محمد عبد الحكم دياب
استئناف استهداف المسيحيين العراقيين من قبل جماعات التطرف والعنف، التي لها علاقة بتنظيم القاعدة؛ يبين إلى أي مدى تعمقت ثقافة الفتنة مع وجود الاحتلال والتقسيم الطائفي والعرقي والجغرافي في العراق. ويلفت الانتباه إلى ما نجم عن تصفية الدولة والقضاء على الانسجام الوطني والسلام الاجتماعي، والمدقق في الأمر يجد أن ذلك صار ظاهرة رسمية عربية وإسلامية لم تعد قاصرة على العراق. تنتهك فيها سيادة الدول، ويقسم على أساسها الوطن ويتفكك ويتمزق، ويتحول إلى دويلات وكانتونات. ولم يبق لهذه السياسات التي أفرزت هذه الظاهرة من وظيفة إلا التمادي والسير في طريق التدمير الذاتي حتى النهاية. هذه السياسات الشيطانية لم تكن لتنجح بغير ما توفر لها من إمكانيات لتكميم الأفواه ومن قدرات للبطش مع الحرمان من أبسط الحقوق. وإذا كان الحال الرسمي العربي والإسلامي في معظمه يسير على هذه الوتيرة باسم مقتضيات الأمن والحكم، فذلك سمح بارتكاب أبشع الجرائم، وأقسى أنواع الحماقات، وممارسة أكثر صور التزييف والتزوير فجورا. والوضع غير الرسمي ليس أحسن حالا. والمتأمل يجده في معظمه قد سقط في أتون العنف والإرهاب والبلطجة، التي لا تميز بين أحد، وهذا أكثر وضوحا على صعيد المتلفحين بعباءة الدين، والمنضويين تحت لواء جماعات تبدو حاملة لتفويض إلهي؛ تروع به الآمنين والأبرياء، وتقهر عن طريقه المسالمين وتنكل بهم، وتسفك دماءهم. وبين استبداد الساسة وفساد الحكومات وإرهاب تلك الجماعات؛ يدفع المجتمع ثمنا باهظا من أرواح أبنائه، وتهجير كفاءاته، وهروب شبابه، ونهب ثروته، وتخريب اقتصاده.
وأشاع ذلك جوا من المواجهة مع المخالفين في الدين والمذهب والرأي، وكان لدور العبادة النصيب الأكبر من العداوة والأذى، وبدت حلقات في سلسلة الغزو والتفتيت والتقسيم الموجهة للوطن العربي والدول الإسلامية. ومن الواضح أن هجوم الثلاثاء الماضي، وما سبقه من هجوم آخر على كنيسة ‘سيدة النجاة’ الكاثوليكية في بغداد، في اليوم الأخير من الشهر الماضي. وتبني تنظيم ‘دولة العراق الإسلامية’، المرتبط بتنظيم القاعدة لذلك الهجوم. من الواضح أنه كشف مدى الجريمة وأنها أبعد من حدود العراق السياسية والجغرافية. وشملت مسيحيي مصر؛ حسب ما ورد في البيان الصادر عن التنظيم المرتكب للجريمة؛ من خلاله وجه إنذارا للكنيسة المصرية ومنحها مهلة 48 ساعة للإفراج عما أسماه الأسيرات المسلمات في أديرة مصر، ويقصد بذلك احتجاز السلطات الكنسية المصرية لوفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة، وقضيتهما تشغل الرأي العام من مدة طويلة.
وأعمال من هذا النوع، أيا كانت الجهة المسؤولة عنها، تأتي في ظروف صعبة وبالغة الحساسية، يغطي فيها الإرهاب والعنف رقعة واسعة وممتدة؛ من الشمال الافريقي وسيناء ودارفور والصومال إلى اليمن والعراق وأفغانستان؛ إضافة إلى الجرح الدامي المستمر والنازف في فلسطين، بجانب ما تتعرض له المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان من اغتيال سياسي ومعنوي ومادي، وضع لبنان فوق فوهة بركان مرشح للانفجار في أي لحظة. والشيء نفسه يحدث للمقاومة العراقية. وكانت الجريمة التي نفذت إيذانا بدخول مرحلة أخرى من تصعيد الفتن والصراعات الأهلية؛ في وقت يُعلن فيه بوضوح وصراحة عن نجاحات واختراقات حققها جهاز الاستخبارات الصهيوني (الموساد) على صعيد الفتن والتفتيت والتقسيم والتوترات الطائفية والمذهبية في المنطقة العربية وحولها، بالإضافة إلى ما أنجز على صعيد شل قدرات وتطلعات بلاد إسلامية؛ لتأكيد استقلالها وتحقيق تقدمها وامتلاك أسباب القوة والاكتفاء ورفع مستوى المعيشة فيها.
وحين يستدير تنظيم موال للقاعدة إلى مسيحيي مصر يتوعدهم وينذرهم بالانتقام، فإن معنى ذلك أن هذه الجماعات لم تتراجع عن تحويل الدين من عقيدة للتوحيد والتسامح والهداية والمثل العليا، وسبيل لنشر الأمان وتأكيد الروابط المشتركة والوحدة الوطنية؛ بين قوى تتعدد فيها المعتقدات والمشارب والآراء إلى شيء مناهض تماما لذلك، دون اكتراث بأي رد فعل؛ متجاهلة أن الأصل في الإنسان حسب النص القرآني أنه مجبول على الحياة المشتركة في مجتمع آمن ووطن مستقر، من أجل صلاح العمران البشري؛ وفق مبدأ ‘يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (آية 13 سورة الحجرات)، والنص لم يخص فئة أو طائفة أو جماعة بعينها، وميزها على غيرها، وتوجه إلى كل الناس دون تفرقة؛ بما بينهم من اتفاق في المصالح ولقاء على المنافع وما فيهم من خلاف في الرأي والملة واللون والجنس. ولولا ذلك التعارف ما تطور العمران، فهو الأساس الجامع للشعوب والقبائل، وعلى نفس القياس يكون جامعا للمكونات الاجتماعية والسياسية، التي تبنى عليها المجتمعات الحديثة المتآلفة والدول الوطنية الموحدة. أما التكفير والقتل على الهوية عوضا عن هداية الناس، وعلى غير التعامل معهم على قواعد المساواة والإخاء والعدل؛ يحولها من جماعات من المفترض فيها حملها لرسالة ترسخ القيم الإيجابية في الحياة وتعلي من شأن الإنسان وتوفر له الأمان النفسي والاجتماعي إلى أخرى؛ تفضل صناعة الموت، وتجارة الدمار، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
وبمنطق الدين ورجوعا إلى نصوص القرآن – حسب ما نفهم – نجد أن كثيرا من النصوص وروحها تؤكد دوما على أن رسالة الإسلام جاءت مكملة ومتممة لما سبقها من رسالات؛ لم تأت نافية لها ولا مقصية لأتباعها، ونالت اعترافه وقبوله، وإيمان المسلم؛ وفق النصوص، لا يصح دون التسليم بها جميعا، وتبين الآية 62 من سورة البقرة نصا وروحا المساواة بأوضح معانيها بين أتباع الرسالات، فتقول الآية ‘إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون’ وشروط المساواة هي: 1) الإيمان بالله. 2) واليوم الآخر. 3) والعمل الصالح. وحوافز الثواب واضحة هي الأخرى تماما وهي: 1) لهم أجرهم عند ربهم. 2) ولا خوف عليهم. 3) ولا هم يحزنون. بجانب عديد من الآيات التي تحدد العلاقات وقواعد التعامل بين أصحاب الديانات السماوية اتفاقا واختلافا، ليس فيها إكراه ولا ضغط أو غصب، وليس فيها ما يعتمد على تأويل النوايا. ومع ذلك تصدر أحكام الكفر بلا شعور بأي ذنب أو مسؤولية. أليس التكفير مخالفة صريحة لكلام الله الصريح والمباشر؟! من هو الكافر إذن؟!
إن التعصب والتطرف يحول بين هذه الجماعات وبين التفاعل مع محيطها الإنساني والاجتماعي، ويعجزها عن فهم وسبر غور الحياة والغوص في أعماقها. والتطرف والتعصب أعمى أصحابه عن حقائق الأوطان ودواعي ظهورها وحاجة الإنسان إليها، منذ أن أُتخذت مستقرا جامعا لمن يعيش فيها ويسعى فوق أرضها، وكذا قيام الدول واعتماده على وحدة الأرض وتضامن السكان؛ وحاجتها إلى عقد اجتماعي يقنن العلاقات ويرعي المصالح المشتركة وييسر المنافع المتبادلة، ويضع ضوابط لكفالة الأمان والاستقرار. وبغير ذلك تتضعضع الدول، وتنتكس الأمم، وتسود شريعة الغاب، ويعود الإنسان إلى حالته البدائية الأولى؛ وحشا، تحركه الغرائز والنزوات. تتغير طبيعته من مقاتل إلى قاتل، ومن ساع للتوحيد إلى محرض على التقسيم. وسواء كان يدري أو لا يدري ينتهى به الأمر في خندق واحد مع عدوه؛ يسفك الدماء ويزهق الأرواح البريئة، ويرتكب الجرائم المكتملة الأركان، وندفع ثمنها جميعا ونتابع تداعياتها وبصماتها على كل مناحي الحياة العربية والإسلامية.
ليس من المروءة في شيء أن يحمل بعضنا أهلنا المسيحيين العرب والشرقيين ثمن جرائم لم يقترفوها ولا ذنب لهم فيها. فالجرائم والمذابح والتطهير العرقي الممنهج كلها جرائم تقترفها المنظومة الصهيو غربية؛ وتغطيها بشعارات ومبادئ شائهة وزائفة؛ عن الحريات وحقوق الإنسان والقانون والديمقراطية، وكلها حق لكنه حق يراد به باطل. حيث توظف لتبرير الاستيطان والغزو واستحلال الأرض ونهب الثروات، وفي نفس الوقت تستخدم في ابتزاز الحكام واصحاب السلطان المتواطئين معها من حكام العرب والمسلمين. نظلم المسيحيين العرب والشرقيين إذا ما أخذوا بجريرة غيرهم؛ وحُمّلوا مسؤولية جرائم يقترفها من يتبادلون أنخاب الدماء والنفط والنهب والاستثمار الزائف وصفقات السلاح المشبوهة؛ وإذا ما كان بينهم خونة يستقوون بالخارج، فمثلهم بين المسلمين وغير المسلمين؛ فالخيانة لا علاقة لها بالدين أو المثل العليا، إنها ديدن الساقطين إنسانيا وأخلاقيا والشواهد أكثر من أن تحصى. والخطر الحقيقي هو في نشر وإشاعة ثقافة التدمير الذاتي، وتأصيل قيم التكفير والموت المجاني والقتل على الهوية، وهو ما أوجد رهابا مسيحيا (مسيحو فوبيا)، الذي بدلا من أن يكون رهابا مصوبا للحروب ونحو سياسات الغرب ومشروعه الصهيوني، وطبيعته المعادية للقيم العليا؛ بما فيها تعاليم السيد المسيح عليه السلام؛ الداعية للسلام والمحبة والتسامح. بدلا من ذلك يوجه ذلك الرهاب إلى مسيحيي العرب والشرق. والغلاف الديني الذي يتغطى به ساسة الغرب لإشعال الحروب وتبرير الغزو وتزكية التطرف ودعم العنصرية؛ يُتّخذ ستارا للعودة الجديدة لاحتلال العالم وفرض المشروع الصهيوني عليه. وهذا على العكس من الرهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا). استغلته حكومات الغرب وقوى اليمين التي لها السيطرة على سياساته، وسنت قوانين وعبأت منظماته وأجهزته الرسمية وشبه الرسمية؛ السرية والعلنية، لوصم الإسلام والمسلمين بالإرهاب.
وعلى جماعات التطرف والعنف أن تعي مخاطر ما تقوم به من قتل على الهوية، وتعلم أن الخلاف في الدين لا يمكن أن يكون مبررا للترويع وإشاعة الرعب. ودماء مسيحيي العرب والشرق معلقة في رقابهم، وهذا يقتضي منا أن نهب دفاعا عنهم وعن حقهم في الحياة الآمنة والعيش في وطن يحتضنهم ويرعاهم، ويفرد أشرعته عليهم، وإذا لم نفعل علينا انتظار الطوفان. ساعتها لا يحق لنا أن ندعي أننا مع إعلاء قيم الحرية والتسامح والمساواة والعدل والمثل العليا. ونكون قد وقعنا في فخ الازدواج في القول والانفصام في الفعل. وإذا أراد المتطرفون والإرهابيون أن يعلموا سر ما يجري حولهم عليهم إعادة قراءة المشروع الصهيوني؛ الابن الشرعي والمدلل للظاهرة الاستعمارية، ونهجها في الإبادة والتطهير العرقي؛ لملايين البشر في العالمين القديم والجديد. ‘ كاتب من مصر يقيم في لندن