لندن ـ ‘القدس العربي’: صدر امس في الولايات المتحدة كتاب الرئيس الامريكي السابق جورج بوش تحت عنوان ‘نقاط او اتجاه قرارات’ وفيه دافع عن حقبته التي شهدت حروبا في العراق وافغانستان ردا على هجمات تنظيم القاعدة على كل من نيويورك وواشنطن في عام 2001 وتميزت حقبته باحلك انتهاكات لحقوق الانسان وبداية التراجع الاقتصادي وشكلت فشلا ذريعا من ادارته في الرد على كارثة ‘اعصار كاترينا’. ويخلو الكتاب من اي بعد شخصي بقدر ما ركز على سياسات الرئيس وكشف عن خططه التي قال انه طلب من البنتاغون اعداد خطة شاملة لضرب منشآت ايران النووية وخطة سرية لضرب سورية بناء على طلب من اسرائيل. والاهم من ذلك عبر بوش عن حنقه على نفسه من عدم القاء القبض على بن لادن حيث وصفه بالمهمة غير المنجزة وانه كان يرغب كثيرا بتقديم بن لادن للعدالة. وكتب الرئيس في كتابه الذي يقع في 497 صفحة ‘وجهت اوامري للبنتاغون لدراسة الاحتياجات الضرورية للضربة’ ويضيف قائلا ان الضربة كانت ‘ضرورية لوقف عقارب ساعة القنبلة النووية الايرانية، على الاقل مرحليا’. كما ناقش الرئيس مع مستشاريه ومسؤولي ادارته اما ضرب المنشآت السورية او ارسال وحدات من القوات الخاصة للقيام بالمهمة. وسبق نشر الكتاب حملة اعلانية واسعة ظهر فيها الرئيس الامريكي خلال الاسبوع الماضي في عدد من البرامج الاخبارية واجرى مقابلات مع كبار المذيعين في شبكات التلفزة الامريكية الكبرى. وجاءت الحملة من اجل بناء سمعة الرئيس الذي انحدرت شعبيته في الايام الاخيرة من ولايته الثانية الى الحضيض. ويقدم بوش في الكتاب روايته عن احداث ولايتيه والقرارات المهمة التي اتخذها ودافع فيه عن اساليب التعذيب في غوانتانامو وانه امر باستخدام اسلوب الايهام بالغرق على ثلاثة من معتقلي القاعدة قائلا ان الاسلوب وان كان مثيرا للجدل الا انه ادى الى كسر ارادة المعتقلين واستخراج معلومات ادت الى الكشف عن عمليات كانت القاعدة تخطط لها فيما زعم على مطار هيثرو في لندن وعصب العاصمة البريطانية الاقتصادي ‘كناري وورف’ وهجمات على بعثات وسفارات دبلوماسية امريكية في انحاء مختلفة من العالم. ويبدو بوش مثل تابعه بلير ‘راضيا’ عن نفسه مقتنعا بحكم التاريخ عليه حيث كتب يقول ‘مهما كان حكم التاريخ علي فانا مرتاح لانني لن اكون حيا كي استمع لحكمه، هذه نقطة قرار التاريخ وحده سيتوصل اليها’. سورية وايران وقال انه ناقش مع مستشاريه الحرب على ايران واختلفوا حول طبيعة الرد، فقد ناقش طرف قائلا انه تدمير اهم مشروع ايراني وفخر الدولة الاسلامية سيساعد المعارضة، فيما حذر فريق اخر من اثار الضربة على امن المنطقة وانها ستساعد على التفاف الايرانيين حول النظام. فيما كان هناك اقتراحان رفض بوش احدهما وهو التحاور المباشر مع النظام الايراني اما الاخر الذي اختاره هو التعاون مع الاتحاد الاوروبي من اجل تشديد نظام العقوبات على ايران. ولكنه اكد ان ‘الخيار العسكري كان الخيار الاخير وظل مطروحا على الطاولة’. واكد بوش انه ناقش كل الخيارات مع رئيس الوزراء السابق الذي نشر مذكراته هو الاخر قبل شهرين. واكد بوش ان الامر المؤكد لدى امريكا هو ‘يجب ان لا تسمح لايران تهديد العالم بالقنبلة النووية’ اي بعبارة اخرى منعها من امتلاكها. ويناقش في كتابه طلبا من رئيس الوزراء الاسرائيلي في حينه، ايهود اولمرت، ضرب منشآت نووية سورية. وعقد بوش اجتماعا لمجلس الامن القومي لمناقشة توجيه ضربة او عملية سرية. وقال ان سي اي ايه قالت ان ادخال واخراج وحدة من القوات الخاصة للاراضي السورية سيكون محفوفا بالمخاطر. وقامت اسرائيل فيما بعد بضرب المنشآت السورية عام 2007. ولم تخبر اسرائيل واشنطن بقرار الهجوم وهو ما اثار دهشته كما يزعم.
اخطاء في العراقواعترف بوش في الكتاب انه ارتكب اخطاء في ادارة حرب العراق لكنه اعتبر قرار الحرب اهم قرار ‘صحيح’ اتخذه. وقال في الكتاب انه امر البنتاغون بالتحضير لضرب العراق بعد شهرين من هجمات ايلول (سبتمبر). ويقول انه بعد اتمام التحضيرات اي بعد 16 شهرا من المناورات الدبلوماسية والاتهامات والتهديدات العراقية، قام وليلة ضرب بغداد بالمشي ببطء، صامتا في الجناح الجنوبي من البيت الابيض حيث ‘صليت من اجل جنودنا وصليت لان تظل بلادنا محمية وطلبت من الرب ان يمنحنا القوة في الايام القادمة’ وتشكل حرب العراق فصلين من كتابه حيث يأخذان الحيز الاكبر من مذكراته علامة على اهمية قرارها واثرها على رئاسته.
وبالنسبة لاخطاء حرب العراق اعترف بوش باربعة اخطاء. واحد رئاسي والثلاثة الاخرى استراتيجية. ففيما يتعلق بالخطأ الرئاسي كان اعلانه المتعجل الانتصار في الحرب في ايار (مايو) 2003 حيث اعلن نهاية الحرب من على متن البارجة الحربية الامريكية لينكولن وقال انه تحدث لخوسيه ماريا اثنار، احد اعمدة دعم الحرب، ورئيس وزراء اسبانيا في حينه قائلا ‘لن تشاهدنا ونحن نقوم برقصات الفرح في الشوارع’. واعترف قائلا انه كان يجب عليه اتباع حدسه وانه لم يلاحظ يافطة ‘المهمة انتهت’ عندما هبط من طائرة مروحية على ظهر البارجة. ويزعم بوش ان اليافطة لم يكن لها علاقة بالحرب على العراق ولكنها تحية لطاقم البارجة التي انهت رحلتها البحرية. وقال انه اكد في خطابه ان هناك عملا كثيرا في العراق ينتظر قواته لكن كل التوضيح لم يكن كافيا لمحو ما علق في الذهن بسبب اليافطة.
اما الاخطاء الاستراتيجية والتي يرى انها نتاج لاخطاء اعلان نهاية الحرب، وهي فشله في مناقشة قرار الحاكم المدني على العراق بول بريمر، الذي اعلن فيه، وهو القرار الاول حل الجيش العراقي وما تبع ذلك من فصل كل ضابط ومسؤول له صلة بنظام صدام حسين وهو ما عرف بعملية اجتثاث البعث. اما الخطأ الاخر، فهو فشل ادارته الرد وبشكل قاس على المقاومة العراقية. اما الخطأ الاخير والافظع فهو الفشل في الكشف عن اسلحة الدمار الشامل لان عملية الفشل ادت الى خلق مبرر للقول ‘لقد كذب بوش، الناس ماتوا’ ويرد قائلا ان الاتهام غير منطقي ‘فلو عُرف ان العراق لم يكن لديه اسلحة دمار شامل لما كان قد تظاهر بوجودها’ وعليه فالقرار الذي لا يظهر اي ندم عليه هو قرار الغزو حيث قال ‘هناك الكثير من الاخطاء التي ارتكبناها في العراق لكن القضية كانت صحيحة بشكل مطلق’. افغانستان قضية نبيلةوهذا يقود الى حرب افغانستان حيث حيا بوش الرئيس اوباما وقراره ارسال تعزيزات جديدة مؤكدا ان القضية تستحق تضحيات الجنود الامريكيين، كما اثنى على جهود اوباما ممارسة الضغوط على باكستان من اجل قيام الاخيرة بمكافحة الارهاب. ويزعم بوش ان كل القرارات التي اتخذها اوباما هي قرارات قدمت له من قبل الوكالات الامنية والعسكرية في الايام الاخيرة من ولايته الثانية لكنه قرر تركها للادارة القادمة كي تتعامل معها. حسرة على عدم القبض على بن لادنويعبر بوش عن حسرته او ندمه من عدم قدرته على القاء القبض على بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة حيث يكتب قائلا ‘كنت اتوق الى تقديم بن لادن للعدالة، وحقيقة ان عدم القاء القبض عليه لا يعتبر من ضمن الاشياء الكثيرة التي اتحسر عليها وآسف انني لم احققها ان الفشل لم يكن نتاج قلة جهود ملاحقته، فحيث اننا لم نعثر على قيادة القاعدة فاننا اجبرناه على تغيير الطريقة التي يتحرك فيها ويسافر ويخطط عملياته، مما حرمه من امنيته العظيمة فيما بعد 9/11 وهي ان يرى هجوما اخر على امريكا’. ومع ان نقاشا قليلا دار حول الحرب في افغانستان باستثناء تحذيرات نائب الرئيس، ديك تشيني من امكانية انتقال الحرب من افغانستان الى الحدود مع باكستان الا ان بوش يتذكر زيارة له لافغانستان حيث قال انه شم رائحة العجلات المحترقة وهو في زيارته وظل يسعل بعد الرحلة لمدة اسبوع ويعلق على التجربة قائلا ‘للاسف، هذه طريقة الافغان للحصول على الدفء وبقيت اسعل لمدة اسبوع بعد عودتي للوطن، مما ذكرني ان هذا البلد امامه طريق طويل’. وحرب افغانستان تقود الى غوانتانامو وطريقة معاملة المعتقلين من قادة القاعدة او من اشتبه بعلاقتهم بطالبان او القاعدة. وهنا يعترف بوش انه قبل الرد الامريكي على الهجمات فقد كون فكرة ان هجمات من هذا النوع تقتضي طريقة صارمة للرد، ويحتاج الرئيس لهذا سلطات واسعة، وهذا ما حدث حيث استخدم بوش قانون الوطنية من اجل منحه ووكالاته الامنية سلطات واسعة منها مشاركة المعلومات بين الوكالات الامنية المهمة واستحداث وزارة الامن الداخلي وما الى ذلك من تقييدات.
التعذيب والدفاع عنه وفي كتابه يقول بوش انه اراد ان يضرب ‘خلفيات’ من قاموا بالاعتداءات ودافع عن اساليب التعذيب التي استخدمتها سي اي ايه، كما انه قال ان الادارة فكرت في تقديم معتقلي غوانتانامو امام القضاء الامريكي لكن التعقيدات القانونية حالت دون ذلك حيث يقول ‘ان سجن المعتقلين الارهابيين على التراب الامريكي كان سيفعل المبادئ الدستورية التي لن يتلقوها من مثل الحق في البقاء ساكتين’ ودافع عن طريقة معاملة المعتلقين في غوانتانامو قائلا انها لم تخرق مواثيق جنيف حول معاملة الاسرى لكن حماية المعتقلين لم يمنع من استخدام ما اسماه اساليب محفزة اثناء التحقيق والتي يؤكد انها ليست تعذيبا. ومن هنا اكد على ان عملية الايهام بالغرب كانت حيوية للحصول على المعلومات مؤكدا ان الاطباء المتخصصين اكدوا للسي اي ايه ان الاسلوب لا يترك اثرا دائما على المعتقلين. ولكن بوش يعترف بحساسية الاسلوب. واعترف ان برنامج تعذيب حساس كهذا كان سيؤدي لجدل حالة الكشف عنه ‘وعندما حدث فقد وضعنا انفسنا امام تهمة التنازل عن قيم امريكا الاخلاقية’. تلقي خبر الهجماتويشير بوش الى الاحداث التي توالت بعد تلقيه خبر الهجمات حيث كان يقرأ قصة لاطفال في فلوريدا وكيف ان عقله ساح هو يواصل قراءة القصة فيما كانت الاخبار تتوالي حيث خرج مسرعا من فصل الاطفال ويصف حالته فيما بعد ان دمه كان يغلي’ وسنعثر على المنفذين ونركلهم في خلفياتهم’ ثم صلى بعدها للرب. وظل الرئيس في الجو ساعات واخذ يصدر تعليماته لنائبه ديك تشيني، لكنه لم يكن يريد ان يظهر بمظر الهارب من مواجهة الازمة وانقاذ امته، وعندما امر الطائرة بالعودة لواشنطن رفض القادة الامنيون الطلب وحولوا اتجاهها الى قاعدة في نبراسكا. وفي اثناء هذا جاءت الطائرة الرابعة التي كان من المفترض ان تنفجر فوق البيت الابيض وعندها امر بضربها في الجو معللا ان الطائرات المختطفة هي وسيلة للحرب وكقائد عام في زمن الحرب اتخذ قراره. ولكن بوش لم يكن متأكدا في تلك اللحظة ان كانت الطائرة الرابعة قد ضربت من قبل سلاح الجو الامريكي ام تحطمت. وسيعلم فيما بعد انها تحطمت بعد مواجهة الخاطفين على متنها. ويتحدث بوش عن المشاعر والتوتر الذي اصابه وهو يحاول الامساك بتداعيات الهجوم ويقول انه اعتمد على حسه التكساسي المتفائل وتحدث امام الشاشة مثل قوله انه يريد بن لادن ‘حيا او ميتا’. الخمر وكاترينا وبلير والايدزيشتمل كتاب بوش على الكثير من القضايا منها علاقته بالخمر التي قرر تركها بعد ليلة حمراء صحا بعدها ليعبر عن ندمه ويكتشف الرب، وكذا ومحاربة الايدز الذي يقول انه شاهد اثاره المدمرة على افريقيا في رحلة له مع والده الى غامبيا وكيف نصحته مستشارته للامن القومي كوندوليزا رايس فيما بعد ان الايدز يهدد المصالح القومية الامريكية في افريقيا. ويشير الى علاقته القوية مع بلير، ويقول انه كان شاكا في البداية في بلير، العمالي، صديق كلينتون، لكن بلير اثبت انه الصديق الذي لا يتردد في المساعدة وان صداقتهما تمتنت بعد الهجمات. ويقول بوش انه خاض نقاشا حادا مع شيري ـ زوجة بلير ـ حول حكم الاعدام الذي يطبق في عدد من ولايات امريكا منها تكساس التي حكمها بوش. ويتحدث عن لقاء عائلي في شباط (فبراير) 2001 في مزرعة كروفورد وكيف شاهدت عائلتا بوش وبلير فيلما. وعن ان كان بلير وبوش قد صليا معا فبوش لا يتحدث عن هذا لكن الرئيس السابق يكشف ان بلير دعاه لاستصدار قرار من الامم المتحدة قبل اتخاذ قرار غزو العراق ويقول ‘لم اكن اثق بالامم المتحدة، فقد استصدر مجلس الامن 16 قرارا ضد صدام بدون اي نتيجة، ومع ذلك وعدت باخذ النصيحة بالاعتبار’. ويشير بوش الى انه اضطر لاول مرة متابعة النقاش البرلماني حول العراق في بريطانيا وهو امر لم يكن ليتخيله خاصة انه يتعلق بدعم زعيم عمالي كان يواجه مشاكل من نوابه حول قرار الحرب. ومقارنة باعجابه ببلير لا زال يشعر بالقرف من موقف المستشار الالماني جيرهارد شرودر الذي تخلى عن وعده بدعم حرب العراق. وكذلك طرح اسئلة حول موقف جاك شيراك الرئيس الفرنسي، وتعرض لتطور العلاقة بينه وبين الرئيس الروسي في حينه، فلاديمير بوتين وكيف غير رأيه منه عندما هاجم جورجيا عام 2008. ويثني على رئيس الوزراء الاسترالي جون هوارد في حينه، ورئيس وزراء اليابان جونيشورو كوازيومو. وبالنسبة لكارثة اعصار كاترينا، يلوم بوش قادة مدينة نيو اورليانز وحاكم الولاية ولكنه يعترف بان الرد كان ضعيفا ومشتتا. لا يهمني رأي الانكليز وعلى الرغم من ان بوش عبر عن رضاه عن نفسه، لكنه يبدو مهتما بفكرة الناس عنه في بريطانيا انه رجل ‘غير مقنع’ ويدعو الناس لقراءة كتابه مع انه اكد في لقائه مع صحيفة ‘التايمز’ ان رأي البريطانيين فيه ليس مهما ولم يكن مهما في الاصل او يعني له الكثير.
واكد في حديثه الخاص مع الصحيفة ان ما يهمه اكثر هو المبادئ وليس الدعم الشعبي له. ويقول انه لا يتابع التلفزيون وانه يحب قراءة التاريخ ويريد صناعته وان يكون جزءا منه، ووصف صعوبة اقلاعه عن الخمر وادمانه عليه.