الشعر يمتزج بالألوان والظلال في ‘فن أبو ظبي’

حجم الخط
0

اعمال لبيكاسو ودالي ولفنانين عرب راحلين ومعاصرين وورشات فنية:

ابو ظبي ـ من فاطمة عطفة: فصول السنة متنوعة، ولكل فصل جماله وعشاقه لما يحمل من ملامح وأجواء مميزة، لكن الربيع يظل أجمل الفصول لأن الحياة تتجدد فيه ويحظى بكثير من المحبين لما فيه من خضرة وأزهار تشرح بألوانها الصدور وتنشر عبقها على الجميع، وهكذا أصبحت مدينة أبوظبي كل أيامها ربيع دائم مليء بمواسم الثقافة والفنون التي تمنح شعبها وجميع المقيمين فيها آيات من روائع الجمال والإبداع في الماضي والحاضر، حيث يفتح قصر الإمارات دائما أجنحته لاستقبال المهرجانات الفنية والثقافية والعلمية والتربوية وغيرها. وفي رحاب هذا القصر أمضى عشاق الفنون التشكيلية مع ‘فن أبوظبي’ أربعة أيام يتنقلون بين صالات العرض التي ضمت أنواعا من نتاج المبدعين في العالم من رسم ونحت وتصوير فيديو، جاؤوا من مختلف أركان الأرض ليعرضوا مجموعات من الفنون المعاصرة والحديثة، إضافة إلى أعمال فنية وروائع أبدعها فنانون عرب أثارت البهجة والسرور في نفوس الزائرين، الذين قدروا بعشرات الآلاف.

في رحاب هذا المهرجان الفني الكبير افتقدت قامة شامخة واسما مضيئا في عالم الإبداع والجمال هو الفنان الفلسطيني الراحل مصطفى الحلاج، الذي لم نشاهد له أي عمل من أعماله وكأن صالات العرض في العواصم العربية التي شهدت إبداعاته المتميزة، لم يخطر لأصحابها أن يحملوا معهم أي تحفة فنية مما ترك وراءه. لكن فلسطين لا يمكن أن تغيب وهي تؤكد حضورها دائما من خلال أبنائها المبدعين. وفي هذا المهرجان شارك الفنان طارق الغصين بعدد من أعماله جمعت بين الصحراء والنخيل، وكأن هذا الفنان المبدع يرمز بالصحراء الرمادية الموحشة لما يحيط بالقضية الفلسطينية من معاناة وتشتت وإحساس بالضياع، لكن الفنان غرس في رمال هذه الصحراء نخلات، وإن كانت قليلة متباعدة، إلا أنها تؤكد تمسكها بالأرض، رغم ما يحيط بها من قسوة الطبيعة والبشر.

وكان الشعر حاضرا في أكثر من عمل متداخل مع الألوان والظلال ليزيد جمال اللوحة عمقا وتأثيرا. الفنان التونسي عبد الله عكار المقيم في باريس له ثلاث لوحات تظهر في قلب إحداها كلمة (الطلاسم) بخط أسود واضح.. وإذا اقتربنا من اللوحة نكتشف أنها مقتبسة من قصيدة إيليا أبو ماضي التي تحمل نفس العنوان، وقد نثر الفنان عددا من أبيات القصيدة لتشكل حروفها المتناثرة بفنية وحس جمالي رائع بقية ملامح اللوحة. في لوحة ثانية حملنا إلى الأندلس وشعر ابن زيدون، ثم توج هذه الثلاثية بقصيدة (حبر الغراب) للشاعر الكبير محمود درويش، وبدت أبيات القصيدة زاهية متوهجة ليكون الغراب بلونه القاتم البغيض ظلا لها، لكنه لم ينس أن يرش جوانب منها باللون الأحمر، ليجعل الغراب محصورا بين أحواض الأرجوان المتدفق من قلوب الشهداء وضياء الشعر الإنساني الجميل.

وفي صالة أخرى ثلاث لوحات للفنانة المغربية لالا السيدي واحدة تحت عنوان (دار الباشا) تمثل امرأة جالسة طرزت ثيابها بعبوات الرصاص الفارغة، ولوحة ثانية بعنوان (امرأة من مراكش) وتمثل امرأة مستلقية وبالتكنيك الفني ذاته، واللوحة تأخذ المرأة وضعا مختلفا وبنفس الأسلوب الفني، واللوحات الثلاث مشكلة بالحروف.

اسمين فرحات من باكستان اختارت كلماتها من قصائد جلال الدين الرومي، الصوفي المعروف، بتشكيل جميل تنوعت ألوانه بين الأحمر والأبيض والأزرق في ثلاث منحوتات لتعبر عن الوجد الصافي في مختلف حالاته. ونتجول في صالات فنية أخرى فنشاهد عددا من عمالقة الإبداع الراحلين بيكاسو وسلفادور دالي وخوان ميرو. من لندن الفنانة سلمى مزياني من أصل تونسي عرضت تجارب جديدة للشباب في أعمال متنوعة لفنانين من العراق ولبنان وتونس.

وكانت مجسمات من اسبانيا تشكل موديلات لفساتين أزياء كلاسيكية وحديثة بنفس الوقت، إضافة إلى لوحة بورتريه لطفلة من كولومبيا، وهناك بعض اللوحات من طبيعة كوريا، ومن البرتغال.

وتفردت صالة منى الأتاسي من سورية بمجموعة من أعمال الرسامين الرواد عرضت تحت عنوان (فنانون تشكيليون سوريون 1900-1960) ومنهم لؤي كيالي، نعيم وأدهم إسماعيل، محمود حماد، نصير شورى، ناظم الجعفري، صبحي شعيب… وغيرهم. وكانت الفعاليات التي رافقت ‘فن أبو ظبي’ في قصر الإمارات، وفي الطابق الأول منه، واستمرت حتى 8 كانون الثاني/يناير 2011 بعنوان ‘ما وراء الأبواب’ وهي روائع فنية من مقتنيات أبرز رعاة الفن في المنطقة، وتضم حوالي 90 قطعة فنية تعود إلى الفترة الممتدة بين عشرينيات القرن وعام 2010 وتحمل إبداعات 52 فنانا حديثا ومعاصرا من المنطقة. ومن هذه الأسماء فاتح المدرس، شاكر حسن آل سعيد، ضياء العزاوي، لؤي كيالي، عبد الناصر غارم، عبد القادر الريس، غريب طوقان، نجا مهداوي، صفوان داحول، بول غيراغوسيان، جواد سليم وغيرهم. وجاء تأمين هذه المقتنيات برعاية كريستيز للمقتنيات. ومن أبرز مقتني هذه المجموعات الفنية الخاصة: الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان، عبد الرحمن العويس وزير الشباب والرياضة وتنمية المجتمع، الدكتور محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، والشيخ سلطان بن سعود القاسمي مؤسس مجموعة برجيل للفنون. وقد تمت استعارة الأعمال الأخرى من المجموعات الفنية لشركات، مثل مركز دبي المالي العالمي، و’أبراج كابيتال’ و’شركة التطوير والاستثمار السياحي، ‘هيئة أبو ظبي للسياحة’. والفعاليات التي رافقت ‘فن أبوظبي’ أهم الأعمال المعاصرة خصص لها مكان في بهو القصر، وهي أعمال معاصرة تشكل حوارية صامتة تجمع بين أعمال دانييل بورين وجياكوميتي في الفترة بين 1964 – 1966 وهي فترة قصيرة من الزمن ساهمت في انبثاق أعمال فنية أخرى.

وجاءت ورش العمل لتجعل الفنانين وأصحاب الصالات يلتقون ويشرحون للشباب عن خبرتهم في مجال الفن كل حسب اختصاصه، سواء بالنحت أو الرسم وغيره، هذا إلى جانب أن المعرض موفق باختيار نوعية الأعمال المشاركة، مما أتاح للفنانين من العالم العربي وخاصة فناني الإمارات فرصة العرض.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية