تنظيم القاعدة في لبنان فماذا بعد؟

حجم الخط
0

عبدالسلام بنعيسي أصبح بعض اللبنانيين المناهضين لحزب الله يهددونه بأنه سيواجه تنظيم القاعدة في شوارع بيروت، إذا استمر في ضغطه الحالي على سعد الحريري وأجبره على الاستقالة من رئاسة الوزراء، على خلفية تمسكه بالمحكمة الدولية والقرار الظني الذي سيصدر عنها في شأن اغتيال والده رفيق الحريري. فوفقا لأصحاب هذا الرأي، فإن رئيس وزراء لبنان اليوم يشكل عنوانا للشق المعتدل في السنية السياسية، وغيابه عن الساحة، سيؤدي أوتوماتيكيا إلى ظهور تيارات سياسية سنية متطرفة، يكون على رأسها تنظيم القاعدة لمواجهة حزب الله. الذين يروجون لمثل هذا الخطاب، العديد منهم من مسيحيي 14 آذار، ومن أطر تيار المستقبل والمتعاطفين معهم.

لعل أصحاب هذا الرأي ينسون أن عقيدة القاعدة تتحدد في محاربة الأمريكيين وكل من يواليهم في ديار الإسلام. بسبب رفع القاعدة لهذا الشعار حظيت هجماتها على القوات الأمريكية في العراق وفي أفغانستان، وفي مناطق متعددة من العالم، بتعاطف من الرأي العام العربي والمسلم. كانت ضرباتها للقوات الأمريكية تقابل بالترحيب، وصارت نتيجة لذلك، لدى هذا التنظيم، حاضنة شعبية تسانده وجدانيا في صراعه مع أمريكا والغرب عموما، وفي سعيه لطرد هؤلاء من مواقع النفوذ التي يسيطرون عليها في مواقع متعددة من العالمين العربي والإسلامي.

التعاطف الذي يحظى به تنظيم القاعدة في الشارع العربي والمسلم، ناجم أساسا من كونه يعلن أنه في صراع مع أمريكا القوة العالمية الأولى في العالم التي ترعى إسرائيل وتساندها في عدوانها ضد العرب عموما، والفلسطينيين على وجه الخصوص. ولعل هذا هو الرأسمال الذي لا يمكن تصور أن هذا التنظيم سيفرط فيه، ليس لأنه في حاجة إليه لامتلاك (الشرعية) التي تؤمن له القدرة على الاستمرار في الصراع، ولكن لأن عقيدة التنظيم تبلورت بشكل نهائي، وتحددت في العداء لأمريكا وإسرائيل، ورفض كل سياسة تجاريهما في المنطقة.

إذا جاء هذا التنظيم إلى لبنان لمحاربة حزب الله، أي المقاومة التي تحارب إسرائيل، فإنه سيصبح، من حيث لا يدرك، جزءا من ما يسمى جيش الدفاع الإسرائيلي، سيتحول إلى قوات رديفة للقوات الأمريكية، وقد يصير مصيره شبيها بمصير الصحوات العراقية، سُيغلَب التنظيم في هذه الحالة، الاعتبارات الطائفية على الاعتبارات المبدئية الجهادية التي يقول إنها هي التي تملي عليه جميع تصرفاته، والمهم هو أنه سيفقد التعاطف الشعبي الذي كان يملكه بسبب الضربات التي وجهها أكثر من مرة للقوات الأمريكية، ولمشاريعها في المنطقة. ستكون القاعدة أمام معركة خاسرة بكل المقاييس، ولذلك يستبعد انجرارها للمسك بهذا الحبل الممدود إليها.

الغريب في الأمر هو أن الذين يروجون لهذا الخطاب هم في مجملهم من الحداثيين الجدد الرافضين لتوظيف الدين في السياسة، ومن الذين يرفعون شعار الاحتماء بالدولة ومؤسساتها، ومن الذين يذكروننا صباح مساء بأنهم مع الشرعية الدولـــــــية، وضد التطرف، وخروج لبنان عن قواعد المنتظم الدولي، فهل شعارات تنظيم القاعـــــدة صارت فقــــرة من فقرات ميثاق الأمم المتحدة، لكي يتم التلويح بها لمواجهة حزب الله؟ تنظـــيم القاعدة في نظر هؤلاء تنظيم متطرف وإرهابي حين يصارع الأمريكيين، غير أنه تنظيم مقبول ومستساغ، ولما لا، مرحب به، إذا قرر الدخول في صراع مسلح مع المقاومة اللبنانية التي هزمت إســـرائيل لمرتــــين متلاحقــــتين، وأصبحت شوكة في حلق إسرائيـــل، لا هي قادرة على بلعها ولا على رميها.. لنفترض مجازفة أن تنظيم القاعدة أصبح غير تنظيم القاعدة الذي نعرفه، ووضع جانبا برنامجه الذي يحدد فيه أن عدوه الأول هو أمريكا وإسرائيل، وقرر المجيء إلى لبنان لمحاربة حزب الله، ولنذهب في الخيال إلى حدوده القصوى، ولنتصور أنه صار قوة متمكنة فوق التراب اللبناني وحقق الانتصار على حزب الله، فماذا بعد؟ الجميع يعلم أن القاعدة تعتبر أن جميع المسيحيين كفار، بمن فيهم مسيحيو 14 آذار، وتتعين استتابتهم للتحول إلى الدين الإسلامي، وإذا رفضوا فإن عليهم، في الحد الأدنى، دفع الجزية، و في الحد الأقصى، يحق فيهم الجهاد، لأنهم كفار.

تنظيم القاعدة يرفض ما يسمى بقرارات الشرعية الدولية، ومن ضمنها المحكمة الدولية، وكل ما يصدر عنها من اتهامات، إنه لا يقبل الاحتكام إلا أمام محاكم إسلامية طبقا لتعاليم الشريعة الإسلامية. هذا التنظيم لا يعترف بشيء اسمه المجتمع الدولي، فالعالم مقسم من وجهة نظره إلى فسطاطين، الأول للمسلمين والثاني للكفار.. القاعدة ضد وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتدعو إلى استمرار الحرب معها إلى أن تزول نهائيا من الخريطة السياسية، وبالتأكيد فإنها ضد اليونيفيل، وضد القوانين الوضعية، وأن قانونها الأسمى الذي لا تقبل عنه بديلا هو نصوص الشريعة الإسلامية، خصوصا في الجانب الذي يحث، من وجهة نظر أعضائها، على عدم تبرج المرأة، وتناول الخمور والسجائر، والاختلاط بين الجنسين، وضد البنوك والإذاعة والتلفزيون والأغاني والأفلام.. حين يتم القبول بتنظيم القاعدة، فإنه يتعين أن يكون القبول ساريا على كل هذه الملحقات التي قد تواكب وجودها في لبنان، لا يمكن القبول بالقاعدة حين تحارب حزب الله، ثم يقع التخلي عنها أو التخلص منها بعد ذلك. التنظيم لا يعتبر نفسه مجموعة من المرتزقة يؤدي مهام قتالية مقابل حفنة من الأموال. إنه تنظيم عقائدي يريد أرضا ينشئ فوق ترابها دولته الإسلامية بالمواصفات التي يرتضيها. إذا تم القبول بالقاعدة في لبنان بالشروط التي تريدها، ماذا سيتبقى من لبنان وقتها؟ ألن يكون حزب الله، مقارنة معها، رحمة ونعمة من الله، بالنسبة للبنانيين؟ ‘ كاتب وصحافي من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية