السعودية منذ حرب الملك عبدالعزيز مع الإخوان عام 1929، ثم انتفاضة عام 1965 التي قادها أحد صغار أمراء العائلة المالكة، ثم انتفاضة جهيمان العتيبي عام 1979. وقد زاد التوتر بين الحكم والتيار السلفي بعد أن أخذت التوجهات الليبرالية تغلب على النظام السعودي في أعقاب الطفرة النفطية وما تبعها من ترف غير مسبوق في أوساط النخبة السعودية.(7) الأرجح أن التوجه السلفي هو الذي غلب على التحالفات التي نشأت في أفغانستان، وكانت كاريزما بن لادن وموارده المالية ما حدد العلاقة، لأنه كان من يؤوي الهاربين من الحركات الإسلامية ويوظفهم في أعماله التجارية. وحتى حين قام بتمويل بعض الحركات الراديكالية القائمة، كما حدث في الجزائر والصومال ومصر واليمن وغيرها، فإن هذه الحركات تحولت بسرعة إلى التوجه السلفي الصارم، ودخلت في مواجهات عنيفة مع الحركات الإسلامية ذات الجذور الإخوانية أو الحديثة عموماً.(8) الأجندة التي فرضت على التحالفات الجديدة كانت في نهاية المطاف أيضاً أجندة ‘سعودية’، وهذا بدوره دفع بكثير من الحركات الأخرى، مثل الجماعة الإسلامية في مصر، إلى النأي بنفسها عن هذا التحالف. حتى حركة الجهاد التي وقع عنها أيمن الظواهري وتعرضت للانشقاق بسبب هذا التحالف بررته بوضعها اليائس بعد أن تعرضت للحصار في مصر. وقد اكتسبت كل الحركات التي تحالفت مع القاعدة، سواء في العراق أو شمال افريقيا اواليمن، لوناً سلفياً صارخاً، ونأت بنفسها عن كل أطروحات الحركة الإسلامية الحديثة ومقولاتها.(9) أكبر دليل على غلبة ‘الأجندة السعودية’ على استراتيجية القاعدة هي السهولة التي ضحت بها بقاعدتها الوحيدة الآمنة في ‘إمارة أفغانستان الإسلامية’، حين قررت شن هجومها الأكبر على أمريكا في ايلول /سبتمبر 2001 من تلك القاعدة، وهي تعلم أن النتيجة كانت ستكون هجوماً أمريكياً لا قبل لحركة طالبان بصده. ولكن قيادة القاعدة كانت ترى أن الأولوية لم تكن للحفاظ على إمارة الطالبان والدفاع عنها، وإنما لمقارعة أمريكا في العالم العربي وإخراجها من هناك.(10) يمكن أن يقال إذن إن ‘إعادة توطين’ القاعدة في الجزيرة العربية هو في نهاية المطاف عودة للحركة إلى منشئها ومحور اهتمامها الأول. فالحركة هي في الأساس ذات توجه ‘قومي’ سعودي، بدليل أن ثورتها ضد الوجود الأمريكي في ‘جزيرة العرب’ تفجرت تحديداً بعد وصول تلك القوات إلى الأراضي السعودية تحديداً، رغم أن الوجود الأمريكي في الجزيرة كان سابقاً على ذلك (في البحرين وغيرها). كذلك فعلى الرغم من الوجود الأمريكي المكثف في ثلاث دول خليجية أخرى، فإن القاعدة لم تبد اهتماماً كبيراً بذلك الوجود. ومهما يكن فإن الحركة لو كان توجهها السلفي خالصاً، فإن الوجود العسكري الأجنبي في أي بقعة من ديار الإسلام، من جاوا إلى طنجة كان يجب أن يثير نفس المشاعر. فنحن هنا إذن أمام ‘حركة سعودية’ تعود إلى وطنها، وهي عودة الأصل إلى الفرع، وليس العكس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية