احتفاء بالصداقة والحياة

حجم الخط
0

الياس خوري

بدأت صداقتي مع مارسيل خليفة منذ سنوات لا تحصى. كانت الحرب، وكانت بيروت. اذكر انني كتبت مقالا عن اغنية ‘يا علي’، المأخوذة عن قصـــــيدة للشاعر عـــباس بيضون. وكان هذا المقال بداية صداقة لم تزعزها تقلبات الدهر. بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، كتبت نصا عن معسكر انصار، قرأه مارسيل على ايقاع موسيقى من تأليفه، فصرنا معا جزءا من نبض المقاومة الوطنية اللبنانية، التي كانت تتابع بناء الأفق الذي صنعته التجربة الفلسطينية- اللبنانية المشتركة.

لكن مارسيل نجح حيث فشل الكثيرون، استطاع هذا الفنان المبدع ان يلتقط موسيقى الشعر الحديث، ويدخلها في نسيج الأغنية. والشعر، عند العرب، هو جزء من كتاب الأغاني، مثلما علمنا ابو الفرج.

ليس غريبا اذا ان يبدأ مارسيل التأليف على ايقاعات محمود درويش. فدرويش استطاع ان يصنع موسيقى الروح في الشعر العربي الحديث. الموسيقى الجديدة نمت في كلماته، وصارت حقلا للمعاني التي يموسقها القلب، وتنبض فيها الروح.

بدأ خليفة مشواره بمحمود درويش، غنّى له، لحّن قصائده، حوّل الشعر موسيقى يرددها الناس، فيطربون للمعنى، ويسحرون بالاستعارات، ويدخلون في نسيج الايقاع، الذي بدا وكأنه ولد في وجداننا من دون ان ندري.

وفي مشواره الذي امتد من قصيدتي ‘امي’ و’ريتا’، مرورا بـ’ أحمد الزعتر’، وصولا الى ‘انا يوسف يا ابي’، و’امر باسمك’ وقصائد من ديوان ‘كزهر اللوز او ابعد’، بدا خليفة وكأنه يأخذ تجربة علاقة الشعر بالموسيقى الى ابعاد جديدة، ويصنع وعينا من كلمات والحان لا تموت.

لا احاول في هذا المقال ان ادرس تجربة خليفة الغنية في الموسيقى والغناء والنضال، فهو لا يــــــزال في المــــيدان، ينتقل من تجربة الى اخرى، ويغوص بحثا عن لؤلؤة الحياة الذي تختزنها موسيقانا الشرقية، بل اريد ان اكتب عن الصداقة. الصداقة التي يمكن ان تلخص اعمارنا الهاربة. فنحن نستطيع ان نكتب سيرة حياتنا بحكاية صداقاتــــنا. فالصداقة احدى مرايا ارواحنا، فيها نرى صورتنا وهي تتبدل وتتغير، لكنها تغتني بالمرآة، لأنها تصير هي ايضا مرايا للآخرين.

عندما مات مارون بغدادي في حادثة الدرج المروعة، احسست بأن شيئا من صورتي ضاع الى الأبد. لحسن حظي انني لم اوافق على العمل في كتابة فيلمه الأخير، فبقيت بعيداً عن مرمى تداعيات الحادث، لكن ذلك لم يشكل اي تعزية لي، بل فاقم من احساسي بالخسارة.

تحدثت عن بغدادي لأن مشاهد فيلمه ‘كلنا للوطن’، شكلت في زمن الحرب رؤيتنا الى تلك التجربة الكبرى والمأسوية، التي سوف نبقى طوال ما تبقى لنا من العمر نعيد قراءتها، كي نكتشف ليس فقط كيف كنا، بل ايضاً كيف صرنا ما صرنا اليه.

صنع بغدادي فيلمه هذا من صورة الجنوب ومن صوت مارسيل خليفة. وبدا لي ان الصورة صدى الصوت، وان ما يغنيه خليفة من قصائد هو الحقيقة التي نسعى الى اكتناهها.

ومثلما نجح خليفة في ادخال الشعر الحديث الى عالم الأغنية، نجح بغدادي في ادخال الأغنية الى السينما من دون نجومية او تنازلات.

كانت الكلمة هي النجمة، والكاميرا والصوت هما الفعل، وكنا نحلم بأننا نستطيع ان نحلم.

قلت ان الصداقة مرآة الروح، وان الأصدقاء هم صورتنا في العلاقة بيننا وبين انفسنا. وحين يكون الصديق فنانا يصير في مكان خاص لأنه يجمع الحكايتين العامة والشخصية. لذا تصبح الخسارة لحظة وقوعها اكثر من خسارة شخصية. وغداً، عندما سنستعيد القدرة على كتابة التاريخ، سوف يكتشف المؤرخون ان موت محمود درويش لم يكن موتا فرديا فقط، بل كان علامة على نهاية مرحلة.

صحيح ان تجربتنا مع الحروب والخيبات والعمر، اقامت علاقة وثيقة بين الصداقة والموت، فالعديد من الأصدقاء اخذوا في موتهم اجزاء منا، لكن الصداقة هي ايضاً احتفاء بالحياة.

الحياة التي نحبها، والتي نحاول ان نصنع منها المعنى، ونبني عليها احتمالات الخيال. هذه الحياة التي تأخذنا الى المجهول وتغوينا به، تعطينا بلا حساب، وتأخذ منا بلا حساب، هي ميدان الصداقة، وأفق الاحتفال.

حين نرفع كؤوسنا كي نشرب نخب الحياة نكون كمن يشرب نخبين دفعة واحدة: الحب والصداقة. من دونهما لا كأس ولا حياة ولا معنى.

لذا ارفع كأسي يا صديقي لأشرب معك نخب الحياة، ولنحتفل معاً ‘لأن موتا غامضاً ضلّ الطريق اليك من فرط الزحام فأجّلك’، مثلما كتب محمود كي نغني ونحتفي معا بالغروب الذي يُشرق فينا. qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية