عليك ان تحافظ على انسانيتك حتى لو كنت الانسان الوحيد على الأرض!

حجم الخط
0

فيلم ‘كيف تروض تنينك؟’أحمد يوسفأجمل ما في الأفلام الموجهة للأطفال، والمكتوبة جيدا، أنها تحتوي دائما على مستويات عديدة للتلقي. وهي في هذا تشترك مع كل عمل فني أصيل في أنه يبدو على السطح بسيطا سهلا، لكنك تشعر أن هناك معاني خفية بين السطور (يطلق عليها أهل السيميولوجيا بمصطلحاتهم المعقدة ‘النص الفرعي’). إن هذه المعاني العميقة تلمس وترا عميقا في وجدانك وعقلك، وتدفعك إلى اكتشافها، لتدرك أن ‘فيلم الأطفال’ الجيد والجاد أكثر أصالة من العشرات من أفلامنا المصرية الراهنة، التي نصنعها بقدر كبير من ‘الفهلوة’ بمعناها السلبي، ونتفرج عليها وقد أعطينا عقولنا ومشاعرنا إجازة.

إن هذه المستويات المتعددة للمعنى في أفلام الأطفال المتميزة تعود إلى أن صناعها يدركون الرابطة الوثيقة التي تربطها بالأسطورة، وفي كتب الدراسات السينمائية يمكنك أن تقرأ ـ على سبيل المثال ـ أن جورج لوكاس درس الميثولوجيا لكي يبدأ في صنع سلسلته عن ‘حرب النجوم’. فالأسطورة التي وُلدت بدورها في طفولة الفكر الإنساني، ويمتزج فيها الفن والدين وصورة بدائية للعلم، هذه الأسطورة تخاطب بداخل الإنسان مخاوفه وأحلامه معها، وتحاول أن تقدم لأسئلته الوجودية إجابات تبعث له الثقة بنفسه، حتى لو كانت بمفاهيمنا المعاصرة تعتبر إجابات ساذجة. إن هذه الأسئلة تبدأ وتنتهي دائما بعلاقة الإنسان بالعالم من حوله، سواء كان هذا العالم هو الكون الغامض الممتد بلا نهاية، أو كان العالم هو المجتمع الصغير الذي يعيش فيه الفرد محاولا الدفاع عن ذاته الفردية، والذوبان في المجموع في نفس الوقت.

كثيرا ما تدور أفلام الأطفال الأمريكية حول هذه الأزمة (الصراع بين الفرد والجماعة)، ويمكنك أن تلاحظ بشكل عام أن هذه الأفلام تمتد بين نقيضين متعارضين، تمثلهما شركة ‘بيسكار’ من جانب، وشركة ‘دريم ووركس’ من جانب آخر، وإذا أردت مثالا واضحا على هذا التناقض فإليك فيلمين، كلاهما من بطولة ‘نملة’، الأول هو فيلم شركة بيكسار ‘حياة حشرة’، الذي يؤكد أن العدوان على مجتمع النمل لن تتم مواجهته إلا من خلال تكاتف الجماعة، أما الفيلم الثاني فهو ‘النملة زِى’ لشركة دريم ووركس، حيث البطل لا يهتم إلا بفرديته المطلقة، وهي الفردية التي يزعم الفيلم أنها السبيل الوحيد للخلاص.

لذلك فإنني أحب أفلام شركة بيكسار المرهفة والعميقة، مثل ‘البحث عن نيمو’ و’ شركة الوحوش المتحدة’ و’ الخارقون’، ولا أخفي كراهيتي لأفلام دريم ووركس الخشنة الغليظة مثل سلسلة ‘شِريك’ و ‘حدوتة سمكة القرش’. لكنني أعترف بأن مشاعر المفاجأة استولت عليّ مع الفيلم الأخير لشركة دريم ووركس ‘كيف تروض تنينك’، حتى أنني أتصور أنها تأثرت على نحو ما بأفلام شركة بيكسار. ففي هذا الفيلم لم يعد البطل هو الشخص المغرق في ذاتيته (ويحتفي به وبها الفيلم ويكرسهما)، لكنه البطل الذي يمكن لكل متفرج طفل أو بالغ أن يشعر أنه يشبهه على نحو ما، لأنه يخوض ‘رحلة’ داخلية وخارجية معا، إنه يرفض الامتثال للقيم الاجتماعية السائدة من حوله، بقدر ما هو مرفوض من المجتمع لاختلافه الواضح عما هو مألوف ومقبول، لكن الرحلة المضنية سوف تنتهي بقبول المجتمع له، وبنضجه في التعامل مع هذا المجتمع.

تلك ‘الرحلة’ هي ما يطلق عليه علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع مصطلح ‘طقس العبور’، وهو مصطلح مأخوذ عن ممارسات القبائل البدائية (وحتى المدنيات المعاصرة، وإن اختلفت الطريقة)، عندما تفرض على الصبي لكي يثبت ‘بلوغه’ أن يخوض اختبارات قاسية مؤلمة، وهذا الألم ـ الذي عايشه كل منا على نحو ما، وربما ما يزال يعايشه أيضا ـ هو الثمن الباهظ الذي يجب علينا أن ندفعه لكي يتحقق هذا الهدف المزودوج النبيل: ألا ندع القيم السائدة تفرض علينا بلادتها وتقيد حريتنا في الاختيار، في نفس الوقت الذي ننجح فيه في أن نؤثر في الآخرين بقدر تأثرنا بهم. إنها العلاقة الناضجة بيننا وبين العالم، وإن كانت في السياق المضطرب الذي نعيش فيه علاقة مبتورة مشوهة.

العالم الخارجي في فيلم ‘كيف تروض تنينك’ هو مدينة رمادية في بلاد ‘الفايكينغ’، مدينة لا تشعر بالاستقرار لأن هناك على أطرافها أنواعا مختلفة من التنانين، لا تتوقف عن الهجوم على المدينة واختطاف المواشي منها، لذلك فإن أهل المدينة يكرسون كل حياتهم لمحاربة هذه الوحوش، ولذلك أيضا فإن الرجل ‘العادي’ في بلاد الفايكنغ هو عملاق ضخم الجثة متجهم الملامح، لا تكاد المشاعر الرقيقة أن تعرف طريقها إلى قلبه. في هذا العالم ولد بطلنا الصبي هيكاب (زغطة!’، نحيل الجسم، مرهف الأحاسيس، حتى أن الآخرين من الكبار وأقرانه الصغار يسخرون منه دائما، والمفارقة الساخرة المؤلمة أن هيكاب ليس إلا ابن زعيم القبيلة ستويك، الذي يكاد أن يشعر بالعار من أن ابنه ليس فايكينغ أصيلا. وهنا ندخل إلى العالم الداخلي لبطلنا الصغير، إنه يريد أن يكون نفسه لا كما يريده الآخرون أن يكون، وهو يدرك تماما أنه لا يحب أن يصبح رجلا قاسيا في هذه المدينة الكئيبة التي لا تعرف للحياة معنى أو هدفا إلا قتل التنانين التي تحيط بمدينتهم.

بعد أن يؤسس الفيلم للشخصية الرئيسية وأزمته الداخلية، والتي هي في جوهرها انعكاس لواقع خارجي خارج عن إرادته، يبدأ الصراع الدرامي. إن الجميع ينصحونه: ‘توقف أن تكون نفسك!’، ويشيرون إلى جسده الهزيل، وهو يريد أن يكون ‘طبيعيا’ وسطهم حتى يتوقفوا عن السخرية منه، لذلك فإنه يذهب متسللا من خلف الجموع التي انشغلت بمحاربة التنانين، ويجرب أن يصطاد تنينا بأداة بسيطة اخترعها، وبالفعل فإنه يصيب التنين المعروف باسم ‘غضب الليل’، الذي لم يره أحد أبدا ثم عاش ليروي ماذا رأى، لأنه أخطر التنانين جميعا، لكن المشكلة أن أحدا لا يصدق هيكاب ويغالون في السخرية منه.

يذهب هيكاب في الصباح التالي باحثا في الغابة عن المكان الذي يفترض أن ‘غضب الليل’ قد سقط فيه، وبالفعل يجد التنين سجينا في شبكة الحبال’وقد فقد نصف زعنفة ذيله فأصبح عاجزا عن الطيران. هذا هو أحد أكثر مشاهد الفيلم رهافة في المعالجة: كيف ستكون المواجهة بين هيكاب وتنينه؟ إنه يدرك أن مشاعره لن تسمح له بقتله، فيفك أسره، وعلى طريقة ‘أندروكليز والأسد’ يتعامل برقة مع التنين الجريح العاجز عن إطعام نفسه، ويعطيه سمكة ويطلق عليه اسم توثليس (الأهتم) لأنه يستطيع إخفاء أسنانه عندما لا يحتاجها، وتنشأ بينهما علاقة رقيقة تزداد عمقا، يحاول فيها هيكاب أن يصلح الذيل المكسور للتنين، ويتعلم كيف يربت عليه فإذا به يربض في سكينة كقطة وديعة، كما يعرف أن التنانين تخاف من سمكة صفراء، وهي المعرفة التي سوف تفيده في معاملة التنانين.

لقد قام هيكاب بترويض التنين، لكنه تعلم أيضا من خلال هذا الترويض، وفي الحقيقة أنه ترويض متبادل، ومن الطرائف ذات الدلالة أن كريسيدا كاول مؤلفة سلسلة الروايات التي أخذ عنها الفيلم مادته، كتبت نفس القصة مرة أخرى من وجهة نظر التنين توثليس، وجاءت القصة بعنوان ‘كيف تروض فايكينغك’!! سوف يستخدم هيكاب ما تعلمه عندما يتدرب مع أقرانه الصغار على محاربة التنانين، فينبهرون بقدرته الغامضة التي أتته بعد شهرته وسطهم بالخوف، كما أنه سوف يثير غيرة الفتاة ‘الفايكينغية’ أستريد، الفاتنة المقاتلة، لأن الصبي النحيل سرق منها نجوميتها في ساحة التدريب.

تتسلل أستريد في الغابة خلف’هيكاب لتعرف سره، فتدرك حقيقة علاقته بالتنين توثليس، إنه يبدو للوهلة الأولى قد تخلى عن عقيدة الفايكينغ في قتل التنانين فتثور عليه، لكنها تغير رأيها عندما يصحبها هيكاب فوق ظهر التنين ليطير بهما في الفضاء في مشهد فاتن ساحر. العقدة الدرامية الآن أصبحت تتركز في انبهار الأب بمواهب ابنه التي خفيت عليه، وهو ما يجعل الأب يقرر أن يقبض على توثليس ليقوده ورجال القبيلة إلى عش التنانين للقضاء عليهم، برغم رفض هيكاب لذلك، وهنا أتركك تكمل مشاهدة الفيلم بنفسك، لتعرف كيف انتهى الصراع.

فلنعد إلى ‘طقس العبور’ في تلك المرحلة الحرجة من العمر، أو قد يمتد إلى السؤال الذي يستمر طوال الحياة: هل أرضخ للقبيلة، أو أتمرد عليها؟ أم أن هناك إمكانية للتفاعل الخلاق بيني وبينها برغم اختلافي عنها؟ يؤكد الفيلم أن الاختلاف حق مشروع ومطلوب لإثراء الحياة، المهم أن ‘تكون نفسك’، أن’تحقق ذاتك لا أن تسعى لإثارة إعجاب الآخرين ورضاهم، خاصة الآخرين الذين ترفض قيمهم ومعاييرهم المشوهة المريضة. وفي طقس العبور هذا سوف تعاني في البداية من الألم والإنكار والاستنكار من جانب الآخرين، حتى ‘تنينك’ سوف يتألم، وهنا أود أن أشير إلى أن إضافة التنين إليك تعني أنه جزء منك، إن التنين لا يوجد خارجك، إنه في داخلك وفي أعماقك، إنه الخوف والقلق والقوة الحبيسة التي تخشى أن تنطلق من عقالها، والتصالح مع التنين بداخلك هو الذي سوف يجعلك تنجح في طقس العبور، ويجعلك ‘تطير’ في أجواء الفضاء، وحلم الطيران في علم النفس والميثولوجيا يعني دائما الإحساس بالتحرر والانطلاق، ولا يخلو من تفسيرات فرويدية، وأرجو أن تتأمل جيدا مشهد طيران هيكاب وأستريد فوق ظهر التنين، يبدأ بالخوف وينتهي بالنشوة، في سماء ملونة حيث يمكنك أن تلمس السحاب، وتسمع موسيقى ملائكية ناعمة، كما يمكنك أن تربت على عنق التنين في امتنان لأنه حقق لك هذه الرحلة الحلم.

تأتي هذه المعاني وغيرها من خلال أسلوب التحريك شديد الإمتاع والإبهار، فمدينة الفايكينغ تبدو في البداية رمادية يخيم عليها الظلام، بينما هي في النهاية مشرقة زاهية الألوان، في إشارة إلى التغير الدرامي الذي حدث لأهلها، والتنانين مزيج من الزواحف والحيوانات المائية والطيور الملونة والقطط مع بعض الملامح الإنسانية (إنك لن تنسى عيني توثليس الجريح وهو يتوقع أن يغمد هيكاب خنجره في قلبه)، ناهيك عن معارك الأطفال المضحكة في تدريبهم على قتال التنانين، ورحلة الفايكينغ في مراكبهم عبر البحار.

تأمل أيضا تلك النهاية غير التقليدية لبطل فيلم من أفلام الأطفال: إن هيكاب يفقد إحدى ساقيه في المعركة الأخيرة، تماما كما كان التنين توثليس قد فقد نصف زعنفة ذيله، فهما وجهان لعملة واحدة، ولا مبرر لخوف الفايكينغ من التنانين. في حوار بين الأب والابن يقول ستويك مشيرا إلى التنانين: ‘لقد قتلوا منا المئات’، فيجيب هيكاب: ‘ونحن قتلنا منهم الآلاف، إنهم يهاجموننا للدفاع عن أنفسهم’، فتلمس مستوى سياسيا واعيا، ونضجا في صناعة فيلم للأطفال، إن العالم وكائناته حول المدينة ليس مخيفا كما يتصور أهلها، إن الجميع يبحث عن الطعام والمأوى، وليس هناك تناقض إذا فهم الفايكينغ ذلك، وإذا تخلوا عن نزعة القتل والقتال. كل هذا ياعزيزي القارئ في فيلم موجه للأطفال، لكنني أعترف أنني استمتعت به كطفل وناقد معا، ويكفي أنه أكد لي ما تعلمته من يوجين يونيسكو في الماضي البعيد من مراهقتي: حتى لو تحول كل أهل المدينة إلى خراتيت، عليك رغم الألم أن تحافظ على إنسانيتك، حتى لو كنت الإنسان الوحيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية