المثقفون اللبنانيون لا يشترون الكتب والمكتبات الجديدة تدار بعقلية السوبرماركت!

حجم الخط
0

مكتبات بيروت التقليدية تقاوم عصف التغيرات في ‘اوكارها’: بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف بعد انتهاء ما عرف بحرب السنتين (1975-1977) والتي أسهمت بشكل كبير في تدمير وسط بيروت التجاري و’نزوح’ العديد من المكتبات الكبيرة والشهيرة إلى أماكن متفرقة من بيروت، وعلى أثر تمركز أحزاب اليسار اللبناني وقوى المقاومة الفلسطينية في الشطر الغربي من بيروت، إرتكز قسم كبير من الحياة الثقافية في نقاط ‘جديدة’ كان شارع الحمراء أبرزها. إكتسب هذا الشارع سمعة ثقافية خلال سنوات الحرب، حتى أنه اعتبر مكانا لالتقاء الشعراء والكتّاب المثقفين الذين التحقوا بصفوف المقاومة الفلسطينية سواء فكريا أو لوجيستيا او عسكريا. الشارع، يتعرض اليوم إلى ورشة هائلة أودت في بداياتها، كما هو معروف، بثلاثة مقاه كانت تشكل مثلثا ثقافيا جديرا بالاهتمام وهي ‘المودكا’، ‘الويمبي’ و’الكافيه دو باريه’. والآن تكسو هذا الشارع مقاه ترفيهية، ومحلات ألبسة وتجارية، من نوع آخر، تابعة بمعظمها لشركات عالمية، ما زاد من حركة السياحة الاستهلاكية فيه من جهة، وتضاؤل حركة المعرفة. تشرد رفاق الزمن القديم الذين كانوا يلتقون على طاولات مقاهيه. عرفنا بأنهم غيروا المكان، وارتحلوا تماما عن هذا الشارع، إلا أن هذا لم يحدث مع بعض باعة الكتب الذين أسسوا سمعتهم منذ أكثر من عشرين سنة خلت، ولا يزالون يتنفسون في أوكارهم إذا صح القول، كما مئات الكتب التي يعرضونها. ‘مكتبة ودار الفرات’، و’مكتبة ودار بيسان’ و’مكتبة الوراق عصام عياد’ هي ثلاثة مواقع للكتب، تجمعها اكثر من ميزة، فأنت لا تجدها في شارع الحمراء الرئيس بل في متفرع منه. وكتبها التي يختلط فيها الجديد بالقديم، لا تتلاءم مع الحلة التي يصر التجار وأصحاب المال ومن وراءهم على كسو الشارع العريق بها. وهي مكتبات تبدو ماضية في الاستمرار ومواصلة العمل برغم كل الاغراءات والصعوبات التي يلوح شبحها في وجه أصحابها يوميا. فأين هي المكتبات اليوم وما هي أسباب استمرارية هؤلاء؟ يقول عبّودي أبو جودة، صاحب دار ومكتبة الفرات والذي بدأ عمله في مجال الكتب عام 1975 ‘أنا لا أتكل على السوق المحلية بل الخارجية. ولا اعتبر نفسي ناشر كتب لأن النشر يحتاج إلى مقومات نفتقدها هنا ولا نتعامل بها. الناشر مثلا يسأل المؤلف: كم ستدفع؟ والناشر بالتالي يخضع (إذا قلبنا المعادلة) للعامل المادي وينكسر امام الكاتب القادر على الدفع له. والناشر هنا مثلا لا يشرف على كل مراحل الطباعة وإنتاج الكتاب. ولا يشرف كذلك على المخطوطة. ليس هناك ناشر بل شخص يستفيد من الموديلات السائدة في الكتابة (الرواية، كتب الطبخ، الفلك..) وبالتالي ليس هناك التزام ولا مشروعية. إذن، أنا اعتبر نفسي كتبي وليس ناشرا. أتعامل مع مؤسسات عالمية وعربية وجامعات في العالم مهتمة لأن تعرف ماذا يحدث في العالم العربي من خلال الكتاب. سوقي إذن خارج البلاد. ومبيعاتي (كمكتبة) لا تؤمن لي التكاليف بالحد الادنى. وهذا ما يدفعني إلى الخارج. وأنا موجود وصامد هنا في هذا الموقع من شارع الحمراء، على الرغم من الايجار الباهظ. شارع الحمراء هو الوحيد الذي يمكن له ان يحتضن هذا النوع من المكتبات شبه المتخصصة بالكتاب العربي. فللحمراء طابع ثقافي بسبب الحرية التي ليست موجودة في مناطق لبنان الأخرى. حين انتقلت المكتبات من وسط البلد إلى الحمراء، لم يكن الامر وليد صدفة او مزاجا بل لأن هناك حرية فكرية. لا أعتقد بأنني سأتمكن من جذب الزبون إذا ما فتحت فرعا لمكتبتي وسط البلد. إن فُقِد شارع الحمراء فلن يكون أمامنا بديل آخر عنه’. زميله عيسى أحوش، مؤسس دار ومكتبة بيسان، يعتبر أن السؤال عن الاستمرارية في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها بيروت، ليس بالبسيط. يقول: ‘عندما تتحول المدينة من طابعها المعروف والقديم وخصوصا شارع الحمراء الذي يجمع مقاهي وأوتيلات وتتوفر فيه شتى أشكال الخدمات المدنية من طبابة ودراسة ومكتبات ومحلات ومستوصفات وغيرها، يصبح السؤال عن سبب استمراريتنا، مُلحّا. الحمراء شارع عرف ببعده ورمزيته الثقافية خصوصا بعد انتهاء العازارية في الحرب. سؤالك مهم في ظل الارتفاع الرهيب وغير المضبوط في أسعار العقارات والذي سيقضي بلا شك على كل المهن المتواضعة التي لا تستطيع اكتساب مردود مادي لإيفاء قيمة إيجار المحل أو شرائه. أعزو استمراريتي لعدة عوامل أولها انني لم أختر في حياتي مهنة اخرى سوى الكتاب ولم أعشق غيرها. ربطتني علاقة وثيقة بالكتاب منذ نشأتي. ثانيا انني إلى جانب البيع للجمهور، هناك دعامتان إضافيتان للمكتبة وهما التعهد الطباعي والنشر. بمعنى آخر، فإن لي سوقا خارجية (وهي الدعامة الأساسية إذا صح القول)، فهناك شريحة واسعة من القراء الذين يزورونني، وهم ليسوا لبنانيين ‘محليين’ بل عرب ومهاجرون من أصول لبنانية إضافة إلى بعض الجمهور الأجنبي، فأحيانا أبيع لأوروبيين وآسيويين. هنا، في هذه المكتبة التي تأسست عام 1985، يحدث شيء لا يمكن حدوثه في مهنة أخرى. إذ تلتقي يوميا بمشارب مختلفة من البشر، تتقاطع بين البخيل والكريم والمعقد والبسيط وهي نماذج بشرية كثيرة. هكذا تستفيد من هذه النماذج، وتكوّن من خلالها ثقافة مختلفة وذات جنسيات مختلفة وأبعاد حضارية غير متطابقة. مستحيل أن يتسلل الروتين إلى هذه المهنة. المكتبة إذن مكان للتفاعل الفكري والثقافي وليست مكانا لبيع الكتب. هذه مهمتها الاولى برأيي. حتى أن هناك أناسا يشاركونك الأفكار والتطلعات ويقدمون لك مقترحات لتطوير المكتبة مثلا، فيشعرونك بأنهم جزء منها، وهذا شيء جميل وعميق. انا غير مستعد على الإطلاق للتخلي عن هذه المهنة أو حتى الإنتقال إلى موقع آخر’. أحوش إذن، يعتمد على قرّائه وعلاقته الوثيقة بهم. وهذا ما يتقاطع به مع عصام عياد الذي أطلق منذ فترة دارا للنشر تحمل اسمه. عياد صاحب شخصية جدلية تنبذها لكنك لا تستطيع الابتعاد عنها تماما كالعسل المرّ المذاق. يتجاهل الرجل أي عوامل اجتماعية أو صعوبات، معتبرا أن شخصيته الفذة تذلل كل هذه السياسات للإطاحة بالكتاب والمكتبات، وتشكل سفينة النجاة العنيدة له ولكتبه وزبائنه. يصر عياد على التفريق بينه وبين آخرين، فهو ورّاق أولا وليس بائع كتب أو صاحب دار نشر. هكذا يبدأ حديثه: ‘هناك فرق كبير بين الورّاق وبائع الكتب. فالوراق مثقف مأخوذ بشغف المعرفة والكتابة الجاحظ مثلا اما بائع الكتب فشبيه ببائع الخضار او الفاصوليا. عقله عادي متفرغ لتحصيل المال فقط. الوراقة حرفة أو قل مهنة. لكن في عالم الثقافة والحرف هي اختصاص لا يصادر أي آخر من الاهتمامات في مجال الحياة ولا يتعالى عليها’. عياد أيضا يعتمد على السوق الخارجية، وإن لم يكن ناشرا بل وراقا، كما يقول. ‘ليست هناك أسرار.. بل ان المسألة محددة في أن مكتبة عصام عياد يديرها ويشرف عليها وراق بكل أبعاد المعنى لمفهوم الوراق. أؤكد ان من يحضر لشهادته الجامعية ولا يزور مكتبة عياد قبلا، فإنه لا شك هالك وبحثه موضع شبهة. بالتجربة المثبتة، فلطالما واجهت الكثير من حملة الشهادات وهم ناقصون او مبتورون. حين يزورون المكتبة، يصدمون بتوفر الكثير من المصادر والمراجع التي لم يجدوها او لم يدروا بانها موجودة وهي ضرورية لأبحاثهم. لهذا اطلقت شعار: من لا يمر بمكتبة عياد هناك شك في جدارة بحثه وجدارته الثقافية. لمكتبة عياد نكهة خاصة، فهي كالطبيب الذي يحدد لك الداء ومن ثم الدواء. وهي مكتبة للعلاج الثقافي والمعرفي والنفسي. مشفى او صيدلية معرفية مفتوحة بواباتها على كل عوالم الثقافة. وبالتالي، لا غنى عنها لأي مثقف حقيقي. رحم الله نموذجا كعصام محفوظ، وأطال الله بعمر نموذج آخر مثل الياس الديري. وأخيرا، مكتبة عياد يتابعها الزبائن ويلاحقون ورّاقها للاستئناس برأيه السديد عفوا يا حبيبي ليس هناك من ادعاء’. ويقدم ملحوظة عن زبائنه، فيتابع: ‘أكثر زبائني من النساء، حيث تبلغ نسبتهن 70 ‘ إلى 30 ‘ هي نسبة الزبائن الذكور. أنا أتمتع بشخصية ساحرة تغلف كل من تطأ قدمه أرض المكتبة، وبالأخص الإناث. وهذه الميزة تنتج صيرورة عملية يتواطأ فيها الساحر مع الزبونة على قاعدة أن النساء في المجتمع العربي يقرأن أكثر من الرجال وخاصة في ما يسمى بالمجتمع البدوي. فهناك من بلاد الخليج العربي مثقفات وقارئات ومتعطشات للمعرفة وكوني متمكنا من حرفتي واثق الخطوة أمشي ملكا بلا ادعاء في الثقافة والمعرفة، فإن تواطؤا كبيرا يؤدي إلى ان تتم عملية البيع والشراء بيني وبين الزبونة، ما يشكل نافذة لي على صديقات هذه الزبونة ورفيقاتها ومجايليها ومجايلاتها وأترابها، ويؤدي بالتالي إلى اتساع مساحة الزبونة عندي، فيأتين للاستئناس بشخصي والنهل من عمق معرفتي وثقافتي. أما بالنسبة لقطاع الذكور، فهم شاؤوا أم أبوا، يستسلمون لما يريد هذا البائع، وما أن يتفوه ببضع كلمات او جمل حتى يشعرون بانهم أمام شخصية فريدة، نادرة ومتميزة تنطق وتتكلم وتعي تماما وبدقة ما تعنيه في كل جملة يتم قذفها بوجه الزبون كنوع من استعراض العضلات الفكري على قاعدة ‘أنا أتكلم إذن انا موجود’ و’أنا أتكلم إذن أن معتقلك وقاتلك’ فيسلِّم الزبون بالأمر الواقع ويطلب مني بالتالي المشورة في اختيار الكتب المناسبة لتعميق معرفته’. لكن عبودي ابو جودة لا يتفق وعياد في هذه النقطة، فالاول غير مقتنع بأن هناك ‘قارئا سليما’ في لبنان، ‘فلنقل انهم محدودون جدا. القراء مثلا يحصلون على كتبهم من دور النشر وذلك لأسباب اقتصادية. بيروت صغيرة جدا، وبالتالي فإن تقارب المناطق جغرافيا في هذه العاصمة يمكّن الزبون من الذهاب مباشرة إلى دار النشر بدلا من المكتبة. أو قد ينتظر معرض الكتاب السنوي. من هنا، لا نستطيع أن نقيِّم تفاعل القارئ مع الكتاب عبر المكتبة، لأنها ليست المصدر الاول لكتبه. المكتبة ليست الميزان. الميزان الحقيقي هو المغترب الذي يأتي مباشرة إلى المكتبة فلا يهمه توفير القليل من الدولارات. أكثر الكتب اهمية في لبنان لا يتجاوز في مبيعاته الـ200 او الـ 300 نسخة. هذا مع احتساب حفلات التوقيع’. أما زميله أحوش فيبدو اكثر تفاؤلا ويبرر الأمر بخصوصية العلاقة بين مكتبته والقارئ ‘بيسان استطاعت أن تكون مرجعا للقارئ ليس البيروتي بل حتى لذلك القادم من مناطق وقرى مختلفة من لبنان، لأن المكتبات في تلك المناطق لم تقو على الاستمرار واضطرت، إما مرغمة تحت وطأة الظروف الاقتصادية القاسية والإغراءات المادية أو لأنها لم تعد قادرة على متابعة الجديد في الأدب والثقافة والمعرفة، إلى الإقفال. السوق إذن يأخذ حجمه، وهو ما يحول الزبون من وجهة إلى أخرى. كما أن المكتبة تقدم للزائرين تسهيلات وخدمات مختلفة تعتبر رصيدا إضافية لنا جميعا وتحفزنا على الاستمرار’. لكن ماذا يقول هؤلاء في ما درج عن أن ثقافة مثقفي بيروت شفوية؟ بالنسبة لأبو جودة فـ’اللبناني بشكل عام لا يدخل المكتبة، ومن يدخلون المكتبات مقسمون في ثلاث لغات (عربية، إنكليزية وفرنسية). أما القراء اللبنانيون والمثقفون، فيحصلون على الكتب بدون مقابل لان الناشر يعتمد للترويج لكتابه إرسال الكتب الصادرة حديثا إلى هؤلاء، أملا بمقال نقدي او مراجعة ادبية حول الاصدار الجديد في الصحيفة هذه او تلك. وهي على كل حال وسيلة متعارف عليها بين الناشرين والصحافيين على السواء. هناك جانب من هذا الكلام صحيح، اشعر ان اكثر المثقفين في بلادنا هم إعادة انتاج للثقافة الغربية. هم يعتمدون اصلا على هذه الثقافة. وحتى 90 ‘ من الشعراء الكبار إن شئت، يعيدون ويقدمون هذه الثقافة الحديثة وما بعدها إلى القارئ وهي كلها متناقلة ومتداولة عن الغرب. رواية لجبور الدويهي مثلا تلقى صيتا طيبا جدا وشهرة في الخارج قبل أن تقرأ هنا. على الكاتب أن يتسلل خارج لبنان ليعيد القارئ اللبناني اكتشافه. هذا إذا استثنينا شبكة العلاقات الخاصة والتي تقام بين الناقد والكاتب. يكتب هؤلاء عن بعضهم مثلا محولين الامر إلى تجارة وليس ثقافة. وهذا ما يوجه المشهد الثقافي نحو حيز ما. وهو بالتالي ما يفقد الناقد مصداقيته. النقد، باعتقادي، انتهى منذ الستينات. لم يعد هناك نقد، بل مديح متواصل ومتصل كسلسلة. فمراجعات مارون عبود الفكرية، وسهيل ادريس وميخائيل نعيمة، لم يعد هناك ما يوازيها. اختلفت الاشياء الآن والمعايير كذلك. قلة من المثقفين تأتي طلبا لكتاب جديد أو لحاجة إلى مرجع معين. كما هناك المحترفون من الجامعات. أما من يعتبر نفسه مثقفا (بالمعنى الدعائي للكلمة) فلا نرى وجهه إطلاقا. أنا لم اعتد القراءة عبر المنزل. لم يكن عندنا ثقافة تربوية تعنى بالكتاب في المنزل. لكن ابي كان يخبرني الكثير من القصص الشعبية المتناقلة شفويا كالزير سالم وحكاية 1860 التي لا تجدها في كتاب. نحتاج إلى سياسة تربوية تعنى بالكتاب، ومع كل احترامي للإرث الشفوي، إلا أن المادة المكتوبة هي وحدها ما يبقى. نجيب حنكش كان من اعظم الحكواتية، لكن ماذا بقي منه؟ العديد من السياسيين موجودون لانهم تركوا اثرا مكتوبا وليس بسبب نشاطاتهم السياسية. نحن نعيش شفوية المثقف الذي ما ان تغادر صورته المدينة حتى يُنسى كالشاعر الكبير وديع سعادة الذي قلما التفت احد لشعره في لبنان وذلك لانه ليس ‘في الواجهة’. أما عيسى أحوش، فيبدو في إجاباته متمهلا ودبلوماسيا. يقول ‘يأتي بعض المثقفين إلى المكتبة، وهناك من يكون مهتما بمتابعة كتاب ما لسبق صحفي. أعتقد أن المشكلة عامة أكثر وتتعلق بواقع أن الصحف والوسائل والمؤسسات الاعلامية لا تعتمد ميزانية معينة للكتاب والاهتمام به بوجه خاص، أو بالشأن الثقافي، والأسباب معروفة وتتعلق كلها بالصعوبات المادية. والمجتمع بأسره، لا يهتم بالثقافة ولا بإنتاج جيل أدبي ذي ركيزة ثقافية بل نجد أن عملية استيلاد جمهور معين ذي توجهات محدودة واستهلاكية هو محور الاهتمام الأبرز. في المكتبة نتعاطى بشكل مريح مع كل الافكار والمعتقدات. فالمكتبة مكان لبناء حرية الرأي وتفعيله. بالكتاب، تتمكن من البناء بهدوء، على خلاف الجريدة أو الوسيلة الإعلامية البصرية التي تبدو مادتها سريعة ولا تتمكن من غرس أساساتها في نفس القارئ ولا فعل ما يقوم به الكتاب’. ويستطرد بالقول ‘لا اوافق على تسمية (مقاه ثقافية)، فمقاهي الحمراء التي أقفلت، لم يكن روادها المثقفون إلا من ذوي الطبقة الميسورة الحال. المثقفون ‘العاديون’ لم يكن باستطاعتهم المجيء وشرب القهوة في أي مقهى في شارع الحمراء. ليس الامر متعلقا بتغييب المقاهي الثقافية في شارع الحمراء، فلنأخذ مثلا المواطنية في لبنان، لقد تم تغييبها بالكامل ولم ينتج عن الامر أي ردة فعل من قبل المثقفين. فأي دور يتبنى هؤلاء اليوم للتأثير في مسار الشأن اللبناني العام؟ ما هو تعريف المثقف؟ إذا كان الامر مقتصرا على أن المثقف هو من يحمل كما من المعلومات ومخزونا معرفيا وفكريا، فبالإمكان استبداله بجهاز كومبيوتر. برأيي أن المثقف هو من يختار نهج حياة فيلتزم به ويناضل من أجله. وهكذا يصير ممكنا التفريق بين مثقف مخزن المعلومات والمثقف الذي يؤدي مهمة نقل مجتمعه من مطرح إلى آخر. الثقافة مسؤولية’. عصام عياد يتخلى عن الدبلوماسية في أجوبته المباشرة والصريحة ‘منذ متى كان شارع الحمراء ذا طابع او بعد ثقافي؟ شارع الحمراء معروف بمقاهيه وشهير بمحلاته الانيقة وأرصفته الجميلة، ومشهود له تاريخيا كشارع تجاري حساس وحسب. لعله الآن يستعيد عافيته كشارع مفعم بالحيوية الاقتصادية ومنها تجارة الكتب. إذن التغيير الحاصل الىن هو استعادة لمجد سابق تضعضع بفعل تبعات الحروب المختلفة. وبهذا المعنى فهو عامل جذب للشرائح الاجتماعية المتنوعة والمتعددة الجنسيات وهنا تكون الاستفادة القصوى للمكتبات في استقبالها واستيعابها لدماء جديدة أقصد زبائن جددا. كنت أسمي هذا المثلث بمثلث الرعب الثقافي تبعا لاحتضانه جماعات من المثقفين الذين يعانون من مصاب العجز الجنسي الثقافي حيث تسود النميمة والعنعنة واستمناء الثرثرة. الويمبي والمودكا والكافيه دو باريه مثلث الاخصاء الثقافي، فأية ثقافة علينا ان نتوقع من هؤلاء المثقفين رواد هذا المثلث؟ السطحية؟ التواطؤ؟ المؤمرات الثقافية؟ استباحة أعراض ثقافة الجد وعمق المعرفة الواسع؟ نعم. هناك شريحتان: المثقفون وما يسمى بالمثقفين. الاولى فئة قليلة أو ضئيلة، والثانية كبيرة جدا وتزداد توسعا واتساعا في ضحالتها واميتها الثقافية. مثقف الصفحات الثقافية لا يشكل استثناء، اي انه ليس خارج هذا التصنيف. طبعا هناك مثقفون ومسؤولو صفحات ثقافية معتبرون وعميقون، إنما قلة قليلة. وهناك اميون لا يشترون كتابا ولا ممن يقرأون. إلا أن الطابع الاعم والأشمل أن هناك في الساحة الثقافية في لبنان سيطرة للجهلة وأشباه المثقفين بامتياز. أو استحواذ المثقف التقني الأمي على سلطة الثقافة. أنا كوراق، جئت من باب الثقافة والسياسة إلى حرفة الوراقة وكانت هذه الحرفة على حساب حرفة الكتابة التي تراجعت إلى الوراء بحكم عوامل مختلفة منها خيبة تجربة البائع في السياسة وما لاقاه من ضحالة يتمتع بها جيله من المثقفين باستثناء البعض القليل الذين هم بالفعل قراء نهمون ومثقفون يعملون على استيعاب ما يقع بين أيديهم، لأنهم أصحاب مشكلة لها علاقة بالفلسفة والميتافيزيقيا وهو الجواب عن سؤال الغاية من الوجود. أما الآخرون فيتعاطون الثقافة كوسيلة عيش للبيع والشراء وبالتالي دون تخصص ودون إبداع ودون أدنى اهتمام بتطوير النفس وبالتالي المحيط، ولهذا فإن تأثيرهم غباري لا اكثر. وهم يبدون في هذه المدينة كقامات فكرية، إلا أنهم كائنات زجاجية مصنوعة من الملح’. ويلخص أبو جودة الخطر الذي يهدد مكتبات الحمراء قائلا ‘المكتبات التي أقفلت في الحرب لم تعد إلى الواجهة ليس لأنها لم ترد العمل بل لأن ما عرض عليها من مبالغ ضخمة في مقابل عجز المالك على تأمين المال لاستئناف عمله وإصلاح محله أو شراء موقع لانشاء مكتبة جديدة. هناك هجوم للمكتبات الكبيرة التي تعمل بعقلية السوبرماركت كالفرجين مثلا والمولات. وإن بقيت هذه الامور على هذا المنوال فسينتهي مشروع المكتبة لان قراءة الكتاب أصبحت متاحة بواسطة الانترنت، لكن الاشكالية الطريفة هنا هو أن معدل سن القارئ هو فوق الخمسين بينما معدل سن مستخدم الكومبيوتر هو ما تحت الخمسين، فكيف يمكن الجمع بينهما؟ لا نستطيع تحميل الدولة مسؤولية الانحلال الثقافي، فالدولة تتعاطى مع المكتبة كما تفعل مع أية مؤسسة تجارية. على الدولة تامين الخدمات الاجتماعية واللوجستية والامنية الاساسية. المشكلة أن تعاطي الدولة معنا كما تتعاطى مع مؤسسة كبيرة يعتبر إجحافا لجهة الرسوم والضرائب ولأننا لا نبغي الربح كما هو معروف ولا سبيل لهذا في عالم الكتاب في لبنان. صحيح أن الكتاب معفى من الضريبة المضافة، لكن هناك مشكلات جمة في الخدمات. الناس يقومون ببيع أملاكهم العقارية في المدينة، وجشع رأس المال يخترق مفاصل الشارع والمحل والمنزل وحتى المكتبة. العرض والطلب على العقارات لم يعد ممكنا وهو يهدد استمرارية المكتبات وينذر بإقفالها نهائيا’. ويوافقه الرأي في بعض التفاصيل زميله صاحب دار بيسان ‘هناك مكتبات تحولت إلى مصارف نتيجة عجزها المادي أو المقابل المالي الهائل الذي تلقته لإخلاء موقعها. وهذا على كل حال نتيجة الارتفاع الجنوني لبدل الايجار في بيروت. السؤال ليس بسيطا هنا بل يمكننا من خلاله التفكير للبحث عن دور ما في هذه المدينة. إن كنا سنوافق على مسألة انحدار المهنة بشكل عام وغياب القارئ، فإن علينا عدم تجاهل أن هناك مكتبات تحولت إلى الكتاب المدرسي تحديدا أو الهدايا التجارية الرخيصة ولم تعد مكتبات تعنى بالكتاب والثقافة بل باتت أشبه بالسوبرماركت. السوق يأخذ حجمه على الدوام وأشدد على هذه النقطة’. لكن كلا الرجلين متفائل رغم كل ما أورداه. يقول أحوش ‘لا أسمي من يأتي للشراء زبونا، بل صديقا. نحن راضون عن عملنا ومتفائلون بالمستقبل. وفي ظل وجود هذا التنوع المديني الهائل والمرتبط ارتباطا وثيقا بحركة السياحة، لا أعتقد أن منطقة الحمرا – رأس بيروت تستطيع أن تتخلى عن وظيفتها الثقافية’. وهو التفاؤل عينه الذي يشدد عليه أبو جودة، وإن شابه بعض التحفظات ‘أنا متفائل بالكتاب ودوره، وهناك بالفعل كتاب جدد لكنهم يتعاطون مع الأمور من خلفية معينة، ضيقة، ودون حرية فكر حقيقية. لم تعد الحرية الفكرية ممكنة في لبنان، وهناك الآن محرمات وهو ما يعيق عمل الكاتب. منذ اصبح الأدب يتقاضى ثمنا أصبحت الرقابة الذاتية اقسى من رقابة الدولة، ليس هناك أفق للنقاش. ولهذا فإن هناك الكثير من الخصومات في هذا المجال. شاعر قومي سوري وشاعر شيوعي لا يلتقيان على سبيل المثال’. اما الوراق عياد، فيقول ‘لو أتيح لي إلغاء سبب من أسباب تردي القراءة في العالم العربي من الوجود، فإنني ألغي النظام السياسي السائد ومثقف السلطان’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية