عزت القمحاوي
آمال عبيطة: أخيرا انتبهت إلى أنني عقب كل عزاء أقوم تلقائيا بأحد فعلين: أشتري نبتة جديدة أو أنفض الغبار وأعيد ترتيب الكتب. معظم عزاءاتي في القرية، لا أعرف لماذا؟ هل لأن الناس يقبلون هناك على الموت أكثر مما يفعل سكان القاهرة، أم أن الموت هناك مشرع على الملأ مثله مثل الحياة ويقدم دعوته الكريمة للمشاركة؟ أم لأن القرويين لا يتسامحون في حق العزاء كما يتسامح أهل المدن؟
أسئلة لا أعرف لها جوابا، مثلما لم أكن أعرف لماذا أتوقف في طريق عودتي دائما لشراء نبتة عندما تكون العودة نهارية؟ كنت أتصورها ضرورة اقتصادية تتعلق بفارق السعر بين المشاتل خارج القاهرة وداخلها، لكنه فيما يبدو فعل تحد للموت، أقطع عليه الطريق لحظة شراء النبتة فلا يكمل معي إلى القاهرة. وعندما تكون العودة ليلا أستعيض عن ذلك بالبدء في ترتيب الكتب فور وصولي، وكأنني أنفق ما تبقى من يوم أخذه الموت، لأبدأ يوما جديدا في الصباح.
هذه المرة لجأت إلى الكتب. ووقعت عيني على كتاب شغلني طويلا وقت صدوره ‘المراثي الشعبية.. العديد’ لعالم الاجتماع عبد الحليم حفني. لم أنتبه إلى عبارة على الصفحة الأولى من نسخة الكتاب الذي عدت إليه مرارا ‘لا نملك إلا الحزن مع أمل عبيط أن ينتهي’. العبارة مكتوبة بخط جميل وممهورة بتوقيع محمد حربي زميل وصديق الجامعة. لا أذكر إن كانت عبارته هذه على سبيل الإهداء أم أنه كتبها هــــــكذا وأنا قرصنت الكتاب منه أو استعرته استعارة دائمة! لكنني أذكر أنني لم أر حربي منذ عشر سنوات هو الذي سبقني إلى كتابة الشعــــر، وعرفني مبكرا باثنين من غاضبي قريته: نجيب سرور وعفيفي مطر، ومثلهما كان حربي قد بدأ يكتب شعرا غاضبا. نجيب لم ينظم جرعات حزنه فتكاثر عليه وأخذه سريعا، عفيفي تعايش معه حتى عاد إلى طمي رملة الأنجب هذا العام، أما صديقي محمد فقد جرب الكثير من أقسام ومطبوعات مؤسسته الصحفية الكبيرة التي لم تحتمل حزنه ونقاءه فحاول الاختباء في مكان بعيد. وعندي أمل عبيط في أن يكون حزنه الآن أقل.
فن الموت:
يروي طه حسين في سيرته أنه كان يستمع في صباه إلى غناء شقيقاته وعديد أمه عندما تكون محزونة، ويعلق بأن كل امرأة في مصر تكون محزونة عندما تريد، ومع هذه الملاحظة عن النساء، يقول إن الغناء لم يكن يترك فيه أثرا ويجده سخيفا، في حين كان تعديد أمه يهزه هزا عنيفا. كانت طفولة طه حسين في زمن الكثافة الحزنية؛ تعدد الثكلى على فقيدها وتعدد النائحة المأجورة لدى الميسورين وترد عليها جوقة مسرحية وقد دهنت الفرقة وجوهها بالنيلة الزرقاء.
أنقذ عبد الحليم حفني فن الحزن من الموت، وكان كتابه يوم صدوره مطلع الثمانينيات مناسبا للروح الرومانسية الحزينة في سن الرثاء للذات التي ترى نفسها وحيدة في الحزن وفي الحسن ولديها أمل عبيط بأن ينتهي الأول ويستمر الثاني، فإذا الحياة التي تنسى وصايا عشاقها تبدل الوصايا فتديم الحزن وتأتي على الحسن.
لم تكن هناك عدودات أو مراث عامة تصلح لكل الميتين، بل يوجد مقال جاهز لكل مقام؛ التعديد على الشاب وعلى العروس، التعديد على كبير قومه وعلى الكادح الذي زرع زرعا ولم يحصده، تعديد على أخي البنات وحاميهن، كما أن هناك تعديدا على من مات بالكبد ومن مات مصدورا أو بعلة أخرى. ولم يكن البكاء ينتظر الموت، بل يبدأ في فترة المرض ومع اقتراب علامات النهاية. كان الطب بسيطا ويتحير بسهولة في المرض: ‘دخل الحكيم قدمت له الطاسة/ قال الحكيم معاييش دوا ليهم. دخل الحكيم قعدت قُدّامه/ قال يا شقية خلصت ايامه’. وأحيانا لا يكون لدى المريض ما يدفعه للطبيب فتتمنى المرأة لو كانت الطبيب المداويا:’مالك تشيل عينك تكب دموع/ياريتني حكيم ومعايا دوا الموجوع’. بعد الموت، هناك من الشعر ما يعتصر القلب لكل لحظة من لحظات الرحلة؛ ما يقال لحظات التغسيل، ما يقال في الخروج من البيت، وما يقال في الطريق، ثم يبدأ تحنين القبر على ضيفه، ثم الشكوى من عدم القدرة على الدخول لتغيير ملابس الميت الأنيق بأخرى نظيفة.
كثافة الحزن رأيت في طفولتي انسحابها الأخير من القرية، وأعادها إلينا د.
حفني ونحن في سنوات الجامعة الأولى لنكتوي بآلامها، وها هي تصبغ ليلي بنيلة كنت أظنها انقرضت من الأسواق.
علم النسيان:
لم يعد الحزن كما كان، وهذا ليس موضوعا للتألم بل للتأمل. كان بعض الرحيل لا يترك حياة للأحياء من بعده، تُعلق الأفراح سنوات طويلة في العائلة، وتقضي الأم أو الأرملة بقية عمرها حافية، لأن الانتعال علامة فرح وكذلك الاستحمام. ويوما بعد يوم يتضاءل الحزن، وإن بقيت ليلة العزاء التي تتحول إلى جلسات نميمة أو تعارف أو صفقات. هل تغيرت طبائع الأحياء أم طبائع الموتى؟ هل يرتبط الحزن بالقيمة الاقتصادية للإنسان، وتحديدا للجسد المنتج؟ هل هو التصاق أفراد العائلة في عالم ضيق ما كان يمنح الموت تلك الكثافة وذلك الثقل؟
علماء اجتماع الجسد يربطون بين التقدم الطبي وانتشار المستشفيات وبين ظاهرة خفوت صوت الحزن، لأن الحداثة تعزز الحدود بين الأجساد السليمة والمحتضرة. الجسد المحتضر صار في عهدة أخصائيين يعرفون كيف يصلحون العطل في هذا الجزء أو ذاك من الماكينة البشرية، وما يقوله الأطباء هو الحكاية التي يكررها المريض لزواره، للتأكيد على أن الفنيين يقومون بواجبهم الذي سيقود حتما إلى الشفاء، وعندما يتدهور المريض أكثر يتولى المرافق رواية القصة. وهكذا هناك دائما ما يقال ويعفي الزائرين من كلمات المواساة العصية، حتى يقع الحدث الذي يرد الجسد من منطقة العقلنة الباردة ويضع الحداثة كلها على المحك. لكن الجسد لا يخرج من عهدة أخصائيي الحياة حتى يكون في عهدة أخصائيي الموت الذين يتولونه من ثلاجة المستشفى إلى باب القبر. تلك المرحلة الأخيرة لم يزل القرويون يتولونها بأنفسهم؛ فيغسلون ميتهم ويكفنونه ويصلون عليه ويحملونه على الأعناق. وربما هذه اللحظات الحميمة هي التي تحتفظ للميت القروي ببقية من الحزن لا يجدها ميت المدينة.qlaqpt