الـ’لا نظام’ العالمي الجديد

حجم الخط
0

هزت الأزمة المالية العالمية الأخيرة أرجاء الكون وامتدت مخلفاتها من بلد الانطلاق، أي الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أقصى بلدان الطرف الآخر من المحيطين الأطلنطي والهادي وتكاثفت على إثرها الجهود لاحتوائها وجَندت كل الدول على رأسها الدول الكبرى اقتصاديا كل إطاراتها وهياكلها للنظر في الأسباب والتوصل إلى حلول عاجلة وجذرية طويلة المدى، ذهبت حتى التدخل المباشر لحكوماتها في إعادة هيكلة مؤسساتها المالية والإدارية، والنظر من جديد في سياساتها المالية والاقتصادية، خاصة في نظامها المالي والمصرفي. الشيء الذي مثل تناقضا كبيرا، في أغلب الأحيان، مع سياساتها الليبرالية المُعتمدة أساسا على المداولة الحرة والتدخل المحدود للهياكل الحكومية في تسيير المؤسسات المالية والاستثمارية، الذي يُفترض أن يقتصر على تقنين نُظم المعاملات والمراقبة ووضع القواعد اللازمة لضمان نجاح المنظومة الاقتصادية، وفرض الضرائب وجمعها لدعم خزينتها العامة وتمويل مصاريفها العمومية.

يبدو أيضا أن معظم الدول حتى المتقدمة منها ذات الإيديولوجيات الديمقراطية منذ عقود، قد عزمت على استعمال كل سلطاتها المتاحة لتنفيذ برامجها الإصلاحية حتى عن طريق ردع حركاتها النقابية، وفرض سياسة مالية تعتمد على التقشف (الحاد في بعض الأحيان كما هو الشأن في اليونان) بواسطة تقليص المصاريف العمومية ومتتبعاتها المتمثلة أساسا في الحد من المنافع والتغطية الاجتماعية والصحية، التي تتكفل بقسط كبير منها صناديق الضمان الاجتماعي، لفائدة متوسطي ومحدودي الدخل من مواطنيها، وهو ما تحاول فرضه اليوم حكومات المملكة المتحدة وفرنسا.

كما رفعت حكومات بعض الدول، خاصة النامية منها، شعارات مكافحة الفساد المالي الداخلي واللجوء لهيكلة شاملة لمؤسساتها لتبرير سياساتها الإصلاحية واستثمرت هذه الحكومات فترة الركود الاقتصادي الحالي لأغراض سياسية لإظهار دورها (الذي هو في الواقع بديهي) كراع اجتماعي لمواطنيها، في حين كانت شعوبها في حاجة أكثر الى الشفافية والواقعية. كما تسعى بعض هذه الحكومات من ناحية أخرى إلى تمديد بقائها بطرق عدة، معتمدة في ذلك على مبرر أنها المنقذ الوحيد بلا منازع لشعوبها في هذه المرحلة الصعبة التي تمس أغلب المجالات الحيوية.

اللافت للانتباه هو أن المنظمات الأممية والمؤسسات المالية والتجارية الدولية وأغلب الدول العظمى التي ما فتئت تنادي بتطبيق الديمقراطية والحريات الشخصية والشفافية المطلقة كأحد الشروط الأساسية للدخول في معاهدات شراكة مع الدول النامية، بلغت درجة إصدار ‘قانون حق التدخل’ في الشؤون الداخلية للدول الأخرى إذا ما اقتضى الأمر لذلك لدواعي إنسانية بالأساس، صارت هذه الدول والمؤسسات الدولية تتجاهل في السنوات الأخيرة بشكل واضح التجاوزات التي تحصل في الدول النامية والفقيرة، وذريعتها في ذلك تكاد تكون مفهومة إذا أخذناها من منظور إستراتيجي متوسط وطويل المدى، حيث عمدت هذه الدول إلى تغيير جذري في سياساتها الخارجية تجاه الدول التي كانت في الماضي القريب تصنفها هي نفسها دولا متطرفة وعدوة، إذ تنازلت من خلالها دول كفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا عن مبادئها التاريخية القائمة على الديمقراطية والحرية الشخصية لكل الشعوب من أجل الظفر بعقود تجارية واستثمارية وعسكرية ضخمة، تضمن لمؤسساتها الديمومة في إطار تنافسي دولي حاد سقطت فيه أغلب قواعد المنافسة النزيهة. الرهان لحكومات الدول المتقدمة، التي كانت مضاعفات الأزمة المالية الأخيرة حادة على اقتصاداتها، كبير جدا أجبرها على التوجه لشراكات متعددة المجالات مع دول الجنوب، تحديدا دولا افريقية ودول الشرق الأوسط الغنية بثرواتها الطبيعية مستغلة في ذلك تطورها في المجال الصناعي والتنكولوجي والعلمي ومستجيبة إلى طلب الدول النامية للتطور والرقي من خلال استغلال أفضل لثرواتها، خاصة منها الدول التي ترنو لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي وقد تمثل هذا جليا في الاتفاقيات التي أحرزتها المملكة المتحدة، فرنسا وإيطاليا مؤخرا في العديد من المجالات مع ليبيا مثلا.

هذا التغير الكبير في السياسة الخارجية لأغلب الدول العظمى، الذي بدأ منذ سقوط منظومة المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي وانتهاء الحرب الباردة، على الأقل بصورة علنية، وصعود قطب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية لسيادة العالم قد احتد وتسارع، خاصة منذ اندلاع حرب الخليج الأولى وصولا إلى الأزمة المالية العالمية الحالية، وكذلك في ظل صعود أقطاب صناعية واقتصادية جديدة من دول آسيا أهمها الصين التي تمثل منافسا صلبا صار يمثل تهديدا للدول الغربية تمثل خاصة في ضرب قدراتها التنافسية في كل المجالات الصناعية، التجارية، التكنولوجية وحتى العسكرية، وأكبر دليل لتنامي هذا الخطر على الدول الغربية هو تظافر جهود الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي للضغط على الصين ودفعها لتعديل سياستها المالية والرفع من قيمة عملتها، مقارنة بالعملات الأخرى كالدولار الأمريكي واليورو، لتكون في موقع أقل تنافسية مما هي عليه حاليا.

هذا بالإضافة طبعا إلى حالة عدم الاستقرار التي تمر بها بعض مناطق العالم أهمها منطقة الشرق الأوسط بسبب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وكذلك التخوف من صعود إيران وكوريا الشمالية كعنصرين فاعلين في تغيير الخارطة السياسية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا، وفي العالم أيضا أدى الأمر على إثرها إلى تشكل بعض التحالفات من هذا الجانب أو الآخر، كالذي تم بين إيران وتركيا والبرازيل في مجال الطاقة مؤخرا من جهة وسعي الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا لتوسيع حضورها في منطقتي الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية ودول آسيوية في العديد من المجالات من جهة أخرى. زد على ذلك الحرب المتواصلة في العراق وأفغانستان وحالة التوتر الداخلي الذي تعيشه دول عديدة كباكستان ولبنان والعديد من دول القارة الافريقية.

المؤكد هو أن العالم يمر في هذه المرحلة بـ’لانظام’ عالمي جديد يتخبط فيه القطب السياسي والاقتصادي والعسكري الأول في العالم وهو الولايات المتحدة الأمريكية في أزمات داخلية وخارجية متعددة، كما تسعى فيه باقي الدول العظمى إلى إنقاذ اقتصادياتها وتجنب ثورة شعوبها عن طريق كل الوسائل حتى على حساب مقوماتها السياسية والاجتماعية، وتجد فيه كذلك الدول النامية والفقيرة نفسها تحت ضغط اجتماعي ومالي كبيرين يزيدان من تعميق أزماتها ويؤديان بشكل عكسي إلى تسلط أقوى لحكوماتها لضمان بقائها على حساب رفاهية شعوبها.

والسؤال الذي يتبادر لأذهاننا كشعوب عربية هو ما مدى تأثير هذا الوضع الحالي على مستقبل دولنا واقتصادياتنا. لا أظن الإجابة بديهية وواضحة على الأقل في المدى القريب، لكن لنأمل خيرا.

نبيل بن عزوز – أبوظبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية