لماذا تأجل مؤتمر الحزب الحاكم في مصر؟

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

فجأة يصدر حسني مبارك قرارا بتأجيل انعقاد مؤتمر الحزب الحاكم؛ من التاسع والعاشر من هذا الشهر إلى الخامس والعشرين والسادس والعشرين من الشهر القادم. هذا التأجيل كسر نواميس متعارف عليها في سير وإدارة الأحزاب. عقد المؤتمرات الحزبية قبيل الانتخابات ضرورة؛ إقرارا للبرنامج الانتخابي النهائي، واتفاقا على القوائم الأخيرة للمرشحين، وتنظيما للدعاية، واختيار الشعارات المرفوعة فيها، ورصد الميزانيات اللازمة لها. والتأجيل يعني أن المؤتمر سواء عُقد أو لم يعقد بلا قيمة. فقد ثبت أن الحزب في الأصل ليس حزبا، ولا السياسة القائمة في حقيقتها سياسة، ولا الانتخابات لازمة. حزب غير موجود، وسياسة بلا معنى، وانتخابات بدون مبرر. فضلا عن أن أروقة الحكم تشهد صراعا حادا، وبين التمديد والتوريث فقد الحكم قيمته، وبين طلب الحصانة والسعي لشراء المقاعد النيابية يفقد البرلمان دوره. والتأجيل ما هو إلا مظهر من مظاهر العجز، وحالة من حالات الارتباك والشد والجذب والاستقطاب لأطراف تتصارع فيها بينها. وفرض التأجيل نفسه بسبب فقدان الانسجام، وانكسار قاعدة التقسيم المتكافئ للغنائم وأنصبة النهب والسلب بين الغرماء. وكانت في السابق توحد بينهم وتقوي علاقتهم وتوسع شراكتهم وتؤكد تماسكهم. وحين اختل ميزان الغنائم وانكشف هول أنصبة النهب والسلب؛ ظهر الحكم وحلفاؤه عراة مجردين مما يسترهم، فدب بينهم الشقاق ووصل التضاد حد سعي كل طرف للتضحية بالآخر، بفعل الأحكام القضائية التي كسبها المواطنون ضد كبار المسؤولين، وبتأثير حملات الصحافيين والإعلاميين الوطنيين والشرفاء. والتأجيل هدنة مطلوبة؛ على أمل تحسين الفرص وإعادة ترتيب الأوراق ورص الصفوف الشاردة والمشتبكة.

وجاء التأجيل مرجحا عدم صحة ما يقال وينشر عن تراجع مخطط التوريث، الذي لم يكن إلا جزءا من مناورات لا تتوقف منذ عشر سنوات، وكلها حامت حول التوريث ولم تنفه ولم تنكره، إلى أن فرضت اعتبارات أخلت بميزان القوى العائلي، وأضعفت قبضة حسني مبارك على مقدرات الأمور، واختل تبعا لذلك ميزان القوى في مؤسسات الحكم؛ من هذه الاعتبارات ما يلي:

الاعتبار الأول: هو الحقيقة التي يراد التمويه عليها وهي أن مبارك الأب لم يعد قادرا على القيام بوظيفته، ويبذل ما فوق طاقته ليعطي انطباعا مغايرا لحالته. في حالته هذه مطلوب منه حسم موضوع الخلافة ومستقبل الحكم. ويعالج هذا العبء الثقيل بالتمييع وعدم الإفصاح المباشر عن تأييد أو رفض التوريث رغم أن المدى الزمني المتاح لا يسمح بالمزيد من المناورات. ولأنه لا يسمح لأحد بالمشاركة في المسؤولية خارج حدود أفراد أسرته الأقربين.. الزوجة والأولاد؛ ذلك يزيد الوضع تعقيدا والأعصاب شدا، بعد أن قامر على التوريث رهانا لمستقبل عائلته ووجودها. فهو نفسه الذي اختار الابن الأصغر برضا الأخ الأكبر ومباركة الأم. ومنحه شرعية زائفة على مبدأ ‘ابني بيساعدني’ على خطى البقالين وأصحاب الورش والباعة الجائلين، حتى ولاة الرئاسة الفعلية. ولأن الرأي المعتمد لديه هو رأي أجهزة الأمن وما زال رأيها يحمل نذير اضطراب متوقع من حسم أمر الخلافة بالتوريث، ومن تتويج الوريث رسميا، وما قد يترتب عليه من ردود فعل غاضبة وعنيفة. وينصحونه بالتأني، وضرورة حساب الهبات المحتملة من الشارع. لذا أصبحت الجهود مشتتة والحسم غير وارد، وبالنتيجة فإن لعنة التوريث أصابت أغلب من نادى بها ودافع عنها، وخلقت خوفا من فقدان الأوضاع التي استقرت لعائلة مبارك وشركائها. وتحت وطأة الضغط حط التمديد من قِبل المتحفظين بديلا للتوريث. ليس قبولا بالأب بقدر ما هو رفضا للابن وقلقا من تصرفاته وانحيازاته، وطلبا لكسب الوقت، وعليه لم يخرج التمديد عن كونه توريثا مؤجلا إلى أن تنجلي الأوضاع فور إعلان نتائج التزوير (الانتخابات) القادم ورسم الخطط بناء عليها. ويبدو أن التزوير هذه المرة يحمل مخاطر من العنف والفوضى. وأصبح تأجيل عقد المؤتمر مطلوبا؛ حرصا على ما تبقى من تماسك بين أهل الحكم، وحصرا لخيار الرئاسة بين الأب وابنه واستمرار المصادرة على أي خيار آخر!! الاعتبار الثاني: ان التمديد والتوريث هما في نهاية المطاف خيار واحد يحصر مستقبل الحكم في سلالة مبارك، وإن بدا من ناحية الشكل خيارا مزدوجا، فقد يسمح بفرص إضافية للمناورة والخداع والتمويه لتمريره، إلا أن المشكلة أنه لا يُمرر؛ يتصدى له رأي عام رافض، وجماعات سياسية وحقوقية تتكاثر وتقوى، ولا تقبل به؛ أفشلت جهودا بذلت وأضاعت أموالا طائلة صرفت على برامج ونصائح ومشورات لشركات علاقات عامة غربية وصهيونية؛ كل ذلك لم ينجح في غسيل سمعة حكم لا تكفيه بحار الدنيا ولا محيطاتها للتطهر، ولم يجعل من التوريث شيئا مستساغا. ومثل مستوى الوعي الذي ارتفع لدى المواطن المصري في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، مثل حائط الصد المعوق للخيار العائلي المزدوج، ومع ذلك يعمل أهل الحكم والمعارضة ‘الرسمية’ المستأنسة على حد سواء على هدم ذلك الحائط. أهل الحكم يتعامون عنه ويحقرونه ويواجهونه بعصا الأمن الغليظة، وفي خدمتها نشاط محموم لتزييف الوعي وطمس الحقائق واعتماد الأكاذيب للتضليل وتخريب الذمم. أما المعارضة المستأنسة فتوجه سهامها إلى صدور المواطنين، باعتبارهم متقاعسين ومقصرين، وتنظر إلى الشعب بازدراء لكونه غير ديمقراطي!! ولو نظروا حولهم لوجدوه ممارسا رفيعا للديمقراطية؛ يلتزم بقواعدها وآدابها وحدودها. ولولا ذلك ما كان قد انتزع ما حصل عليه عنوة ورغما عن أنف أهل الحكم ورجاله. انتزع المصريون حقوقا أذعن لها المسؤولون اضطرارا؛ وتم ذلك باضراباتهم واعتصاماتهم واحتجاجاتهم، التي لا تتوقف على مدار العام. وتحملوا في سبيلها البطش والملاحقة والتعذيب والحصار وقطع الأرزاق. حقوق انتزعت من بين براثن وأنياب منظومة الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار. حراك لا يتوقف، وانتفاضة مستمرة لأكثر من خمس سنوات متصلة. ويأتي تأجيل المؤتمر تعبيرا عن يأس بدأ يتسلل إلى نفوس أهل الحكم، وهم يوشكون على السقوط، ويبدو أنهم يراهنون على الأقدار والصدف، أو على حبل نجاة يأتي من الخارج فينتشلهم، مع أن تجربة شاه إيران وماركوس الفلبين تشي بغير ذلك.

الاعتبار الثالث: إن ضياع هيبة الدولة وغياب دورها قبل تواريها أمام زحف رجال الأعمال واحتكاراتهم، وإمساك جمال مبارك بمقاليد الحكم والقرار، ذلك الضياع لم يبق لهم إلا البلطجة وعصا الأمن. وكانت الدولة؛ حتى في ظل فردية حسني مبارك واستبداده وتبعيته؛ كانت صاحبة رصيد ودور منحها قوة ساعدت في حل كثير من المشاكل وحدَّت من تفاقم الأزمات؛ على أنقاض الدولة أقيمت دويلات وكانتونات ومناطق نفوذ تتصارع وتعلن الحروب على بعضها البعض؛ منها ما ترفع علم حسني مبارك وتردد نشيده. وأخرى تردد يمين الولاء لجمال مبارك. وثالثة تسبح بحمد حرم الرئيس، بجانب حكومات ظل لعلاء مبارك وفريق رجال الأعمال الذي يعمل معه أو لحسابه، وأحمد عز واحتكاراته، ومن على شاكلتهم. وتعددت الأجنحة داخل الحزب الحاكم؛ جناح للتمديد يحركه صفوت الشريف، وآخر للتوريث ويمثله جمال مبارك ولجنته (السياسات) ومليشيات موزعة على أكثر من تكتل، والكل فقد المرجعية الواحدة التي كانت لها الكلمة والقدرة على الفصل في خلافات الفرقاء، وترضية الأخوة الأعداء. نحن في النهاية أمام حكم مفكك، وحزب عاجز، مرجعية غائبة، وهيبة مفقودة، ومعارضة رسمية ضعيفة، ولم تبق إلا قبضة الأمن المرتعشة والمرتبكة والغشوم. وفقدان الهيبة وافتقاد المرجعية الواحدة جعلا من عقد مؤتمر الحزب الحاكم قبيل الانتخابات ضربا من ضروب المقامرة. تعددت رؤوس الحكم، وكثرت مراكز الاستقطاب وتناسلت الأجنحة في الدوائر الحزبية والإعلامية والإدارية والأمنية. وبقيت لحسني مبارك بعض أدواته في مؤسسة الرئاسة؛ بأجهزتها الأمنية (مخابرات الرئاسة)، والعسكرية (الحرس الجمهوري). وبعد ما كانت أغلب الخيوط بيده، ومظهر الولاء الرسمي يتجه إليه؛ تقطعت الخيوط وتوزعت الولاءات واختلطت الانتماءات.

والسؤال هو هل تتنبه قوى التغيير إلى تلك الاعتبارات وغيرها لتحسب حساباتها وترتب خطواتها القادمة. أم أن دوامة الانتخابات وما يحيطها من صخب وضجيج ومعارك غير جادة ولا مجدية؛ أم أن كل هذا يشدها بعيدا؟ ونجدها فرصة لنعيد أمام ناظري وعلى مسامع قوى التغيير تلخيصا لما تطرقنا إليه في مقال سابق (31/ 7/ 2010) استعرضنا فيه حلولا طُرحت وقتها، ومنها رهان على بديل من داخل مؤسسات الحكم؛ يجنب مصر فوضى واضطرابات غير محسوبة، من وجهة نظر هذه المؤسسات. يقوم على اختيار شخصية لها خلفية عسكرية؛ تعيد الانضباط والنظام والقانون للشارع والمجتمع، كخطوة يرونها ضرورية تفتح باب التغيير والديمقراطية سلميا وبحد أدنى من الخسائر. وقتها طُرحت أربعة أسماء هي: عمر سليمان رئيس المخابرات العامة، وأحمد شفيق وزير الطيران والدفاع المدني، وسمير فرج محافظ الأقصر، وأحمد فاضل رئيس هيئة قناة السويس. وإذا كان ذلك قد تم نشره من عدة أشهر فكان يعني وجود دوائر وجماعات معنية بطرح بدائل من داخل مؤسسات الحكم. ومع ما وصلت الأوضاع في ظل استمرار الدعم السياسي والمالي والعيني لرجال الأعمال والسماسرة ووكلاء الاحتكارات الغربية والصهيونية. بقي صنبور النهب مفتوحا دون محاولة واحدة لغلقه. تُرك الفقراء وأصحاب الدخل المحدود دون دعم حقيقي، وأثقِل كاهلهم بارتفاع جنوني وغير مسبوق في أسعار المواد الغذائية والسلع الضرورية، وحرمان كامل من الخدمات والحياة الإنسانية. وعدم استجابة قوى التغيير بالسرعة المطلوبة قد يجهض ما تحقق على الصعيدين السياسي والوطني. عليها الإسراع بطرح البديل؛ بعد ما اتخذت موقفا صحيحا وقاطعت التزوير (الانتخابات)، من أجل قطع الطريق على من يلعبون دور ‘المحلل’؛ مقابل مقاعد مدنسة بالتزوير وملوثة بالتواطؤ؛ لا تغني ولا تسمن، وتضر أكثر مما تنفع في عصر الانحطاط السياسي الراهن. مطلوب التوافق على مشروع وطني يتصدى لمحاولات إجهاض طموح الشعب في الحرية والاستقلال والعيش الكريم والديمقراطية، ومطلوب من المشروع المأمول أن يصل إلى قاع المجتمع بكل قواه وطبقاته، وهم لا يجدون أمامهم إلا مشروعا عائليا مزدوجا. تمديدا أو توريثا. مع أنه مشروع يعاني سكرات الموت، وانتهى في غرفة الإنعاش، ودون بديل وطني، فقد تدب الحياة في المشروع العائلي المزدوج من جديد، أو يأتي بديل آخر من داخل مؤسسات حكم. معروف باستبداده وفساده وتبعيته، وهو خيار غير مأمون!!.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية