تدور هذه الأيام مصطلحات جديدة منها مصطلح حرب العملات، وربما لن يكون هذا المصطلح مفهوما للكثير، ففهم هذا المصطلح قد يحتاج إلى ذوي خبرة بالاقتصاد العالمي أو على الأقل يكون مطلعا على قضايا الاقتصاد الذي له علاقة رئيسية بكل قطاعات الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها.
المشكلة الاقتصادية الأمريكية التي عممت على العالم بدأت تجلياتها الكبيرة بعدما ظن الجميع أن العالم بدأ يتعافى منها ليجد العالم نفسه أمام مطب أكبر مما كان يتوقع، ولنجد أنفسنا أمام تحذيرات من مواجهة مشكلة اقتصادية شبيه بالمشكلة التي حصلت في العام 1931، والسبب الذي يتم الحديث عنه هو وجود حرب عملات تتلخص في تخفيض أسعار العملات من أجل رفع أسعار السلع الخاصة بدولة ما من أجل مصلحة سلع تنتج في الدولة التيتخفض سعر عملتها.
منذ فترة طويلة وأمريكا تطالب الصين برفع سعر عملتها، لأن أمريكا لم تكن ترغب بتخفيض سعر عملتها لأنها كما يتحدث الخبراء الدولة الوحيدة المستفيدة في كلا الأمرين عندما تكون عملتها مرتفعة او منخفضة، لكن كما يبدو وفي ظل العجز التجاري الكبير مع الصين وفي ظل الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الولايات المتحدة الأمريكية.
ومعظم هذه الديون ملك للصين فإن ضعف الدولار يخفض قيمة هذه الديون وبدرجة كبيرة ليس هذا فحسب، فضعف الدولار يعني إيجاد بيئة ملائمة لنمو الصادرات الأمريكية مع تأثير محدود على الصادرات الصينية بسبب عوامل أخرى لا زالت تتحكم بها الصين دون غيرها، ومن المستحيل منافسة الصين من خلالها وتتمثل برخص اليد العاملة الصينية وتوفر المواد الخام داخل الأراضي الصينية والشيء الوحيد الذي يؤثر على قدرة الصينالتنافسية هو الطاقة التي أصبحت الصين أكبر مستهلك لها وتعتمد اعتمادا كليا على الواردات، وفي ظل انخفاض سعر الدولار فإن أسعار الطاقة ترتفع وتؤثر سلبا على القدرة التنافسية للمنتج الصيني الذي لا يزال قادرا على المنافسة، ولكن لابد من أن يتأثر على المدى المتوسط والبعيد في حال استمرار ما يسمى بحرب العملات.
الصين دولة قوية وتمتلك موارد بشرية وتأريخا وحضارة يجعل أمر الدخول مع الصين في حرب تقليدية ضربا من الجنون قد جربته اليابان وكانت النتيجة تكبيد الجيش الياباني خسائر فادحة، لذلك من يريد أن يحارب الصين يبتكر حروبا غير مباشرة، الغرض منها الحد من قدرة التنين الصيني كهدف مقبول أو القضاء عليه إن أمكن، وهذه الحرب غير التقليدية وغير المباشرة كانت بريطانيا قد استخدمتها في ما سمي بحرب الأفيون، التي استهدفت جر الشباب الصيني إلى الإدمان مما يجعل الشعب الصيني أضعف من أن يواجه أي تحد أو أن يعتمد على ذاته بأي شيء، لكن التدخل الحازم من قبل الحكومة الصينية أفشل هذه الحرب والمعطيات الموجودة على الأرض تقول ان الحكومة الصينية لا تزال لديها القدرة على التعامل مع هذه الحرب الجديدة حرب العملات من خلال خطوات عديدة، منها تنويع احتياطي الصين من عملاتها الأجنبية وتحويل احتياطياتها إلى الذهب كبديل آمن لتهاوي سعر الدولار، وربما لدى الصينيين العديد من الخطوات التي سيفاجئون بها العالم ويخرجون سالمين من هذه المعركة الحديثة كما خرجوا سالمين من حرب الأفيون. جلال الوهبي[email protected]