خطيب بدلةيوم الخميس الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.. قدم الكاتبُ والإعلامي الأردني خالد الوادي برنامجاً حوارياً على قناة (سيفن ستارز) بعنوان ‘الأردن اليوم’ على غرار البرنامج الذي تقدمه مجموعة من الإعلاميين المصريين على قناة ‘المصرية’ بعنوان ‘مصر النهار ده’.. الحق يقال ان هذا النوع من البرامج ضروري جداً في أية دولة عربية، ولاسيما إذا رَفَعَ مقدمُ البرنامج وضيوفُه سقف الحوار، وتباسطوا أمام المشاهدين بشفافية.
كان ضيف الحوار الرفيق معين جريس بقاعين مرشح الحزب الشيوعي والقائمة الوطنية في الكرك، وكان الحديث مع (الرفيق) بقاعين يتطرق مرة إلى الديمقراطية، ومرة أخرى إلى الفساد السياسي الذي ينغص على الديمقراطية القائمة عيشها الكريم.
برأيي المتواضع ان أول شيء جدير بالحفاوة في هذا البرنامج، وغيره من البرامج التي تقدمها بعض المحطات العربية الأخرى، هو ظهور (الرفاق) الشيوعيين على الشاشات التلفزيونية العربية، وهم في كامل أبهتهم، وصحتهم الجسدية والنفسية، حتى إنهم، في الأغلب، يضعون على صدورهم ربطات عنق (كرافات) أنيقة، مثلهم مثل باقي عباد الرحمن (المُكَرْفَتين). مرت عقود من الزمان، ربما وصلت إلى تسعة عقود، والأنظمةُ العربية التقدمية، كنظام الوحدة العربية بين مصر وسورية، وغيره من الأنظمة الاشتراكية العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج، والأنظمة الملكية التي كان التقدميون يصفونها بأنها (رجعية)، كلها ومن دون استثناء، تتربصُ بالشيوعيين الدوائر، والمواطن العربي الذي كان يتعرض لتقرير أمني أكبر من ملحفة اللحاف على أنه شيوعي- ومعظم كتاب التقارير يلفظونها (شوعي)- كان يُلقى به في غياهب السجن، ويُعذب، وتنتزع منه الاعترافات الصحيحة وغير الصحيحة، فلا يغادر السجن إلا وتكون العرب قد اصطلحت، ومعلوم أن العرب لا تصطلح! وقصة تذويب الرفيق اللبناني فرج الله الحلو في سجن الوحدة العربية (اللي ما يغلبها غَلاب) بالمزة، ما تزال، بالنسبة للتاريخ المعاصر، طازجة.
وقد رويت في مطلع الستينيات من القرن الماضي طرفة معبرة جداً.. عن بدوي من العشائر الأردنية جاء ليزور بعض أقاربه في سورية، وكانت ثورة آذار (مارس) 1963 قد قامت، وبما أنها كانت تطرح شعار الاشتراكية من بين شعاراتها، فقد ظن الكثيرون أنها ثورة (شيوعية).. فلما مثل البدوي أمام المفرزة الأمنية السورية الحدودية، وسأله رئيس المفرزة عن انتمائه السياسي، أراد البدوي أن يداهن النظام السوري الجديد، ويحفظ خط الرجعة مع ملك بلاده، فقال: آني شنوعي من حزب جلالة الملك!
تحدث الرفيق معين جريس بقاعين، في حوار خالد الوادي معه، عن الفساد والمال السياسي الأسود الذي يقوم بعض المرشحين بسفحه على الأرض لشراء ذمم الناخبين، والبعثات الدراسية التي هي من حق أبناء الشعب الأردني، في حين أنها تُعطى لأبناء المتنفذين من أصحاب المال السياسي الأسود ومن لف لفهم.
وليسمح لي (الرفيق) معين هنا أن أخالفه الرأي في ما ذهب إليه.. فأقول: إن أية عملية لشراء الذمم والضمائر، سواء أكان ذلك في الأردن الشقيق، أو في أية دولة عربية، إنما هي – منطقياً- عمليةٌ تجارية تعتمد على مبدأ العرض والطلب، وبما أننا عرب، والشعر ديواننا، فلا بد لنا من أن نتمثل قول شاعرنا القديم: (لنا الصدر دون العالمين أو القبر)، وقول الشاعر الآخر (صنتُ نفسي عما يدنسُ نفسي)، وقول الشاعر الثالث (عش عزيزاً أو مت وأنت كريم)، وقول شاعرتنا المعاصرة (يا حبك انته يا إما بلاش.. ما استغناش عنك).. فإن أولئك الأشخاص الذين يعرضون استعدادهم لشراء الضمائر، لن يجدوا شخصاً عربياً واحداً يبيعهم ضميره، مستحيل!.. يعني هذا (عرض بلا طلب!).. وحتى إن وجد مثل هذا الشخص، التافه، الحقير، الذي يبيع ناموسه وكرامته، فالحري بنا أن ننقب في حسبه ونسبه وأصله وفصله ومحتده، وأنا كفيل بأنه سيظهر في المحصلة على أنه- والعياذ بالله- غير عربي!
حامي الدروز والجبلاسمحوا لي، من هنا، من على صفحات ‘القدس العربي’ أن أبدي، وأعلن إعجابي المطلق بالسيد وئام وهاب رئيس تيار التوحيد في لبنان، إعجاباً صادقاً، خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى، لا أريد عليه جزاء ولا شكوراً، ولا أبغي من ورائه غرضاً دنيوياً.. إنه، للتوضيح، إعجاب عام، وقديم، بل (مزمن)، و(عضال) غير قابل للتراجع أو الشفاء، إعجاب تصاعدي، متواتر، يزداد تألقاً، وظهوراً، وطفواً على سطح وجداني كلما شاهدته على محطة فضائية، أو سمعت صوته الملعلع من خلال برنامج إذاعي، أو شاهدت طلعته البهية التي تزين- على حد تعبير المطرب الشعبي المصري محمد رشدي- صفحات الجرانيل.
آخر إطلالة لوئام وهاب، وأكثرها بهاء وروعة، تجلت في وقوفه، بل وتصديه للإعلامية اللبنانية الشهيرة ماغي فرح التي أرادت أن تتصيده، فتجعله يحيد عن الحق، في برنامجها الذي يحمل عنوان ‘الحق يقال’، فكانت تناوشه، تأتيه من هنا، وتتركه من هناك، وتقدم له، وتؤخر، وتارة تتحدث بوضوح، وتارة تبطن كلامها بشيء من الاستفزاز، وهي ناسية، والأرجح أنها متناسية أن (الشوفور لا يتزوج خياطة)، لأن كل واحد منهما يشتغل على ماكينة، و(الطحان لا يستطيع أن يغبّر على الكلاس)، لأنهما، كلاهما، مختصان بالتغبير على الناس.. لقد رفض السيد وئام وهاب، بشهامة منقطعة النظير، الجلوس إلى طاولة الحوار التي يدعو إليها رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان، ولكن حذار.. فقد يبدو هنا وكأنه – لا سمح الله- ضد الحوار!.. لا لا أبداً، إنه لا يحاور لأنه إنسان مخلص، والآخرون (عداه وعدا حلفائه خونة!).. وحينما أوضحت ماغي فرح أن ‘أوساط بعبدا’ تستاء من الجهات التي لا تستجيب لدعوة الحوار، لم يسكت لها، بل عدد لها قائمة طويلة عريضة من التجاوزات والحوادث السيئة قائلاً: لماذا لا تستاء ‘أوساط بعبدا’ من كذا وكذا وكيت؟ فأسكتها، وأخرس نحاسها.
لم ينس هذا الزعيم اللبناني الظريف (واعذروني على استخدام صفة ‘الظريف’، فأنا معجب بالرجل كما أخبرتكم أعلاه).. وهو اللبناني الحر، العروبي الأصيل، والسياسي الديمقراطي، أن يتطرق، في سياق حواره مع ماغي فرح، إلى حماية الدروز وحماية الجبل. سألته ماغي (تتسلحون)؟ قال: لا، نحن لدينا سلاح من قبل.. وأنا لا أخجل من كلام كهذا.. في هذه اللحظة، شعر الأستاذ وئام أنه سيبدو أمام المشاهدين وكأنه رجل طائفي، فئوي، ذو اهتمامات ضيقة، (لا قدر الله).. وسرعان ما أوضح لماغي فرح أن حماية الدروز فيه حماية للبنان كله.
يا أخي.. هالرجل بينحب! شو هالحكي؟ بينحب!
افتراء على اليمن أذاعت قناة ‘الجزيرة’ خبراً (زعمت) فيه أن منظمة حقوقية يمنية (تزعم) أن الطالبة حنان السماوي تعرضت للضرب والمعاملة القاسية والإهانة أثناء اعتقالها من قبل عناصر جهاز الأمن القومي اليمني، على خلفية الاشتباه بعلاقتها بما عرف بالطرود الملغومة التي شحنت على طائرات من اليمن متجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
و(زعمت) منظمة هود للدفاع عن الحقوق والحريات في صنعاء أن الطالبة – التي أفرج عنها مساء الأحد الماضي- تعرضت للتعذيب أثناء التحقيق معها داخل سجن الأمن القومي، واعتبرت ذلك جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، والقانون اليمني.
من جهتي، أنا كاتب هذه الزاوية، أصنف هذه الأخبار في خانة الأقاويل المغرضة و(الزعم) الكاذب، وغيرها من الافتراءات الكاذبة التي تنشرها الفضائيات والمواقع الإلكترونية بقصد الإثارة والتشويق، وأنا أستبعد تعرض الطالبة المعتقلة للتعذيب، لسببين:
الأول: ان اليمن دولة عربية، وعلى علمي أنه لا يوجد أحد يتعرض للتعذيب في البلدان العربية كلها.
الثاني: ان الرئيس اليمني- حماه الله- كان أول رئيس عربي دعا إلى تطبيق الديمقراطية في الوطن العربي، وقال إنه سيبدأ بنفسه، ولن يرشح نفسه للرئاسة بعد انتهاء مدته الدستورية. وأنت، أيها الأخ القارئ، تعرف، حق المعرفة، أنه لم يقبل بترشيح نفسه لولا الضغط الجماهيري عليه.. يا أخي ضع نفسك مكانه، هل يعقل أن تصر على الاستقالة وشعبك يحبك ولا يرضى عنك بديلاً؟.. مو معقول بنوب!
قاص وكاتب من سورية[email protected]