■ رغم سقوط عدد كبير من الشهداء في غزّة والدمار الهائل واستمرار انقطاع الكثير من أسباب الحياة عن سكانها على سبيل الضغط على المقاومة فيها؛ إلا أنّ ما تعرّض له الكيان الغاصب يفوق بكثير ما نال من الغزاويين، فعند صاحب الأرض يسقط كل شيء من حسابات الربح والخسارة، في ما خلا الأرض.
أما المحتل فربما حبس أنفاسه لبضع ثوان عن هواء ما يحتل يندرج في قوائم الخسران، القيمة المعنوية والإعلامية لضربات المقاومة تفوق آلاف المرات آثارها المادية وإن كانت غير قليلة؛ فما زالت صورة إسرائيل الوحش العسكري الذي لا يُدانى قوة تتحطم يوماً بعد آخر، ويظهر عجزها أمام رعاتها ومستوطنيها، ولكــــن تظلّ ردّة فعـــــل المقاومة على العدوان الصهيوني الأخير وتصديها له خطوة على طريق التحرير الطويل الذي يفرضه الواقع ويصدّقه التاريخ.
إسرائيل تعرف أنّها وصلت لأقصى حدودها ولا تنقص سياسييها ومخطّطيها الإستراتيجيين الحنكة، كي يتيقنوا أنّ خط دولتهم البياني بلغ نهايته العظمى من زمن، وعلى الرغم من استقراره النسبي الحالي فإنّ المستقبل ينبّئهم بالاتجاه إلى السقوط الحتمي، ولا يزالون يدفعون عنهم ذلك المصير المؤكّد بعملهم الدؤوب، لكن ليس في غزّة وإنّما في دول المنطقة وعلى رأسها العربية؛ تسعى إسرائيل لضرب المقاومة في غزّة وما برحت تحاول تدمير بنيتها التحتية والنيل من عزيمة سكانها، بما يخلّفه إجرامها المتواصل من قتل وتدمير وفقر وتشريد لا ينقص أهلها شيء منه، في ظلّ حصار النظام المصري المستمر عليها أيضاً، وهي لا تزال تحاول التعايش مع وجود المقاومة، بعد فشلها في القضاء عليها بشتى السبل والتحالفات فلا أجدى لها إذ ذاك من استمرار الحصار وتوجيه ضربات عسكرية كل عدة شهور؛ تراقب إسرائيل تطور المقاومة بحذر وعينها على مصير الأنظمة العربية لتبقى قواعد أمن إسرائيل ومنابع الإكسير الذي يمدّ في عمرها بعيداً عن القطاع الصامد؛ إنّ الأسوار التي ما برحت تذود عن هذا الكيان الغاصب تقبع في قصور أنظمة المنطقة العربية، وحتى غير العربية، ممن يجاور العرب في شرقهم النفطي المعذّب، وأولهم الذين يجهرون بالعداء لإسرائيل، في حين يخفون في صدورهم ما لا تبديه ألسنتهم، وهذا ما فتئت تبرهن عليه أفعالهم بدلائل أسطع من شمس الصحراء في ما يقترفونه بحق أبناء المنطقة لتبقى إسرائيل سالمة إلا من تصريحاتهم الإعلامية الجوفاء المبتذلة، وكل ما يفعلونه على الأرض ويؤكدون أنّه يمثّل مصالحهم هو ما يقر عين إسرائيل التي لم تصل في أقصى أحلامها الوردية لجزء منه، فما هذا التقاطع السريالي في مصالحهم؛ عقد اجتماع طارئ لبرلمانيي المؤتمر الإسلامي في طهران، بحضور ممثلين عن نظامي الأسد والمالكي، ندّدوا في ختامه بالعدوان الصهيوني على غزّة، في الوقت الذي لا يزال يقترف فيه قائد «فيلق القدس» في سوريا أفظع من الجرائم الإسرائيلية التي خلصوا لإدانتها؛ إلى متى نظلّ نتلقى الديماغوجية ونهلّل لها، لا بدّ من تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، فحركة التاريخ والأحداث المتسارعة من حولنا لن ترحم سلبيتنا هذه. بعد استلام حزب الله في لبنان لترخيص «مقاومة إسرائيل» تمتّ تصفية كل حركات المقاومة بدءًا من الإسلامية والشيوعية، وصولاً إلى القومية منها، ودخل الحزب عملياً في حرب مع جيش العملاء لينتهي به الأمر حارساً لحدود تضاهي في سكونها هدوء حدود الجولان السوري، اعتراف هنري كيسنجر في مذكراته بخوفه على مصير نظام الأسد الأب في حال فشله في التدخل في لبنان، لا يدع للشك مكاناً في مهمة ذلك التدخل الذي حارب أغلب الفصائل الفلسطينية وأرغمها على اقتفاء آثار أجدادها الهلاليين في ربوع تونس، بعــدما طردها النظام الأردني سابقاً ليكتمل مشهد إبعـــادها عن حدود وطنها المفدى؛ قبل أن يمـــلّ قادة الفلسطينيين مع أغلب شعبهم من انتظار التحرير من الخارج الذي وعدتهم به كذباً كل القـــمم والأنظمة العربية، منذ اليوم الأول لنكبتـــهم فانخـــرطوا في انتفاضتهم الأولى، ثمّ ما لبثــــت أنّ ضلّت سفينتهم الطريق وتكسّرت على صخور أوسلو، ثم كانت انتفاضة الأقصى، ولعلها كانت صحوة متأخرة وتراجعا عن أحلام السلام مع المغتصب، ولكن ما لبثت إسرائيل أن احتوت انتفاضة الأقصى، وبذلك تمّت تصفية جزء مهم وأساسي من المقاومة الفلسطينية. في هذه الأثناء برزت تنظيمات عارضت السلام وظلّت قابعة في أحضان النظام السوري، قبل أن تفضحها الأحداث المستمرة في سورية وتظهرها على حقيقــتها بفكـــرها وتصرفاتها الشمولية، التي اختزلت وطنا معذبا لا يزال ينزف منذ ســتّة وستين عاماً مثل فلسطين بقائدها المفـــدى، واقترفــت بالفلسطينيين أفظــع مما تفعله إسرائيل عادة بهم، في حين لا تزال تثبت الأيام نزاهة حركة المقاومــــة الإسلامـــية حمـــاس، يبـــرهن عليه وقوف قادتها إلى جانب الشعــوب العربية الثائرة، ولم تمنعهم مصالح المقاومة المرحلية من الصدح بالحق، وأكّدت الوقائع أنّهم ليسوا ورقة بيد أحد ولا يخضعون للابتزاز.
لن تقدم إسرائيل على اجتياح القطاع حالياً؛ يمنعها توقع الكم الكبير من الخسائر التي لا تقدر على دفعها، إضافة لتيقن قادتها من عدم جدوى خطوة كهذه، فالمقاومة في غزّة ليست أشخاصا تنتهي بانتهائهم، بل هي فكر في العقول وعزيمة في الصدور قبل أن تكون سلاحاً في الأيادي، ولكنها تستطيع اقتحام غزة بغطاء ومساعدة أمريكية، في حال وجود خطر جدي ومباشر يهدّد استمرار وجودها، بغض النظر عن الخسائر التي ستتكبّدها؛ وليس أمام مفكري إسرائيل وخبرائها حالياً إلا التعلّم من عدوانهم على غزة وإيجاد حلول للتعايش مع واقع وجود المقاومة في غزة، ويبقى تركيزهم الإستراتيجي على بقاء أنظمة المنطقه أو استبدالها بالأسوأ، أو عمل أي شيء آخر يبقي تلك الدول خارج دائرة الصراع مع إسرائيل.
يستخدم الحصار ويروّج لإنهائه واستبداله بانفتاح غزة على العالم عبر ميناء عائم، وما سيجره ذلك وغيره من رفاه لطالما حرم منه سكان القطاع، يقصد بهذا الحديث اهل غزة الأبرياء الذين أنهكهم كل شيء ودب الضعف في بعضهم؛ فماذا يمكن أن تتوقع ممن يعيش الحرب والقتل والفقر نازحاً وقد دمر بيته وضاع سبيل رزقه؛ لكن ذلك لن ينجح، فقادة المقاومة ماضون في ما يبدو، يزدادون صلابة وقوة رغم الحصار؛ وكما قال الشيخ أحمد ياسين يوماً اليأس لا قيمة له، فإذا كان قادة المركب لا ييأسون فإنّ الناس يتبعونهم أينما ساروا.
إلى اليوم ما تزال شعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب السوري تدفع فاتورة تحرير فلسطين، وما التخاذل الدولي في كفّ يد نظام الأسد عن سوريا وشعبها المعذب، إلا خدمة لإسرائيل لا يزال يستفيد منها النظام والطريق إلى القدس يمرّ من ساحة الأمويين.
٭ كاتب سوري
بشار عمر الجوباسي