الصحراء بنبضها ومخزونها وناسها وتاريخها وحاضرها بقالب فني آسر

حجم الخط
0

عرض فيلم ‘ تأريخ الرمال’ للمخرج داني ماريكا: لييج – بلجيكا ـ ‘القدس العربي’ـ من احمد صالح سلوم: كيف يمكن ان نكتب تاريخ الكائنات التي عبرت على رمال الصحراء في القارة الافريقية بدءا من الانسان البدائي وتحولاته الى ما نصادفه اليوم من قبائل او تجمعات بشرية تتعايش مع الندرة القاتلة للماء وما هي حتى الحيوانات والحشرات والنباتات التي تكيفت مع هذا المناخ القاسي الشحيح. كان هذا موضوع الفيلم الوثائقي ‘تأريخ الرمال’ الذي عرض في صالة المركز الثقافي العربي لبلدة لييج مساء يوم الاثنين 25/10/2010 وبعدته التقليدية التي تبدو غريبة في يومنا امام تسارع التكنولوجيات الرقمية، لتصل الى مستويات متقدمة من التطوير، نجد ان المخرج داني ماريكا يعبر من خلال تقنياته واجهزته المستخدمة عن فلسفة خاصة لعالم التوثيق والصورة والكاميرا والتقنيات المتوفرة، وهو يصرح بهذا في الندوة النقاشية التي تلت عرض الفيلم يستخدم المخرج ماريكا ثلاثة بلجيكتورات مع مناقل متنقلة تشبه سلاح الكلاشينكوف ذا المخزن المدور، وهو تماما كآلية الاطلاق التسليحية تمر خراطيش السلايتات – النيكتيف – بمخزن مدور يدور اتوماتيكيا امام البلجكتورات، لتنقلها الى الشاشة المنصوبة في المركز الثقافي العربي لبلدة لييج. وعملية اعداد الصوت تتم بشكل منفصل عنها ليوقت بدء بث الصور مع شريط الصوت، الذي تبثه ماكينة مختلفة ليجتمعا مونتاجيا امام ناظري المشاهد ليبهر الحاضرين بهذه الصور التي أخذت في اوقات اختيرت بعناية جدا، والدليل هي مساقط الاجسام المسنودة في الصور، فهي اما في الصباح الباكر جدا او المساء المتأخر واول الليل او الليل المضاء باشعة القمر، صوت ماريكا الاذاعي يرافق الصور بعناية مختارة، بدقة المزج بين حضور الصورة الطاغي بالموسيقى التصويرية وبصوت رخيم يقدم معلومات مكثفة في عباراته المختصرة ليختلط بها علم الحياة بعلم الاحياء مع الجغرافية السياسية والاستراتيجية، مع ما تضمنه باطن هذه الصحراء من ماء زلال ونفط وما نتج عنهما من تحولات عميقة في مكانة الصحراء والبشر والحروب، التي اشعلها النفط والصراعات الدولية على رمال الصحراء التي تبدو عدما، الا ان فيها ما يدير اقتصادات العالم لعشرات السنين القادمة، لهذا يأتي ذكر البنك الدولي وما نعرفه عن مشاكل السودان وباقي الدول الصحراوية، ولا ينسى المخرج ان يقدم لنا فن الانسان البدائي والحيوانات التي عاش معها وعليها، وايضا تعبيرات الصور واذا ما كانت تدل على توفر المياه للسباحة ام انها جرداء منذ البداية. في حديث مع محرر هذه السطور اعرب داني ماريكا عن عشقه لهذا العمل وبهذه الطريقة التقليدية، وانه لا يفضل اضافة المؤثرات على بانوراما الصور المتداعية لوحدها، ليكون مخلصا لها وليجعلها تقدم نفسها بنفسها، وهذا ما ابداه الحضور الذي ابدى ملاحظاته، انه كان يتمنى لو ان بعض الصور كانت تقدم بطريقة ابطأ، ورد المخرج ماريكا ان الزمن الاطول لصورة معروضة لا يزيد عن ست ثوان، في ما احصى محرر هذه السطور معدلا من ثلاث الى خمس صور في العشر الثواني محاولا المصور داني ان يستفيد من الاثارة التي يثيرها هذا التشويق بعرض المزيد من الصور في زمن مختار حسب رؤيته، رد المخرج ان الصور التي اعجبت البعض قد يرغب اخرون ان لا تكون هي بذاتها، بل صورا اخرى وهذا ما يجعل العمل غير متوازن، لذا فضل هذا الاختيار ليكون حلا وسطا.

لم تقنعه بعد تكنولوجيا الكاميرات الرقمية ولا القدر اللامتناهي من المؤثرات الفنية والتحويرية والادماجية والتحريرية للصور، فالمخرج داني يعتبر ان الصورة بالكاميرا التقليدية غير الرقمية هي افضل من حيث النوعية والقيمة الفنية، ولانها تكشف حتى عن طبيعة المخرج وشخصيته وربما يلجأ في مراحل قادمة الى التكنولوجيا الرقمية اذا وصلت جودتها الى مستويات فنية عالية وقريبة من التقليدية، هذا ما تحدث به الى الجمهور الحاضر في صالة المركز لمتابعة فيلمه والتعليق عليه، سألته احدى الحاضرات عن زيارته لواحات الصحراء المصرية فاعرب انه دائما يزورها لوحده بسيارته، الا انه اصبح هناك الزام ان يرافقه شرطي قد يكون احيانا لطيفا واحيانا من طبيعة خاصة، وفي السابق كان ملزما اذا نزل مع امرأة في الفندق ان يشهر عقد زواجه الا ان اليوم غير مطلوب في الواحات – هذا مع العلم ان نسبة كبيرة من البلجيك لا تتزوج رسميا بل يتعايش الرجل مع المرأة حتى تحسبهم ازواجا- الا انه في كل رحلاته لا يجد ان ثمة مشكلة فحتى ينجز فيلمه زار مصر وليبيا وتونس والجزائر واغلب الدول التي تتعايش فيها الصحراء الافريقية الكبرى وبعض هذه الدول زارها لحوالي ثلاث او اربع مرات من دون ان يواجه مشكلة تذكر بين القبائل والتجمعات البشرية التي زارها هذا اوحى لاحد الحضور بامكانية للاقتراح بان يوثق ماريكا فيلما يواجه تنميطات الاعلام الغربي الصهيوني لشخصية العربي والمسلم، بانه ارهابي وشخصيته منفرة وقبيحة وغير الاخلاقية، معربا ان زياراته التي لاقت الترحاب والاستقبال الطيب والانساني من العرب والمسلمين – باعتراف ماريكا – الذين يسكنون الصحراء اكبر دليل على خرافات الاعلام اليومي الذي يديره البيزنس الغربي والصهيوني في الغرب التي تلصق الارهاب بشخصيته ليكون عند الرأي العام الغربي مستحقا للذبح والابادة الجماعية.

عندما تشن شركات السلاح والصناعة والبنوك والتأمين والخدمات العابرة للقارات حروبها، واكد ماريكا حقيقة احترام الناس هناك له وانه وجد التسهيلات ولم يجد أي مشكلة مع الشعوب التي التقى الكثير منها بحكم اعداده لفيلمه ولم يتعرض لاي حادث وان اقصى ما حصل معه هو احتدام النقاش مع شخص في اليمن عن شمال وجنوب اليمن.

وكان تعاطف ماريكا واضحا في فيلمه مع سكان هذه الصحراء شارحا مشاكل بعض الاساتذة وعدم تلقيهم لرواتبهم منذ شهرين، مما يجعل المساجد تأخذ دورهم التعليمي وعن الاهمال الحكومي الواضح على معيشة هؤلاء الذين تقدم صحراؤهم الماء العذب لشعوب المنطقة لمئات السنين والنفط الذي يمول خزانة الدولة ليحرموا حتى من فتات ثرواتهم المخزونة والمهدورة على العقود الاستهلاكية الانتحارية اجتماعيا للبترودولار لتمول ريوع صحرائهم القمع والفساد والارهاب الحكومي العربي، فيلم داني ماريكا يقدم بحثا عن متعة بصرية وفنية وجمالية آخاذة، ولكن ايضا بحثاتاريخيا وانسانيا وجغرافيا وسياسيا معمقا، مما يجعل مشاهدته مرة واكثر من مرة مدرسة فنية وتقنية وتأريخية لتعلم الأناة التي يعمل بها ليقدم هذه النوعية الممتعة من الافلام الوثائقية، التي تكاد تغيب عن عالم الاعلام والبث الفضائي، فنحن مع فيلم داني ماريكا ننتصر للثقافة امام هجوم الفيلم الاعلامي والفضائي الذي يخدر المشاهد بالمؤثرات الفنية والصوتية والتصميمية لتصل مهزلة الافلام الامريكية في هوليوود وبرامج فضائيات النفط العربي الخليجي الى ان تقدم لنا افلاما وهمية هي مجرد عصي فرعون متحركة يحولها الغرافيك الى افاع وديناصورات تمد للمشاهدين لسانها سخرية منهم ومستوى وعيهم المتخلف وتمد يدها لجيوبهم لتسرق اموالهم ولتحصد المليارات مقابل اللاشيء فقط الضحك على الذقون ونحن في هذا الفيلم الوثائقي (تأريخ الرمال) وهذه الصناعة المرهقة والممتعة امام منتج ثقافي – مناهضا للاعلام – يحترم العقل ويقدم له المعلومة المنحوتة بالتعب في قالب فني بصري لا يحور شيئا منه أي بمعنى آخر نحن امام منتج معاد لافلام هوليوود التي تدخل الانسان في عالم وهمي مفتعل ومثير للسخرية من صراع الديناصورات والكائنات الخرافية بعيدا عن تأريخ الانسان حياته وهمومه وترحاله وتحولاته الغنية والحزينة والمفرحة معا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية