فراس ابو هلال شهدت الوسائل الإعلامية العالمية والعربية والفلسطينية خلال الأيام الماضية معارك كلامية مفتوحة بين قيادات فتحاوية كبيرة، بعد أن نشرت صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ اليمينية الأمريكية مقالا يناقش تصريحات لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح والوزير السابق ناصر القدوة، انتقد فيها الأداء السياسي للرئيس عباس.
المقال الذي نشرته الصحيفة الأمريكية عرض القدوة لهجوم إعلامي، نفذه المحرر السياسي لوكالة الانباء الفلسطينية ‘وفا’ التي تتبع الرئاسة الفلسطينية، حيث اتهم المحرر السياسي القدوة بقيادة تكتل فتحاوي ضد الرئيس عباس، وهو ما استدعى ردا شديد اللهجة من القدوة هاجم فيه المحرر واتهمه بتجاوز الدور الإعلامي المطلوب منه.
وحسب صحيفة ‘القدس العربي’ فقد تزامنت هذه الملاسنات الصحافية مع الأنباء عن خلافات بين الرئيس عباس ومفوض الإعلام في حركة فتح محمد دحلان، الذي يوجه في مجالسه الخاصة انتقادات دائمة لطريقة أبو مازن في إدارة المعركة السياسية مع إسرائيل، وهو ما أدى إلى سحب جزء من الحراسة الأمنية المخصصة لحماية مقر إقامة دحلان في رام الله.
الخلافات الفتحاوية ليست جديدة، وطريقة التعاطي معها أيضا ليست جديدة، وإذا ركزنا الحديث على الفترة التي تولى فيها الرئيس محمود عباس المسؤولية، فإن من الملاحظ أن عباس الذي حاول طوال فترة قيادته الظهور بمظهر القائد الديمقراطي ‘الزاهد’ في السلطة، كان فعليا ينتهج أسلوبا يجمع بين الاستئثار في اتخاذ القرارات الاستراتيجية مع دائرة ضيقة من المستشارين المحيطين به، والتعامل الشديد مع معارضيه من حركة فتح والفصائل القريبة منها، من خلال حرمانهم من الامتيازات المالية والأمنية التي يتمتعون بها.
وبعيدا عن التركيز على طريقة تعامل الرئيس عباس مع معارضيه من فتح والأمثلة الكثيرة على ذلك، فإن المشكلة الأساسية التي تؤدي إلى ظهور خلافات فتح إلى السطح بين الفينة والأخرى، هي طريقة اتخاذ القرار في الحركة، وتمركز السلطة في مؤسسة الرئاسة على حساب الهيئات الحزبية والتنظيمية الأخرى، ما يجعل الأعضاء القياديين في فتح يلجأون لنقد سياسة عباس وللتعبير عن سخطهم عبر الإعلام، ما دامت الهيئات القيادية التي من المفترض أن تتم فيها مناقشة هذه السياسة معطلة ومهمشة. وعندما يتم الحديث عن القرار الفتحاوي فإننا نعني بشكل رئيسي القرارات الاستراتيجية التي تتعلق بمصير وخيارات الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، وليس عن القرارات التنفيذية التي من الطبيعي أن تكون في يد جهة تنفيذية مثل مؤسسة الرئاسة، في حين أن الخيارات الاستراتيجية يجب أن تقر في الهيئات التشريعية والاستشارية التي تمثل أعلى السلطات، كما يحدث في جميع أنحاء العالم.
إن خطورة ما يحدث في طريقة اتخاذ القرارات الاستراتيجية من قبل الرئيس عباس من دون تفعيل الهيئات القيادية، هو أن هذه القرارات تنعكس بشكل مباشر على مجمل القضية الفلسطينية والمشروع الوطني، باعتبار أن السلطة التي يرأسها عباس هي من تقوم بمهمة التمثيل السياسي للفلسطينيين في العلاقات الدولية وفي الصراع مع دولة الاحتلال، سواء أقررنا بشرعية هذا التمثيل أو لم نقر بذلك.
لقد اصبح القرار الوطني الفلسطيني منذ سنوات طويلة رهينة بيد فتح، بدل أن يكون محل إجماع وطني، أو توافق فصائلي تشترك فيه كافة الفصائل، سواء تلك التي تنتمي لمنظمة التحرير الفلسطينية أو التي لا تزال خارجها، وهو الآن ـ أي القرار الفلسطيني ـ صار بقبضة الرئيس عباس الذي يتحكم بخيارات الشعب الفلسطيني من دون أن يشرك حتى الهيئات القيادية الفتحاوية في تحديد هذه الخيارات، ما يجعل قادة فتح يرفعون صوتهم للتعبير عن غضبهم، ولكن هذا الصوت وهو يظهر عمق الخلافات الفتحاوية، فإنه في نفس الوقت يذكرنا أن القرار الوطني الفلسطيني مستلب، وأن من يتحكمون به لا يشركون باتخاذه حتى أقرب المقربين لهم.’ كاتب عربي يقيم في لندن