مطاع صفدي
هل أصبح قتل الناس جماعياً إيقاعاً يومياً، تنطلق منه، وتنتظم حوله مختلف المظاهر الأخرى للحياة السياسية العربية. هل هو الثمن الحقيقي المباشر لما نعرفه عن بطالتنا الحضارية التي تنحدر إلى مستوى العطالة الإنسانية. من السهل القول ان انسداد كل طريق أو وسيلة أمام الحرية، بأبسط معانيها وحقوقها المدنية، قد لا يُبقي ثمّة وسيلةً أخرى للاعتراض سوى تبادل المقتلات الجماعية بين الأطراف المتصارعة؛ فالموت يسبق الحضارة تاريخياً لكنه لن يفارقها لحظة أو حقبة، عبر تطوراتها كلها. وفي الفلسفة أن الإنسان اخترع الحضارة كتحدٍ زمني نسبي، صغير يردّ على التحدي الأكبر الأبدي الذي هو الموت. أفراد البشر فانون حتماً، لكن (إنسانيتهم) قد تكون باقية بفضل ما تنتجه حضاراتهم من أمثلة الحرية والإبداع والعدالة. هكذا يعتقدون.
حين تمسي الحضارة عاجزة عن إنتاج هذه الأمثلة والنماذج، يُقال أن البشر كأفراد وجماعات يفقدون إنسانيتهم. ذلك أن الحضارة المتبطلة هي المصابة بالعجز التاريخي عن صناعة الأحداث الكبرى، وبالعقم الثقافي الذي يفقدها الشعور بتميز عقلها المفكر عن جسدها العضوي الحيواتي. يرتد هذا النوع من البشر تحت وطأة البطالة الحضارية، إلى مجرد كائنات باحثة عن أمنها اليومي، الذي لا يمكن أن توفره لذاتها، إلا بالقضاء على أمن الآخر، بسببٍ من مجرد اختلاف وجوده عن وجودها؛ في هذا المستوى سوف يسترّد الموت آمريته المطلقة فوق كل آمرية (حضارية) أخرى. يصير له المصطلح العامي: الصراع من أجل البقاء حينما تسود الشرعة القائلة أن الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان.
هذا التعريف الخام للإنسان الطبيعي لا يمكن تجاوزه إلا بصعوبة شديدة عندما تخيم البطالة الحضارية على سكان صحاريها. هذا مع الفارق بين الموت الذي لابد أن يأتي الإنسان من طبيعته باعتباره كائناً فانياً يعيش عمراً محددا، ً وبين ذلك الموت الآخر، المقصود الذي يأتي الذئب الأضعف من الذئب الأقوى. أليس من المخيف حقاً أن ننظر إلى مجتمع بائس، وقد تحول إلى قطيع من الذئاب الجائعة، التي ينهش بعضها لحم البعض الآخر. ذلك يحدث أحياناً للبعض من شعوبنا البائسة، وقد يحدث أكثر لمزيد من شعوب أمتنا المنكوبة بأمراضها الذاتية، بأعدائها العضويين في لحمها ودمها، المتنافسين مع أعدائها الخارجيين في المزايدة بالشراسة والدموية المجانية، ما بين هذين النوعين أو الصنفين من فنون الهمجية المطلقة العصرية.
كأنما لم يعد الإنسان العربي يموت موت ربه، باللهجة العامية، بل يموت قتلاً بأيدٍ أهلية أو أجنبية من أخيه أو عدوه لا فرق. يصير القتل جنسية فوق كل الجنسيات، ليس لها من الخصائص المميزة إلا كمية الدم المُراق. والإعلان اليومي عن عدد القتلى والجرحى والمشوهين، أصبح دون حاجة إلى أي بيان عن المقابر الجماعية أو الفردية التي ستتلقفهم. هناك شعوب عربية وإسلامية كاملة معدة للذبح المستدام. إما انها غارقة فعلياً في مستنقعات الموت والنار، أو تنتظر أدوارها المرسومة، أو أن بعضها الآخر لا يعرف بعد كيف يندب أخاه المقتول البعيد، فلا يريد حراكاً في موقعه المستديم.
منذ أن تمّ سلخ العراق عن باقي كيانه العروبي، وعزله في بوتقة الاحتلال، لم يترك الجراحون الأمريكيون والصهاينة مِبْضعاً أو سكيناً لتمزيق لحمه عن عظمه إلا وجربوه. لكن الاختراع الجراحي الأدهى والأقدم في مسالخ الاستعمار، هو في تحويل الجسد المجرح إلى مرتع لمختلف جراثيم التعفن والتحلل، لكي تنمو الجروح وتتغذى من بعضها، فيمسي الجسم المقتول قاتلاً لبقيته، حتى تفقد الجثة آخر آمالها في استعادة جسدها الحيّ يوماً ما.
عندما دخلت النهضة العربية المعاصرة في حقبة المذابح الذاتية، كانت ساحة التجارب الدموية الأولى لتلك الحقبة محصورة في أصغر وأجمل وأحدث أقطار العرب: لبنان. كانت هناك جولة أولى في أواخر الخمسينيات القرن الماضي، لما سوف يُصطلح عليه بالحرب الأهلية العربية، التي ستشكل قريناً ذاتياً لحدثيات النهضة. فالعام 1958، كان لمن يذكره، غاصّاً بنموذجي الحدث الإيجابي النهضوي ونقيضه التدميري معاً، يقعان في تواقت واحد، كفعل ورد فعل. فالإعلان عن قيام ‘دولة الجمهورية العربية المتحدة’، كان بمثابة فتح باب العصر الوحدوي. كان الإعلان حاملاً للنداء التاريخي الأول عن عودة الأمة العربية إلى صلب التاريخ، هكذا تلقّتْه شعوب الأمة في كل مكان وقطر. تحركت جماهير المشرق صوب دمشق، حيثما كان مارد الوحدة متجسداً آنذاك في قامة الرجل الأسمر الذي يصنع التاريخ، وهو يطل ليلاً نهاراً خطيباً من شرفة القصر على وفود الآلاف المؤلفة، الآتية إليه مُبَايعَةً من عواصم الشام الكبرى والرافدين بعد دمشق، أي بيروت وعمان وبغداد. كان ذلك هو الفعل النهضوي التدشيني. وقد تبعه مباشراً رد الفعل عليه من العواصم المدبرة للمقتلات الكونية العظمى: باريس ولندن وواشنطن، وذنبَها تل أبيب، فكانت البداية في الحكم على القسم الأهم والأعمق من الجمهور المشرقي، وهو العراق، بمصير التفتت الذاتي، حينما اشتعلت المهالك المتبادلة بين قطبيْ الانقسام الأيديولوجي الأول، القومي والاشتراكي.
اشتعلت، هكذا، حربان أهليتان في عام الوحدة، في كلٍ من بيروت وبغداد، بمعنى أن الأمر (الدولي) قد صدر بمنع شعوب المشرق عن تلبية النداء الوحدوي، سواء بوسيلة القهر الخارجي (الإنزال العسكري البريطاني في عمان والأمريكي في بيروت)، أو بطريقة التحلل (الثوري) كما في بغداد. فالعنف الدموي الأجنبي لن يبقى خارجياً وحيداً، أو سيد الحراك العلني المكشوف فوق الخارطة العربية. والحكمة الإنكليزية القديمة، كما خطّها قلم فيلسوف دولة العنف (هوبز)، القائلة أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، لا بد من إشراك الضحايا بدماء بعضها. سوف تلقى أفعل تطبيق لها في عهد الاستعمار الجديد الموجه إلى العالم الثالث عامة، من مدخله الاستراتيجي، الشرق الأوسط؛ إذ ينبغي للغرب كيما يحفظ تفوقه المادي والحضاري، ألا يسمح لسواه، وخاصة حضارات الشرق، أن تنعم حتى بالحد الأدنى من سلامها الاجتماعي واستقرارها السياسي، بأن تتمكن من استعادة تملكها ثانية من ثلاثية الفكر والسياسة والحرية. لا بد من إعادة إدخال هذه الأمم العريقة في ديمومة البطالة الحضارية مقترنة بالعطالة الإنسانية في وقت واحد. والشرط المركزي والمثالي لإنجاز هذه الاستراتيجية، هو تفعيل شريعة ذئبية الإنسان فرداً وجماعة، بصرف النظر عن أية مسوغاتٍ ضرورية أو مفتعلة.
منذ سقوط التجربة الوحدوية الأولى أصبح مستقبل النهضة محفوفاً بأخطار انبعاث نقائضها الذاتية الداخلية، معطوفة على تهديدات نقيضها الخارجي الأكبر الذي هو الغرب الاستعماري؛ فقد مضى على اندثار حلم الوحدة حوالي نصف قرن، لكن كل ما أتى بعد هذا الحلم من محاولات الاستعادة بشتى عقائدها الأيديولوجية وتجاربها السياسية والاجتماعية، المتنازعة فيما بينها، كانت آيلة جميعها في النهاية إلى الحال الراهنة الموصوفة بالبطالة الحضارية… ومع ذلك نقول: هذا العصر العجيب الصاخب يظل متشبثا باسمه التاريخي الأصلي، كونه عصر النهضة الجديدة؛ فهو على الأقل يحفظ من دلالات النهضة ذلك الحيز الدقيق والحاسم الفاصل حتى الآن ما بين البطالة الحضارية وقرينتها العطالة الإنسانية، المؤجلة إلى حين مجهول.
حاكمية الدم المفروضة على مفاصل هذه النهضة كان رهانها الأساسي استمرارَ الإضرار بإنسانية مجتمعاتها.. (أي النهضة)، بأسلوب تعميق الهاوية بين الفكر والسياسة، بحرمانهما معاً من الثالث المرفوع بينهما: الحرية؛ حيثما يتحالف الاستبداد بنوعيْه الأهلي والأجنبي الغربي، مع الانحطاط المتوارث والمتجدد تلقائياً، فإنه لن يتبقى للنهضة من حقوقها (المثالية) المغدورة، إلا هذا الحق الأخير في المشاركة الكونية بالاعتراض على شرعة الأخوة الذئبية بين البشر؛ كأنما ليس ثمّة مصير نهضوي حقيقي للنهضة العربية، إلا من خلال تحولات إستراتيجية التاريخ الكوني في ذاته، وليس فقط فيمن يدعي تمثيله أو صنعَ أحداثه أو الضربَ بسيفه، أو النطق بلسانه، على طريقة معظم مثقفي المركزية الغربية.
لم يعد يحق للغرب أن (يسرق) هذا التاريخ لحسابه، كما بين في كتابه الأخير فيلسوف الإناسة (الأنثربولوجيا) البريطاني جاك غودي. ذلك أن البطالة الحضارية ليست مرضاً كينونياً يعتري النهضة الفاشلة، ويعبر عن إحباط وعودها بالنسبة لطلائعها؛ ويخص أمم العالم الثالث وحدها. فالغرب قد يعاني كذلك نوعاً من انسداد أفق التقدم أمامه، مما يجعل إمكانياته الإبداعية غير ذات موضوع إن فقدت القدرة على مناقشة أندادها الغرباء، من أمم الاقتصادات الشرقية الصاعدة. وفي هذه اللحظة من التباس الفجر المضيء مع الغسق الحزين في الزمن الغربي، تستيقظ بعض الضمائر الحية لدى المفكرين والعلماء، ليقوموا بمراجعة ذات النفس. ولعل الغرب كان هو السباق كذلك إلى إرساء قواعد النقد الذاتي في صلب ثقافته. وكانت حروبه الإهلية بين قومياته، وأزماته السياسية والاقتصادية الكبرى، أفضل المناسبات الموضوعية لانتعاش العقل النقدي. لكنه كان سريعاً ما كان هذا العقل نفسه يحطم مراياه النقدية الصريحة، ليستعيد مجدداً اجترار عبادة أوثانه المعهودة، وممارسة طقوس (سرقة التاريخ) من ملكيته الإنسانية الشاملة؛ ليجلس هو إمبراطوراً وحدانياً على عرشه.
لم يكن المفكر جاك غودي الأولَ من معارضي الصنمية الغربية؛ لكن كتابه (سرقة التاريخ) يجيء في منعطف البطالة الحضارية للغرب المهددة بعطالة إنسانيته. إنه على الأقل يساهم في تأكيد أن العالم لا يعيش أزمة الرأسمالية إلا كإنذار أو تمهيد لعودة الحقيقة المنسية القائلة أن النظام العالمي ليس اقتصادياً ولا عسكرياً إستراتيجياً بقدر ما أصبح هو النظام الذي ينبغي له أخيراً أن يتجاوز إزدواجية الأخوة الإنسانية بالأخوة الذئبية، وذلك بأن يعاد للبشرية حق التملك ككل من تاريخها الشمولي. لا شيء جديد في كل هذا الفكر إلا أن تكرار الحقيقة قد يذكّر ببداهتها المنسية.. إنه سلاحها الوحيد المتبقي ضد استبداد الضلال.’ مفكر عربي مقيم في باريسwww.philasophiasafadi.com