‘سوناتات الفصول الاربعة’ لمايك لي

حجم الخط
0

سحر عبد اللهبتحفز ولهفة دخلت صالة السينما الأكثر تواضعاً في المدينة (تسمى بيكتشر هاوس) والتي تذكرني بصالتي فندق الشام والكندي بدمشق كي أتابع فيلم مايك لي الأخير (عام آخر) مدفوعة بحبي للسينما أولاً ولإعجابي الشديد بنتاج مايك لي كله وبما كتب في الصحافة عن فيلمه ‘هذا عام آخر’، بأنه كوميدي درامي ممتع أخاذ، جذاب، تحفة. هذا غيض مما كتبت عنه معظم الصحف البريطانية. وقد خصصت ‘الاندبندنت’ الأسبوع الماضي ملحقها الأسبوعي آرت عن مايك لي، سيرته كمخرج مع لقاءات مع كادر عمله الأخير بعنوان مايك لي وتعاونه مع الممثلين.

يبدأ الفيلم بموسيقى هادئة وناعمة مع مسحة حزن واضحة تتناوب بين سولو غيتار وكمان. حوارات هادئة سلسة ودالة ومعبرة بين الشخصيات.

الشخصيتان الأساسيتان جيري (الزوجة والإخصائية النفسية) وتوم (الزوج والمهندس الجيولوجي) وابنهما جون المحامي، صديقة جيري ماري السكرتيرة في العيادة والتي تعاني من أزمات عاطفية ونفسية واجتماعية عميقة تعكس أهم مرض يعاني منه المجتمع البريطاني والغربي عموماً وهو الوحدة في عالم مادي لا يرحم.

ماري تجاوزت الأربعين من عمرها لا تعرف بماذا تملأ فراغ حياتها: بالملابس، بالعطلات، بالأحذية، بالسهر، بالكحول، بعلاقات عابرة وفاشلة مع رجال يتركونها بسرعة.

جيري الصديقة الهادئة المصغية باهتمام لثرثرات ماري عن حياتها ومتاعبها، تساعد زوجها في العناية بمزرعتهما الصغيرة حيث يزرعان ما يحتاجان لاستهلاكه ويقضيان وقتاً ممتعاً بزراعة وقطف الفاكهة والخضار. يستضيفان صديقاً قديماً في إحدى عطل نهاية الأسبوع في يوم صيفي. الصديق بدوره الذي يعاني من نفس مشاكل ماري وينفس عن عقده بالأكل والتدخين والشرب مما حوله لشخص بدين بالكاد يتنفس.

الابن جون محام ناجح في عمله وفي علاقته مع أبويه وصديقته الجديدة كيتي (معالجة فيزيائية). روني أخ توم، يظهر في النصف الأخير من الفيلم فجأة في جنازة زوجته التي يتكفل بها توم وجيري وجون. روني هذا الأخ الجامد كحجر والمتقشف كأثاث بيته، نتفهم بعض أسباب أو ربما السبب الأساسي لتحجره حين نرى ابنه الوحيد كارل يظهر فجأة بعد دفن الأم بهيئة تدعو للأسف بثياب سوداء ورأس حليق وعلكة يلوكها بفمه باستخفاف صارخاً بوجه أبيه لإتمام مراسم الدفن قبل حضوره. يوحي المشهد القصير الذي يظهر فيه كارل على أنه من عصابة ما أو على أقل تقدير رجل عاطل عن العمل.

تمر وقائع العام الآخر مع تقطيع المشاهد عبر فصول أربعة الخريف والشتاء والصيف والربيع مع إبريق الشاي الجاهز دوماً في بيت توم وجيري المفتوح دوماً لشجن ماري الوحيدة، ولانطلاقة الابن جون وصديقته كيتي، ولوحدة الأخ روني، الخ. يبدو مايك لي في هذا الفيلم جيولوجي يبحث عن الذهب في كومة من الرمال، يغربل بدقة كي يجد ذهبه وفلزاته النادرة اللامعة ككاميرته الجميلة التي ترصد الصغير والكبير بنفس الدقة والذكاء لإظهار أهمية كل لقطة وأهميتها في الفيلم كأهمية دلالتها في الحياة.

كجراح ماهر ومتمرس بمبضعه يضرب مايك سكينه فلا ينسى أن يسخر من الحكومات التي تفعل غالباً ما هو بعكس صالح البشر من تلوث وسوء خدمات، لا ينسى أن يسخر من الأزمات الاجتماعية التي تنخر في جسد المجتمع وهذا معروف لديه من أول أفلامه (فيرا دريك) الذي تناول فيه قضايا الإجهاض غير الشرعي وفيلم (سيكرتز أند لايز: أسرار وأكاذيب ) تناول فيه قضايا النفاق والرياء الاجتماعي الذي يقتل ببطء ويحول البشر لخامات جريمة جاهزة.

فيلم عام آخر يعكس شفافية ورقة وعذوبة مختلفة من السلاسة في الحوار للتنقل بين المشاهد. هنا هدوء وحكمة رجل ستيني يكتب ويصور ويعرض لندن بكل وضوح فتحبها وتكرهها بنفس اللحظة أو ربما تراها على حقيقتها.

يقولون هنا في بريطانيا عبارة للتدليل على السعادة في شيء: إنه كوب الشاي المفضل لدي (ماي كاب أوف تي) my cup of tea. كان الفيلم أفضل كوب شاي بالنسبة لي في شهور من متابعة أفلام عبر الشاشة المحلية و في السينما هذه الشاشة الساحرة.

بطاقة الفيلم: موجودة على هذا الرابطhttp://www.anotheryear-movie.com/ كاتبة سورية تقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية