بشارة مرهج السياسة الاوروبية الخارجية تجاه القضية الفلسطينية تنبع من امرين اساسيين، اولاً: المصالح الاوروبية نفسها التي قضت في السابق بتقسيم بلادنا واحتلالها واستغلالها. وحتى هذه اللحظة لم تطرأ تغييرات نوعية على هذه المصالح التي تتطور وتتغير دون ان يمس ذلك في جوهرها وان كانت هذه المصالح في الحاضر تفرض على الدول الاوروبية لتحسين صورتها. والظهور بمظهر المعتدل المتفهم للاوضاع العربية ولعدالة القضية الفلسطينية والسعي لبناء علاقات أوثق مع مختلف دول البحر الابيض المتوسط الذي يؤثر بصورة مباشرة على امن واستقرار واقتصاد اوروبا.
الامر الثاني: حصر الدول الأوروبية على حماية اسرائيل والتضامن معها والسكوت الفعلي على ممارساتها الدموية وتحمل الحرج الشديد عنها متأثرة في كل ذلك بعقدة الذنب تجاه اليهود، تلك العقدة التي برعت الحركة الصهيونية وانصارها في تغذيتها وتأجيجها اعلامياً وثقافياً داخل المخيال الاوروبي العام مستفيدة من اضطهاد الطبقات الحاكمة في اوروبا من العهود السابقة للجماعات اليهودية وصولاً إلى سياسة التمييز القصوى التي اتبعتها الحركة النازية ضد هذه الجماعات وسواها من مختلف الاثنيات والاديان.
هذا التمييز الذي مارسته الطبقات الحاكمة في اوروبا ضد مواطنيها اليهود اكسب هؤلاء صفة الضحية التي تفرض على الاوروبيين التضامن معها ‘وتفهم’ انفعالاتها الاستفزازية وقبول تصرفاتها الدموية وتبرير سياساتها الاستيطانية خصوصاً اذا كانت خارج اوروبا وضد طرف آخر هو الشعب الفلسطيني الذي سحقته العدالة الاوروبية وحرمته من ابسط حقوقه قبل ان تتشارك في هذا الاثم مع الحركة الصهيونية والتوسعية الأمريكية.
وإذا كانت بريطانيا هي التي تولت اصدار وعد بلفور على حساب الحق الفلسطيني ورعت نشاطات الوكالة اليهودية في فلسطين وآزرتها في اضطهاد الفلسطينيين وبناء الدولة الصهيونية ضمن الانتداب وبحمايته فان اوروبا بأنظمتها واحزابها وحكامها احتضنت بدورها ذلك الوعد الظالم وساندت الحركة الصهيونية في كل مراحل تطورها، ولا سيما في مرحلة اعلان التقسيم وما بعده وحتى ما بعد ان تسلمت واشنطن الراية الملطخة بدماء الشعب الفلسطيني واطفاله الميامين. وبهذا المعنى فان الحركة الصهيونية ليست نتاج فكر يهودي عنصري متزمت وحسب وانما هي أيضاً نتاج طبيعي للحركة الاستعمارية الاوروبية التي بررت لنفسها استعباد الشعوب والاستيلاء على خيراتها واحيانا ابادتها.
وفي اطار هذه المعطيات الماثلة والراجحة تتحرك السياسة الاوروبية بحذر ومرونة لمقاربة القضية الفلسطينية التي فرضت نفسها، رغم كل العثرات والنكسات، حقيقة اقليمية ودولية لا يمكن لاحد ان يتجاهلها. ومما لا شك فيه ان الموقف الاوروبي قد تطور بالاتجاه الايجابي نحو القضية الفلسطينية لا سيما لجهة الاعتراف ببعض الحقوق الفلسطينية وتقديم المساعدات الاقتصادية للسلطة المرتبكة في رام الله الا ان هذا التأييد المحدود للفلسطينيين مرتبط دائماً بتأييد واسع النطاق لاسرائيل، وجوداً حقوقياً، وكياناً سياسياً، وأمناً حيوياً، بحيث يستوعب هذا الموقف الاوروبي المزدوج الفراغ الناتج عن غياب العقل والمنطق والمشاعر الإنسانية لدى قادة اسرائيل الذين يسخرون كل يوم من المبادىء والمثل التي تتمسك بها الشعوب الاوروبية.
وبدلا من ان يتحول الموقف الاوروبي باسم المبررات والوثائق التي ينطلق منها إلى موقف ضاغط على الكيان الاسرائيلي للالتزام بقرارات الامم المتحدة والعدالة الدولية نراه كل مرة يتراجع إلى الوراء تحت ضغط التحالف الامريكي الاسرائيلي مما يطرح تساؤلاً كبيراً حول حقيقة المواقف الاوروبية ودورها – عبر المساعدات الاقتصادية وسواها – في احتواء الموقف الفلسطيني الرسمي وتكبيله وبث روح الاستكانة والاشكالية من ثناياه، في الوقت الذي تمضي فيه اسرائيل باجراءاتها القهرية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه وحرياته وممتلكاته وتراثه مستخدمة كل اشكال الارهاب وصولاً إلى احراق الكنائس واحتلال الجوامع ورمي العائلات في الشوارع وحرمان المزارعين من حبة الزيتون والتعرض للنساء وقتل الاطفال دون ان تلقى هذه الاجراءات، لا بل هذه السياسة الإرهابية أي معارضة جدية من قبل الدول الاوروبية خلا بعض عبارات الاستنكار التي عاجلاً ما تتحول إلى كلمات على الماء وأضواء خضراء تسمح لجنرالات اسرائيل وميليشياتها بالاستمرار في النهج الاجرامي العنصري الذي ساروا عليه منذ الانتداب البريطاني وبالتعاون الكامل معه.
يقر الاتحاد الاوروبي اليوم بضرورة عقد تسوية سياسية للمشكلة الفلسطينية التي ساهمت دوله بصنعها عبر وعد بلفور والسياسات التي إتبعتها في تشجيع الاستيطان وتمويله وتسليحه وتوفير الحماية السياسية له في الوقت الذي كانت فيه هذه الدول تقوم فيه بتفتيت الكيان العربي وشله.
وإذا كان الاتحاد واضحاً في العناوين إلا انه غامض في الطروحات والآليات لا بل ان أي موقف ايجابي يتخذه لا يصمد طويلاً اذ سرعان ما ينكفئ امام الضغط الأمريكي والاسرائيلي. فاوروبا حتى اللحظة ولاعتبارات عديدة لم تستقل تماماً عن السياسة الأمريكية خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الخارجية. صحيح انها تتمتع بهامش مناورة اوسع من امريكا كما حدث في الحرب على العراق حيث كانت الحكومات الاوروبية تدرك تهافت المزاعم الأمريكية وتدرك نوايا واشنطن العدوانية ومع ذلك، وبالضد من رغبات شعوبها، آزرت العدوان المجرم على العراق وشاركت فيه وساهمت حتى في اسباغ شرعية الامم المتحدة عليه بغض النظر عن القيمة الحقيقية لهذه الشرعية التي لا تنتفض الا بوجه المقاومة وبعض الاقطار العربية التي تحاول التملص من الهيمنة الخارجية. ومقابل هذه المواقف الاوروبية الرسمية تجاه القضية الفلسطينية والتي تتسم بالازدواجية والضبابية نشهد اليوم نهضة ملموسة على صعيد المؤسسات الاكاديمية والاهلية والحقوقية والدينية في اوروبا التي تقوم بمبادرات جريئة لمراجعة مواقفها السابقة والتحول نحو دعم الشعب الفلسطيني وتوجيه المزيد من الانتقادات للمواقف الاسرائيلية الإرهابية.
ان هذه النهضة وما تمثله من حقائق وفرص يجب التوقف عندها والعمل على احتضانها وتطويرها حتى تتحول إلى مواقف مؤثرة في قابل الأيام تعود بالخير على القضية الفلسطينية.
ونحن نحيي الدور البناء والايجابي الذي يقوم به مركز الزيتونة في هذا المضمار بالتفاهم مع كل الحاضرين والمحاضرين اسمحوا لي، دون ان انكر فضل كثيرين، و نحيي شخصيتين لهما باع طويل من دعم القضية الفلسطينية على الصعيد الاوروبي كما العالمي. الاول: المناضل الايطالي ستيفانو كياريني الذي رحل منذ ثلاث سنوات بعد ان اسهم مساهمة فعالة في كسر جدران الصمت حول مجزرة صبرا وشاتيلا وأرسى تقليداً رائعاً بين الاف المناضلين الايطاليين والاوروبيين يقومون بموجبه بزيارة بيروت كل سنة لاحياء تلك الذكرى الاليمة وري شجرة الصداقة الحقيقية بين اوروبا والشعب الفلسطيني.
الثاني: المناضل البريطاني الاممي جورج غالاواي ورفاقه الاحرار في هيئة Viva Palestina واساطيل الحرية الذين كسروا بالفعل مع اخوانهم المناضلين الاتراك والعرب وسواهم الحصار الظالم عن غزة وعن القضية الفلسطينية على حد سواء.’ كاتب لبناني ووزير سابق