من وحي الدورة السابعة للأندلسيات الأطلسية:
محمد المدلاوي المنبهيكانت الأندلس في الماضي واقعا حدثانيا تاريخيا، وهي وإن استمرت اليوم ككيان جغرافي سياسي لأهلها، فإن قيامها مستمر كذلك في الوعي كواقع ذهني وثقافي مؤمثـَل بالنسبة للكثيرين من غيرهم، واقع مثالي أصبح مستقلا عن الجغرافيا وعن سلالية الإثنيات والملل والسياسات كما تطورت هذه الأبعاد عبر الزمن وعلى رقعة المكان. هذا الواقع الذهني والثقافي فضاءٌ يخضع لنفس قوانين التملـّك التي تحكم الفضاءَ بصفة عامة، الذي لا يقبل الفراغ، ولا يصمد في وضعية المـشاع، إذ يصدق عليه الحديث القائل ‘من أحيا أرضا مواتا فهي له’. أتذكر في هذا الباب – وأنا الذي كان لونـَا الموسيقى الأمازيغية، وموسيقى ‘الميزان’ الهواري المنبهي، أول شكلين موسيقيين تربّت على أساسهما فطرة أُذني – أن أول ما سمعت الموسيقى الأندلسية كان عبر ‘الإذاعة’ المدرسية بالمعهد الإسلامي بتارودانت في بداية الستينيات من القرن العشرين، حيث كانت ثلة من تلاميذ أفـّاقين مثلنا ممن قدموا إلى عاصمة سوس العالمة من الزاوية الناصرية بواحة تامكـروت لتلقي علوم الوقت، يتحفوننا في فترة الاستراحة عبر مكبر الصوت المخروطي من خلال تلك الإذاعة المرتجلة بشكل ‘أرتيزانالي’، بمقطوعات من تلك الموسيقى، ومنها مقطوعة لسان الدين بن الخطيب التي حفظناها بلحنها منذ ذلك الحين والتي تقول:
جادك الغيثُ إذا الغيثُ هَـمَىيـا زمان الأُنــس بالأندلـــــسِلم يكن وصلك إلا حُـلُـمـــافي الكـَرى أو خِلسة المختلـسِ لقد كان أولئك التلاميذ الصحراويون السمـر البشرة، والمتوقدي الفطنة، حفظة مولعين بتلك الموسيقى ويعتبرون أنفسهم وأجدادهم منحدرين من الأندلس، وورثة تراثها الفكري والفني. وقد انتبهتُ، لسينين بعد ذلك، إلى أن حي ‘درب إندلاس’ في نفس تلك المدينة، تارودانت، يجعل من تلك الحاضرةِ المدينةَ المغربية الوحيدة، في حدود علمي، التي تحمل الأسماءُ الشعبية لأحيائها القديمة (وليس الأسماء العالمة للمؤرخين) تسميةَ ‘حي الأندلسيـين’. فكلمة ‘إندلاس’ بالأمازيغية صيغةُ جمعٍ مفردُها ‘أندلوس’، الذي يعني ‘الأندلسي’. أوردت هذا التقديم كعينة لمستندات ملموسة تدعم ذهبت إليه من أن الأندلس، كمثال من المُثل، قد أصبحت زيتونتها المتشعبة الجذور والمترامية الأغصان زيتونةً لا شرقية ولا غربية، يكادُ زيتُها يضيء، ‘أندلس سماويةً’ على غرار ‘القدس السماوية’ التي تـتحدث عنها أدبيات التصوف المهدوي اليهودي (Meianisme juif)، أي أن لها وجودا ذهنيا في الفضاء التقديري، مستقلا عن إثنيات ومِـلـّيات وجغرافيات الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأن لمدنٍ مثل تاصّورت ( = الصويرة)، وتارودانت، وتامكروت’وفيكَـيكَـ، ودبدو، غيرها، بناءً على ذلك، نفسَ الحق والواجب الذي لغيرها من الحواضر والضواحي، على اختلاف سُلاليات إثنياتها وألسنها، في تملـّك التراث المدني والفكري والفني الأندلسي، ذلك التراث الذي أصبح بمثابة شراكة مفتوحة الرأسمال، يحق لكل طرف مؤهل أن يتملك من أسهمه بقدر ما يستـثمر من أجل المحافظة عليه وتنميته عن طريق إدراجه في حيوية وجدلية المكونات الحية للمجتمع الحديث بطموحات مهامه التاريخية وفي ظل إكراهات الحاضر المتحرك.
ففي هذا الإطار الأخير أضع، شخصيا، الدورة السابعة للأندلسيات الأطلسية بالصويرة، التي أسعدني كثيرا أن أشارك في ملتقياتها الفكرية منذ دورتها الأولى التي خُصص ملتقاها الفكري لذكرى روح أحد أبناء المدينة الذي كرس حياته لبعث التراث المغربي الأندلسي بأوجهه المتعددة الإثنيات والملل والنحل، المرحوم حاييم الزعفراني الذي كانت لي معه قصة فكرية وشخصية طويلة لم ارتح من وقعها إلا بعد أن حصلت لي مزية التكلف بتحرير المادة المتعلقة بشخصه في الموسوعة الجديدة (The Encyclopedia of Jews in the Islamic World. Brill, 2008). وبعيدا عن الدخول في تفاصيل تغطية صحفية لكل فقرات ومواد هذه الدورة بشقيها، الفكري (الصبيحات) والفني (الأمسيات)، مما تكفلت به الصحافة المهنية التي تحرص على إعلام قرائها، فإني سأقتصر هنا على مجرد الإشارة إلى بعض الأوجه التي تؤكد بأن تلك التظاهرة تنخرط فعلا في أفق إدراج ذلك التراث الفكري والفني في جدلية المكونات الحية للمغرب الحديث بطموحات مهامه التاريخية في ظل إكراهات الحاضر.
فإلى جانب شخصيات مرموقة من مؤسسات الثقافة والفكر والصحافة والسياسة (مثلا: إيلفيرا سان خيرون، إدغار موران، جاك شانسيل، محمد اليازغي، أحمد خشيشن، خالد الناصري، إدريس اليزمي، محمد برادة، الخ)، تميزت جلسات الملتقى الفكري لهذه السنة بحضور ومشاركة السيدة ليلى شهيد، الممثلة السامية لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، التي واظبت على المشاركة الفعالة بتدخلاتها في كل جلسات الملتقى، معبرة في نفس الوقت عن إعجابها بمنهج المغرب في تصريف الأمور انطلاقا من المبادئ الثابتة، في جدليتها مع إكراهات الواقع المتحرك. عبرَتْ عن ذلك بناء على نوعية الخطاب الذي ساد في الجلسات، وعلى نوعية الوقائع الفنية التي شاهدتها واستمعت إليها، خصوصا حينما تقدمت الفرقة التي كونها مؤخرا أحد أبناء تارودانت بالضبط، البروفيسور يوسف شطريت، مشكـّلـَة من هواة الطرب المغربي الأصيل (أندلسي، ملحون، شعبي) من يهودٍ ذوي أصل مغربي موزيعين بين القارات، لتشنف آذان الحضور بمختارات من المطروز العربي-العبراني الذي تختفي معه حدود اللغة ويبقى جوهر الفن معبّرا عن جوهـر اللفظ. وأشير بهذه المناسبة إلى أنه قد صدر مؤخرا (2009) للبروفيسور شطريت كتاب ضخم باللغة العبرانية بعنوان معناه ‘اللغة ومستوياتها؛ اللغة وبنياتها’، وهو ديوان وتحليل للأمثال السائرة بالعربية المغربية المهوّدة، يضم قسما خاصا بأمثال يهود مسقط رأسه، تارودانت، ‘بنت الشام’، كما يحلو لخيال الشعبيين من أهلها أن يسميها.
وإذا كان صوت فلسطين-القضية قد عبر عن نفسه بصفة غير رسمية وبأشكال مختلفة من خلال تدخلات الكثير من المساهمين في مائدة الملتقى، وبصفة رسمية من خلال تدخلات السيدة ليلى شهيد، فإن صوت فلسطين الفني قد رُفع بدوره عاليا في تألقٍ وامتيازٍ اهتزت له مشاعر الحاضرين على اختلاف لغاتهم ومشاربهم الملية والفكرية. كان ذلك بفضل عطاء الفنان الفلسطيني الكبير، الشاعر والمؤلف الموسيقي المبدع، وعازف العود الماهر، ابن مدينة رفح، الشاب مُنعم عدوان. لقد أهدى هذا الصوت الفريد لجمهور الحاضرين على اختلاف آذانه الموسيقية، ومشاربه الثقافية، روائعَ مغناة من تلحيناته لأشعار الشاعر الفلسطيني الكبير، المرحوم محمود درويش، ومنها على الخصوص قصيدة ‘إلهي أعِدني، أعُد إلى وطني على ظهر غيمة، على ضوء نجمة’، وقصيدة ‘بيض النمل لا يلد نسورا’. وقد بلغ تأثر الجمهور أوجَه لما التحقت بالشاعر والمطرب الفلسطيني المطربة المغرية صاحبة الحنجرة الصوبـرانية، فرانسواز عطلان، المديرة الفنية للمهرجان، ليتبادلا تجاوباتٍ من مطروزات عربية-اسبانية-عبرانية، تجمعها وحدة جوهر الكلم وتناغم الألحان.
وقد أنهى مهرجان الأندلسيات الأطلسية ليلة السبت 30 تشرين الاول/أكتوبر 2010 موادَّ دورته السابعة بسهرتين فنيتين ختاميتين متميزتين. كانت الأولى بفسطاط ‘باب المنزه’، والثانية بـرياض ‘دار الصويري’. تميزت الأولى بتقديم صنائع من موسيقى الآلة المغربية الأندلسية وفن الملحون، ائتلفت فرقتان موسيقيتان في أداء جميع فقراتها، المطروزةِ كلماتـُها بخيوط من فصيح العربي، ومزمور العبراني، وشعبي الزجل: فرقةٌ مشكلة من مشاركة أجواق فاس وطنجة ومكناس برئاسة الفنان الكبير محمد بريول، وفرقةُ ‘حيـبرات دافيد هاميليخ’ (‘مجموعة الملك داود’) التي قدمت من ستراسبورغ. وكما هي عادة أداء الموسيقى المغربية الأندلسية، أدى هذا الائتلاف المشكّـل من حوالي خمسين فنانا من آفاق مختلفة تلك الفقرات بدون إشارات مايسترو لضبط الإيقاع، وتوزيع الأدوار، وضبط الانتقال عبر الفقرات، وبلا مستندات مكتوبة أمام العازفين والمغنين، كما لو أن الأمر يتعلق بمجموعة حي من الأحياء المغربية، وذلك أمام جمهور اختـلط فيه الرسمي بالعادي، والمدعو بابن المدينة وعابر السبيل، جمهور لا يجمع بين أفراده من مختلف الأجيال والأصول إلا مشاطرة غالبيته للجوق في الطرب، وذلك من خلال حيوية مشاركته الاحتفالية في ترديد المسالك السائرة من الريبيرتوار، في تجاوب حميمي رائع ومنسجم مع أداء ذلك الجوق المركب من الجهات الأربع للبلاد وللمعمور. وقد وتناوبت خلال كل ذلك صادحةً، وتجاوبتْ تجاوبَ الأجراس، أصواتٌ بديعة نادرة لكل من عبد الرحيم الصويري، وحاييم لوك، وعبد الرحيم عبد المومن، ونور الدين الطاهري. ثم انتهت تلك السهرة الختامية الأولى بتوزيع ‘الجائزة الكبرى الأولى للمطروز’ على كل من الفنانِين البارزين: محمد بريول، حاييم لوك، موريس المديوني، فرانسواز عطلان، ريموند البيضاوية، والباحثَـين: يوسف شطريت ومحمد المدلاوي، تقديرا لإسهاماتهم المختلفة والمتنوعة في ميدان المحافظة على التراث المويسقي المغربي-الأندلسي أداء فنيا وبحثا علميا.
أما السهرة الختامية الثانية، التي أحيتها مباشرة بعد ذلك المطربة ريموند البيضاوية، المعروفة كمعين ثرّ للأغنية الشعبية المغربية الاحتفالية، فقد تميزت بعد التحاق عبد الرحيم الصويري بتلك المطربة، بإلهاب الجمهور المتعدد الجنسيات والملل والأجيال، الذي كان من ضمنه مسئولون حكوميون تخلوا عن صفاتهم وإكراهاتهم الرسمية والبروتوكولية، والذي أخلى في نهاية الحفل مقاعده بالنسبة لمن كان قد أفلح في الحصول عليها، فقام الجميع يردد مع الفنانَين، وعلى خلفية الزغاريد والهتاف، أغنيتي ‘صوت لحاسان ينادي بلسانك يا صحرا’ و’لعيون عينيا، والساكَـيا لحمرة ليا، ولواد وادي’، وهما النوطتان الرمزيتان اللتان انتهت بهما سانفونية الدورة السابعة للأندلسيات الأطلسية على الساعة الثانية صباحا؛ ولعل هذا المنحى العفوي للجمهور إشارة رمزية عفوية إلى أن المغرب يضطلع بمهامه المبدئية انطلاقا من صميم مركزيته الوطنية السيادية التي تعلو ولا يُعلى عليها.