السلطة الخامسة وضريبة المعرفة

حجم الخط
0

ما زالت فضيحة ووترغيت التي أثارها الصحافيان بوب ودورد وكارل بيرنستاين وأطاحت بالرئيس الأمريكي نيسكون، تدرس في كليات الإعلام كأحد أهم الأمثلة لسلطة الإعلام على السياسة في دول العالم الحر التي يؤثر فيها الرأي العام على مجريات الأحداث، ولكن سلطة الإعلام وحريته وموضوعيته لم تعد بمنأى عن تحكم اللوبيات أو جماعات الضغط، وبالذات اللوبي الصهيوني، الذي يدير آلة الإعلام الأمريكي من خلال ملكية شركات الإعلام والتأثير على النخب السياسية وحملات العلاقات العامة للحكومة الإسرائيلية التي تروج لصورة وأهداف إسرائيل في الولايات المتحدة من خلال المؤسسات المتغلغة في نسيج المجتمع الأمريكي، وأهمها وأقواها تأثيرا ايباك التي تعد زيارتها والتحدث الى أعضائها محطة أساسية في حملة كل مرشح للرئاسة الأمريكية، ويوضح أحد التقارير على شبكة اليوتيوب ورابطه http://www.youtube.com/watch’v=18TRLG8Gwqs أن هذه السيطرة الإسرائيلية على وسائل الإعلام تقولب صورة العالم، والعالم العربي خصوصا، والموقف من الصراعات العالمية بحسب مصالحها وكثيرا ما تحول الضحية الى جلاد والبريء الى مجرم، وهذا ما أكده سابقا إدوارد سعيد في كتابه تغطية الإسلام: كيف يتحكم الإعلام والخبراء برؤيتنا للعالم.

وما تغطيات شبكات فوكس وسياستها التحريرية للأخبار وانحيازها الواضح لترديد الروايات الرسمية بغض النظر عن مصداقيتها الا دليل واضح على سقوط كثير من وسائل الإعلام التقليدية في امتحان الموضوعية والشفافية، وإن كان هذا الحال في الدول التي تدعي الديمقراطية وحرية المعلومات، فالحال أسوأ وأسوأ في الدول العربية التي تسيطر فيها الدولة على معظم القطاعات الإعلامية، وتملك أيضا أن تُسكت كل من يغرد خارج السرب بالعزل من المناصب الإعلامية أو بزوار آخر الليل الذين قد يقلبون المكان رأسا على عقب، كما لو تعرض لزلزال أو السجن والاتهام بالعمالة أو تقييد الإعلاميين بقانون عقوبات يكفل أن لا يفتحوا أفواههم سوى للأكل أو عند طبيب الأسنان! ولكن تطور وسائل الإعلام والتكنولوجيا كان له أثر إيجابي على حرية الإعلام والمعلومة، فانفتاح العالم وتواصل أطراف الكرة الأرضية وشعوبها أوجد سلطة خامسة أصبحت تعرف بالإعلام الجديد، وإعلام الانترنت والمواقع الالكترونية والتدوين، وهذه أيضا لم تنج من الملاحقة والتضييق بمنع الكثير منها في العالم العربي، وبالذات بعض المواقع السياسية والصحف، بينما لا توجد مراقبة كافية على المواقع اللأخلاقية والخلاعية! فالجهل وتردي الأخلاق يشكلان المعادلة المثلى لإحكام الطوق على رقاب المواطنين العرب، فمن يلتهي بالشهوات لن يفطن الى أمور الحكم والسياسة والرقابة والمساءلة! ومن أشكال الإعلام الجديد موقع ويكيليكس، الذي أحدث مؤخرا ضجة عالمية بعد تسريبات وثائق الحرب في أفغانستان والعراق، والموقع يتبع لمنظمة دولية تنشر وثائق حول الفساد وأنظمة القمع والحروب حول العالم مع الحفاظ على سرية مصادر المعلومات، وقد افتتح الموقع الالكتروني لهذه المنظمة عام 2006، وحصلت المنظمة على جائزة منظمة أمنستي للإعلام الجديد، ووصفت جريدة ‘نيويورك ديلي’ موقع ويكيليكس بالموقع الذي سيغير وجه الأخبار، والمنظمة والموقع حصيلة جهد جماعي لصحافيين وعلماء رياضيات وخبراء تكنولوجيا وانترنت من اليابان وجنوب افريقيا وأمريكا وأوروبا واستراليا، والموقع ينتهج سياسة أن لا أحد يعلو على سلطة الإعلام، وأن من حق الشعوب معرفة الحقائق، وأن ذنوب وجرائم الخفاء لا بد أن تظهر للعلن لعلها تساهم في إيجاد حالة من الوعي الإنساني الشعبي وحالة من صحوة الضمير الدولي، تمهيدا لمعاقبة المجرمين على أفعالهم وحلقة وثائق العراق هي واحدة من عدة محطات لعمل ويكيليكس شملت دولا عديدة وملفات إجرام وفساد في دول كالصومال وكينيا وملف سجن غوانتنامو وبعض وثائق المخابرات الأمريكية وغيرها الكثير، ولكن هذه الوثائق على أهميتها لا تحمل معلومات غاية في الجدة لم يسمع بها العالم من قبل، فقد ظهرت فظائع الحروب وإجرام الجيوش الأمريكية وحلفائها على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد ووثقت في الكتب والدراسات والاحصائيات، التي استفزت الشعوب فظهرت تحالفات وقوى مناهضة للحرب في الدول الأوروبية كان لها نصيب في إسقاط وتشويه سمعة رئيسي بريطانيا وأمريكا بلير وبوش، الا أن الشعوب العربية لم تحرك ساكنا بعد الكشف عن جرائم الاحتلال والحكومات العميلة والانتهاكات والمقابر والسجون والتصفيات، ولم تكن غضبتها بمستوى جسامة الأحداث، ولم تحدث تغييرا في الواقع أو السلطة، وليس أكثر من مظاهرات ومناظرات وشجب وتنديد في استنساخ لردود الأفعال العربية من يوم نكبة فلسطين، فهل نتوقع أن يكون الرد أكثر قوة وحزما بعد تسريبات ويكيليكس ونحن لا نجهل ما جاءت به أصلا؟ ماذا تجدي المعرفة لمن لا يملك أن يعمل ويتحرك بموجبها؟ أليس الجهل نعمة في بعض الأحيان؟ ماذا ينفعك عقلك إذا جنَّ قومك؟ ماذا ينفعنا أن نعرف ما عاناه ويعانيه الأسرى ونحن لا نملك ولا نعمل لتحريرهم أو لمقاضاة من ظلمهم؟ ماذا ينفعنا أن نعلم أن الرئيس الفلاني والغ في دمائنا مستبيح لأموالنا وقرار تعيينه واستمراره في الحكم يصدر من البيت الأبيض ونحن لا نملك قولا ولا رأيا ولا صوتا، هل نجهل أن أمريكا لم تأت الى بلادنا لسواد عيوننا وإنما لسواد نفطنا، وكم لنا من نفطنا أصلا وكم يدخل في جيوب الشعوب من بيع البراميل وحصاد الحقول من الذهب الأسود؟ ماذا تعني لنا تسريبات ويكيليكس أكثر من سبق إعلامي لبعض وسائل الإعلام وفقرة إخبارية على شاكلة أضف الى معلوماتك أو الى قهرك وعجزك.

أليس من الممكن أن تضرنا عندما يرى الساسة والباطشون والمحتلون والفاسدون أن الشعوب ترى وتسمع وتعاني ولا تنتصر لكرامتها وعرضها وأرضها ومالها فهي إذن قد تقبل مزيدا من الذل والاستعباد والسرقة. إذا كنا لا نقوى على رد الفعل المباشر والحاسم فهل يمكن للعرب أن يبدأوا بحرب المعلومات التي ربما تحرك العامة وتنبههم الى منابع الفساد في بلادهم المصنوعة بأيدي محلية قبل أن يقاتلوا نواطير الغرب؟ ولو أردنا أن ننتج نسخة عربية من الويكيليكس فهل سيُسمح لنا وطوق السلطة يغلق منافذ الأرض والسماء؟ ماذا سيكون رد فعل الحكومات العربية والأنظمة الحاكمة على الويكيليكس ومن أين سنحصل على وثائق تسجل انتهاكات السلطة وهي تسيطر على الأمور بقبضة من حديد؟ من يستطيع أن يعلق الجرس ويبدأ التجربة؟ حتى المحطة العربية الإخبارية الأكثر شهرة ومشاهدة هل تستطيع مثلا أن تفتح الملفات الداخلية للدولة الوطنية التي تتحكم في إدارتها وتمويلها، وهي التي ما انفكت تطفئ الحرائق التي يشعلها بين الفينة والأخرى محمد حسنين هيكل بكل شهادة جديدة يقدمها مع أن مصادره ونفوذه وعلاقاته بحد ذاتها تبعث على التساؤل. نحن شعوب وصلنا الى حالة من الوهن لا ينفع في مداوتنا ويكيليكس ولا غيره ما دام همنا أن نحفظ الرأس فوق الجسد ونوفر الطعام للمائدة والبيت الآمن والحساب البنكي، وأفضل سياسة مع أمور السياسة نصيحة الرصافي الصالحة في حال العرب لكل زمان ومكان!

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النّوّم ُودعوا التفهم جانبا فالخير ألا تفهمواوتثبتوا فى جهلكم فالشر أن تتعلمواأما السياسة فاتركوا أبدا وإلا تندموامن شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكرم ُفليمس لا سمع له ولا بصر لديه ولا فم ُلا يستحق كرامة إلا الأصم الأبكم ُوإذا ُظلمتم فاضحكوا طربا ولا تتظلمواوإذا أهنتم فاشكروا وإذا لُطمتم فابسمواوإذا قيل: إن بلادكم يا قوم سوف تقسم ُفتحمّدوا وتشكّروا وترنحوا وترنموا.

د.

ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية