خيري منصور
اذا كانت الاشياء تستدعي نقائضها كما يستدعي الأبيض الأسود او العكس، فإن الرواية المتخيلة هنا هي عن قزم تورّط في جزيرة العمالقة، انها نقيض تلك التجربة المثيرة لجلفر في بلاد الأقزام، ورغم هذا التضاد بين المشهدين الا ان المأساة تبقى واحدة، خصوصا اذا تم تأويل مفهومي العملقة والتقزيم بحيث يتجاوزان حدود الجسد بالمعنى العضوي. فثمة أقزام عمالقة، مقابل عمالقة أقزام، وهذا ما عبّر عنه شاعر جاهلي رغم اختلاف الهدف عن قبيلة كان اسمها عبد المدان، وقد عرف عن ابنائها ضخامة الجسد وضآلة العقل، فهم كما وصفهم بغال بأحلام عصافير… وكأن الشاعر الجاهلي كان وزير اعلام قبيلته او الناطق باسمها، فقد غير هذا الشاعر رأيه عندما طلب منه ذلك مقابل مبلغ من المال، فقال معتذرا ان أهل الفصاحة والبيان ورجاحة العقل هم بنو عبد المدان.
يهمنا من هذه الثنائية شقّها الأول، وهو ما يتعلق بجلفر وعذاباته في جزيرة الاقزام بحيث تتحول هنا القوة الى عبء على صاحبها مثلما يتحول فائض القامة والجسد الى وليمة للأعداء، فمن المعروف ان جلفر استيقظ من نومه ليجد نفسه مكبلا، وقد ربطت خصلات شعره الطويل الى اوتاد، وتحول قصر القامة وضآلة الجسد بالنسبة لأعدائه الى امتياز وسلاح حاد… المسألة اذن تتعلق بالفائض، اي ما يزيد عن الحاجة في حرب ما او صراع من اي نوع، فالفأر مثلا محظوظ بضآلة جسمه ومرونة عظام رأسه لأنه يستطيع الاختفاء في اي جحر او شقّ، بعكس الأسد او الحصان فهما لا يستطيعان اخفاء الصوت، وما من زئير هامس او صهيل خافت كالمواء المبحوح، والفلاسفة والشعراء والاصلاحيون الحالمون في كل الأزمنة كانوا يعانون من مكابدات جلفرية على اختلاف تجلياتها، خصوصا هؤلاء الذين نُبذوا وتم اقصاؤهم او اغواؤهم احيانا كالبعير الأجرب او العنزة السوداء في القطيع، فقد عوقبوا على ما اقترفوا من الاجتراح لآفاق كانت مسدودة من قبل، ودفعوا الثمن الذي دفعته زرقاء اليمامة لأنها رأت أبعد مما يجب، او من المسموح به في الزمن الأعمى. فمن قال بدوران الأرض واستدارتها احرق في محاكم التفتيش، الا من خان وعيه واعتذر، وهذا هو الفارق الحاسم بين جوتارنو برنو وغاليلو غاليلي، فالثاني استدرك طلبا للنجاة، لكنه حين همس بعبارته الشهيرة وهي: لكنها تدور، لم يسمعه احد سواه، فكان هذا دليلا اضافيا على اساءة استخدام المعرفة بحيث تتحول الى مونولوغ، ويحول الخوف من الجهر بها دون ايصالها في وقتها الى الآخر، وما كأس السم الذي تجرّعه سقراط إلا عقاب على موعظة خالدة هي البدء بمعرفة النفس اولاً فمن يجهل ذاته سوف يجهل الآخرين، سواء كانوا بشرا او دولة او ثقافة، والقائمة التي بدأت قبل الاف السنين لم تقعد حتى الان تعج باسماء فلاسفة وكتّاب وشعراء اعتبروا في زمانهم مارقين، وصلب من صلب واحرق من احرق، وثمة حالات كان العقاب فيها انكى من حرق الجسد وهو حرق الكتب، سواء بأمر من السلطة كما حدث لابن رشد الذي يسميه د. محمود قاسم الرجل المُفترى عليه، او بأمر من الذات هو اقرب الى الانتحار العقلي كما فعل ابو حيان التوحيدي بمخطوطاته عندما اشعل النار فيها زاهدا بكل ما رأى وسمع وكتب.* * * * * * * اكثر ما يعبر عما اسميه التجليات الجلفرية اسطورة يونانية عن صراع الاله اندرا والشيطان، فالشيطان استمد قوته في هذا الصراع من قدرته على الاختفاء، وبذلك لا يكون هدفا لسهام خصمه او رصاصه، لهذا لم يجد الاله اندرا سبيلا للتخلص من ملاحقة الشيطان اللامرئي سوى الاختباء في ساق زهرة اللوتس، هكذا اذن يصبح الجسد عبئا على حامله في حرب طرفها الآخر ضئيل او غير مرئي بالعين المجردة، ولو شئنا استحضار مثال آخر من عصرنا فهو مقالة شيهرة لتشيكوف عن النقد المتطفل وغير المسلح بالوعي والمعرفة، فقد وصف تشيكوف هذا النمط من النقاد بالذباب الذي يحوم حول ذيل الحصان، ويوتر اعصابه، وما يضاعف من هذا الازعاج والتوتير للحصان ان عدوه صغير جدا وغير مرئي، ولا يملك اية مساحة من الجسد بحيث يستطيع ان يرفسه او يعضّه. هذا المثال يجسّد انتصار القزم على المارد في التجليات الجلفرية، فالأخفّ وزنا هو ما يطفو وينجو من الغرق، والأكثر ضآلة هو من يجد المخبأ المناسب في كل أوان بعكس الكائنات التي تعاني من فائض وجودي، سواء تجسد في حجومها العضوية او في صوتها الجهوري او ما يشعّ منها من حضور.* * * * * * * * قد يبدو صادما لنا ما قاله برتراند راسل ذات يوم عن الجهل باعتباره مصدرا منجميّا للحرية، فمن لا يعرف لا يتردد في الافتاء حول أعقد القضايا، لهذا فالمعرفة قيد، لأنها لا تجعل الانسان يتحدث كما يشاء كما لو انه آدم الخليقة، او اول من فكر وكتب، ويقابل عبارة راسل هذه في تراثنا ما ينسب الى الامام علي بن ابي طالب وهو: ما حاورت عالما الا وغلبته، وما حاورت جاهلا الا وغلبني، لأن الجاهل لا يعي المساحات الفارغة في عقله ولو كان واعيا بها لما كان جاهلا. قوة الجهل هنا هي المرادف لقوة اللامرئي او الضئيل في مثال تشيكوف عن الذباب النقدي، او مثال الاسطورة في حالة الاله اندرا الذي يختبىء في ساق زهرة اللوتس، وقد تبدو هذه المفارقات مضادات معرفية بامتياز، لكن ما يحدث في عالمنا الان لم تعد المفاتيح الكلاسيكية قابلة لفضّ اقفاله، فالجهل الان ليس أعزل ولا يملك فضيلة الخجل، انه مدجج بأعتى الاسلحة ولا نبالغ اذا قلنا بأنه جهل نووي. أما المعرفة فهي عزلاء الا من منطقها الداخلي، لهذا فهي منسحبة من الحلبة ولو الى حين، ووفق هذا المعيار المعكوس المقترح على البشر فإن على الأطول ان يعتذر للأقصر وعلى الأجمل ان يعتذر للأقبح، فالمراذلة هي المضاد المصنّع بعناية فائقة كبديل للمفاضلة، ولدينا امثلة حية من صلب واقعنا، منها ان الممثل السينمائي الأكثر ثقافة ووعيا عليه ان يتنازل طواعية عن نصف ثقافته كي تليق به صفة النجم، وكذلك الشاعر والروائي والرسام، فمن لا وقت لديه للوثب برشاقة قرد من شجرة الى اخرى، ومن تحول كبرياؤه المعرفية دون تزلفه للنقد او الصحافة والتلفزة قد يجد نفسه بعيدا عن الإضاءة، وهو بالمناسبة ينعم بهذا الانعتاق من الانتهاك والفضول السطحي، لأنه يدرك بأنه يدفع ثمن الفائض. ان ما اصاب الطبيعة من التصحر وسرطنة العافية بسبب التصنيع الزراعي الهادف الى مضاعفة الانتاج على حساب النوع، انتقلت عدواه الان الى الثقافة، ولا يقابل شحّة الانتاج المسمى بالعضوي او الأورغانيك في الغذاء الا شحّة النتاج المعرفي، فهما معا من افراز دم واحد حتى لو نزفا من خاصرتين متباعدتين.
التجليات الجلفرية لا آخر لها ما دامت نجاة الانسان أصبحت مقترنة بتمنياته ان يصبح فأراً!!!